الخميس ٢٧ آب (أغسطس) ٢٠٢٦
بقلم صلاح السروي

ما يجوز له الانتساب إلى الشعر وما لا يجوز

تعد قضية "ما يجوز له الانتساب الى الشعر وما لا يجوز"، من أقدم القضايا المطروحة على النقد العربي، منذ زمن بعيد. ويمكن القول بأن طرح هذه القضية مع ظهور كل مدرسة شعرية جديدة يدل على أن مفهوم الشعر ونظريته ليسا واضحين بالقدر الكافي. مما يجعل الكثيرين يتصورون أن الشعر هو فقط كا وصلهم عن الأقدمين. وأنه نوع أدبي ثابت على مر العصور بما يجعله غير قابل للتطور والتجدد. بل ان من يقولون بالتطور والتجدد يعدون مجدفين وملعونين، كما لو كانوا يشككون فيما هو مقدس. والحقيقة أن تصور خلود شكل واحد من أشكال قرض الشعر واعتباره صالحا لكل زمان ومكان هو نقل للشعر من منطقة الابداع الإنساني الى منطقة السرمدي. وهي منطقة لا يشاركه فيها سوى الدين. لذلك فان معاداة التجدد والتطور، انما هو نوع من التجلي لبنية أيديولوجية مهيمنة، تقوم على المحافظة والثبات. فهي لاتؤمن بالحركة والتغير ، وانتما ترى الوجود ثابتا وواضحا وكاملا. كما تعتبر أن التغيير نذير شؤم وتهديد بالفناء. وتلك رؤية بدائية تنتسب الى زمن عبادة الأسلاف والتمسك بما تركوه من طرائق حياتية، وتعتبر أن التخلي عن هذا الميراث مجلبة للعنات التفكك والضياع.

ولذلك حارب هؤلاء كل جديد بمعيار مدى مخالفته لما وصلنا عن الأقدمين. فأصبح الماضي عندهم حجة على الحاضر والمستقبل. وأصبح النموذج الشعري الذي وصلنا عن الأقدمين هو المجسد لمفهوم الشعر باطلاق.

وطرح هذه القضية ليس جديدا، بل إنها حاضرة منذ قلب العصور القديمة ذاتها، وهي تشرع على الدوام كلما جد جديد. فها هو ابن الأعرابي (150 هـ - 231 هـ)، في القرن الثالث الهجري، يخرج شعر أبى تمام (188 هـ و231هـ ) من النوع الشعري، حسبما عرفته العرب، قائلا: "ان كان هذا شعرا فما قالته العرب باطل". (أورده أبوبكر الصولي في كتابه: أخبار أبي تمام، بتحقيق خليل محمود عساكر - محمد عبده عزام - نظير الإسلام الهندي، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، ط1، القاهرة، 1937، ص 244.)

لقد أقدم ابن الأعرابي بإصدار هذا الحكم الجائر بإخراج أبي تمام (ومن هو أبو تمام!!) من زمرة الشعراء، بالمطلق، لمجرد أن شعره قد تزين ببعض ألوان البديع من جناس وطباق وتورية.. الخ. مخالفا، في ذلك، وعلى نحو جزئي للغاية، أعراف التصوير والتخييل السائدة في القصيدة العربية السابقة عليه والسائدة في زمنه.

ويمكن أن ندرج في هذا السياق، أيضا، ما أورده ابن قتيبة عن أبي عمرو بن العلاء قوله: "لقد كثر هذا المحدث، وحسن، حتى كدت أن أرويه"(ابن قتيبة، الشعر والشعراء، الجزء الأول، دار الثقافة، بيروت، 1980، ص11)

فرواية الشعر، (وقد كانت بمثابة اعتراف بجدارة الشاعر وجودة شعره)، في رأي أبي عمرو بن العلاء، لا تجوز الا للقديم الجيد المقطوع بصحة انتمائه للمستقر من مفهوم الشعر. أما "المحدث" فهو دائما في موضع التشكك والريبة، الى أن يتبين أمره، مهما كثر أو حسن.

كذلك أورد ابن قتيبة عن أبى المهوش الأسدي، في مقدمة كتابه: الشعر والشعراء"، قوله: "وليس لمتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين في هذه الأقسام، فيقف على منزل عامر، أو يبكي عند مشيد البنيان، لأن المتقدمين وقفوا على المنزل الداثر والرسم العافي، أو يرحل على حمار أو بغل ويصفهما، لأن المتقدمين رحلوا على الناقة والبعير، أو يرد على المياه العذاب الجواري، لأن المتقدمين وردوا على الأواجن الطوامي، أو يقطع الى الممدوح منابت النرجس والآس والورد، لأن المتقدمين جروا على قطع منابت الشيح والحنوة والعرارة."( ابن قتيبة، مرجع سابق، ص22.)

فالجديد، عند أبي المهوش، ليس من حقه أن ينتمي الى ما ترسخ الاعتراف بكونه "شعرا"، الا باتباع القديم، حتى في الموضوعات والقاموس اللغوي والمفردات والأغراض.. الخ. حتى لو اختلفت البيئات والأوضاع الاجتماعية والحضارية، والا فانه يفقد قيمته وجدارته بالاهتمام. وبالتالي، فان معيار الجدارة بالانتساب الى الشعر، كما عرفته العرب، يتلخص في مضاهاة وتقليد ما تركه الأقدمون. وأن أي خروج على قواعد هذا القديم انما تعنى الخروج والمروق من جنة هذا النوع الشعري.
ان هذا النمط من التفكير قد يمكن استيعابه وتفهمه في ضوء الظروف الاجتماعية والثقافية المحافظة التي أدت الى انتشاره وهيمنته في العصور القديمة، بالنظر الى ما تتميز به تلك العصور من سيطرة قيم "الجماعة" التي أفرزها مفهوم "الوحدة البدائية بين الفرد والجماعة" (انظر: جورج لوكاتش، مشكلات نظرية الرواية، ترجمة صلاح السروى، مجلة أدب ونقد، العدد 96، أغسطس 1993، ص47) وهي قيم الامتثال والتقليد والانصياع التام من قبل الأفراد لما أقرته الجماعة من مواضعات في عصورها السابقة.

لقد كانت المهمة الأساسية لهذا المفهوم (مفهوم الوحدة البدائية) يتمثل في الحفاظ على وحدة تلك الجماعة، وكذلك، جماعات (قبائل) مرحلة ما قبل ظهور الدولة المدنية الحديثة، وحمايتها من انفراط عقدها وتفرق شملها، بما ينذر بفنائها. لكن الغريب هو استمرار الايمان بصلاحية هذا التفكير في عصرنا الحديث. حيث وجدنا موقف ابن الأعرابي يتكرر من قبل بعض رجال الأزهر والمؤسسات التقليدية المحافظة في وجه الدكتور طه حسين، ابان الأزمة التي أحدثها ظهور كتابه: "في الشعر الجاهلي" عام 1928، عندما جاء بما يخالف المستقر فيما يعرف ب "كتب الأخبار"، التي ما زالت تعد، حتى الآن (للغرابة)، المصدر الوحيد لتاريخ الأدب العربي، على الرغم من كل التطورات التي شهدتها مناهج البحث الأدبي.

وكذلك الأزمة التي أثارها الأستاذ عباس محمود العقاد، عندما كان رئيسا للجنة الشعر بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب في أواخر الخمسينيات، وقام بتحويل ديوان الشاعر (الشاب في ذلك الوقت) صلاح عبد الصبور الى لجنة النثر. في إشارة ضمنية منه الى أن الشكل الذي جاء على نسقه، هذا الديوان، من شعر التفعيلة، لا ينتمي الى النوع الشعري. بل لقد وصل الأمر الى حد الطرافة، عندما رفض العقاد أن يستقل الطائرة المتجهة الى دمشق لحضور مهرجان الشعر العربي عام 1960، مادام يستقلها، معه، شاعران يكتبان قصيدة التفعيلة هما: صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي. ولم يقبل السفر على الطائرة نفسها الا بعد أن تعهد له يوسف السباعي (وكان وقتها رئيسا للمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب وهو الجهة المنظمة للمهرجان) الا بعد أن أخذ تعهدا على الشاعرين المذكورين بأن يقوما بالقاء قصائد عمودية في فعاليات المهرجان.

(انظر: د. محمد السيد إسماعيل، لماذا نستعيد اليوم معارك عباس محمود العقاد الثقافية، اندبندنت عربية، 19 مارس، 2022)

https://www.independentarabia.com/node/312621/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%C2%A0%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D9%86%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%85-%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%B1%D9%83-%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3-%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A9%D8%9F)

لقد بقيت عبارة ابن الأعرابي السابق ايرادها، حية وماثلة، حتى وقتنا الراهن، ليس فقط، في الوعي الثقافي والنقدي العام وغير المتخصص، بل انها وجدت لها مستقرا وملاذا آمنا في وعي بعض الأكاديميين. فلقد قام د. علي عشري زايد بتكرار هذه العبارة، بنصها، في سياق تقييمه لظاهرة قصيدة النثر، التي ظهرت بقوة مع مطلع تسعينيات القرن العشرين، حيث صرح بأن:

"البون شاسع بين الحالة التي كان عليها شعر أبى تمام في علاقته بسابقيه، والحالة التي عليها قصيدة النثر في علاقتها بما سبقها من شعر في عصرنا". ملمحا الى فداحة ما نحن عليه الآن، قياسا بما كان عليه الأمر في شعر أبي تمام. ولذلك يخلص الى أننا (يواصل قائلا).. "في أمس الحاجة الى أكثر من ناقد في مثل تزمت ابن الأعرابي وفى مثل صرامته ليقف في وجه هذا السيل الجارف، وليزود عما بقي من حدود بين أجناس الأدب وأشكاله الفنية، بل بين الأدب وبين العبث والاسفاف والابتذال". (على عشري زايد، ان كان هذا شعرا فكلام العرب باطل، مجلة ابداع، القاهرة، العدد الثالث، مارس 1996، ص25)

فالأمر، في تقدير علي عشري زايد، (فيما يتعلق بقصيدة النثر) قد بلغ حدا من التجاوز والتفاقم بما لم يعد كافيا لمعالجته وجود ناقد واحد من طراز ابن الأعرابي، قياسا على القدر المحدود من المغايرة التي جاء عليها شعر أبي تمام عن شعر سابقيه، ومقارنة بالقدر الذي يعده متجاوزا بمراحل ل "جريمة"!! أبي تمام، على النحو الذي جاء عليه شعر قصيدة النثر. بما يعني أن "جريمة" قصيدة النثر، عنده، أكبر وأخطر بكثير، بما يجعله يتطلب ما هو أكثر من أمثال ابن الأعرابي عددا و"تزمتا".
وهو اذ يعترف بأن ابن الأعرابي كان "متزمتا" في رفضه لشعر أبي تمام فان "تزمته" ذاك لا يعد نقيصة في مقام الاحتجاج على قصيدة النثر، بل انه ليس كافيا، فنحن في حاجة الى ما هو أكثر منه لرفض تلك الظاهرة الشعرية المعاصرة. وهنا نشعر بأن المشكلة عند الدكتور زايد قد جاوزت حدود ما يتطلبه الموقف العقلاني أو العلمي من ظاهرة فنية.

وقريبا من هذا جاء موقف د. كمال نشأت، الذي اتهم الشعر الذي ورد تحت اسم "قصيدة النثر"، "بالركاكة" و"فساد الذوق". مفرقا اياه عن "الشعر" الذي يرتكز على ما يسميه ب "الذوق المصفى والموهبة الشاعرة". (كمال نشأت، شعر الحياة اليومية، مجلة ابداع، القاهرة، العدد الثالث، مارس 1996، ص 55)

ولم يورد كمال نشأت أي توضيح أو تحديد لمفهومي: "الركاكة"، و"فساد الذوق". كما أنه لم يورد أي نوع من التعريف لما أسماه ب "الذوق المصفى والموهبة الشاعرة". اللهم الا إذا كان المقصود هو النمط الشعري السائد والموروث، على النحو الذي أقره الأقدمون. والأرجح أن هذا هو المقصود.

لكل ذلك، بات من الضروري اجراء نوع من البحث المفصل حول ما يعنيه "مفهوم الشعر". وهل يقوم الشعر على مفهوم واحد (أبدي أزلي) لا يعتريه التغير مع تغير الأزمان والأماكن، أم أنه يسري عليه ما يسري على كل الموجودات من تغير بين زمن وآخر ومكان وآخر. واذا كان متغيرا فعلى أي أساس معرفي يحدث هذا التغير؟ هذا ما سأحاول الاجابة عليه، فيما سيلي. لكن لا بد من الإقرار، بصفة مبدأية، بأن التطورات التي اعترت النوع الشعري على مر التاريخ قادرة، وحدها، على اثبات أن التشكيل الجمالي للنوع الشعري (ولأي نوع أدبي آخر) ليس أبديا ولا خالدا على مر الأزمان، ومن غير المتصور الزعم بإمكانية الثبات المطلق لأي ظاهرة، الا في عالم الغيب. وبالتالي فان من البدهي القول بأن الشعر (كغيره من الظواهر والفنون) انما هو متغير ومتطور ومتنام على الدوام، اللهم الا اذا تحفظنا تجاه انتساب هذه الظاهرة أو تلك الى هذا النوع، وهذا أيضا لا يستطيع بحد ذاته انكار ظاهرة التطور والتغير لهذا النوع أو غيره. شأنه في ذلك شأن كل الأشياء والأحياء في دنيانا.

والدليل على ذلك، فيما يختص بالنوع الشعرى، ما نشهده من عدم ثباته على حال واحدة، على مر المراحل التاريخية، على الرغم من كل أشكال المقاومة والاقصاء والاستبعاد التي بذلت من أجل ذلك، فيما يختص بتطور الشعرية العربية. لذلك صار من البدهي القول بأن مفهوم الشعر متغير بتغاير العصور: فاليونان، والرومان، والعرب الأقدمون، والأوربيون المحدثون والمعاصرون، كل أولئك كانت لديهم مفهومات متفاوتة عن طبيعة الشعر. كل على حدة، وخلال المراحل التاريخية التي تعاقبت على كل منهم، على حد سواء. ولقد قاموا، جميعا، بصياغة مفاهيمهم، تلك، بحسب ما أملته الظروف والتحديات التي شكلت مشاهد أزمانهم المتعاقبة وما أملته من وظيفة محددة للفن الشعري.

كما أفترض أن هذا التغير، في "مفهوم" الشعر،إنما يتم استجابة لتغير "وظيفته"، بحسب ما تمليه الاحتياجات الثقافية الناتجة عن التحولات الاجتماعية - التاريخية.

ولذلك، قلت إن موضوع البحث عن وظيفة الشعر قديم، قدم النظرية النقدية الأدبية، ذاتها. بدءا من رؤى أفلاطون، وأرسطو، في العصر الاغريقي، ومرورا ب هوراس في العصر الروماني، وبوالو في عصر النهضة، والنقاد العرب القدامى، وصولا الى أيامنا هذه. بل انه لايمكن الوصول الى تحديد طبيعة النوع الشعري في أي مرحلة تاريخية الا عبر تحديد وظيفته. كل ما في الأمر أن ظرفا تاريخيا معينا قد يقوم بتقديم وظيفة على باقي الوظائف، وعندها يأخذ المقول الشعري شكلا مغايرا لما كان عليه من قبل.

ولقد سبقني في الحديث عن طبيعة الشعر ووظائفه د. لويس عوض، قائلا: "ما يقال في طبيعة الشعر يقال في وظيفته (..) ذلك لأن الحصر المنطقي يقتضي رد التراث الأدبي المعروف حتى اليوم الى أربعة صنوف. غايتها، على التعاقب، الإفادة أو الامتاع أو كلاهما." (مقدمة كتاب هوراس فن الشعر، مرجع سابق ص 57)

أما الصنف الرابع الذي أشار اليه لويس عوض، بعد الإفادة والامتاع والجمع بينهما، ولم يذكره هنا، فقد قام بذكره في موضع لاحق من المرجع المذكور، ألا وهو ما يسميه "بالمذهب الذاتي"، ويعرفه بأنه .. "مذهب، في ألطف درجاته، يعتبر الشعر افرازا. وفي أخطرها ينفي مسئولية الشاعر عن الايصال" (هوراس، فن الشعر، مرجع سابق، ص 58)

وأظنه يقصد الاتجاهات الطليعية في الشعر، مثل السيريالية والانطباعية. وهي اتجاهات تجعل غايتها البوح والتعبير عن مكنونات الذات، بصرف النظر عن أية غايات أخرى.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى