

من مقامات مجنون العرب
فجأة وجد المجنون نفسه في قلب مدينة البصرة .. لكنه لايتذكر بأية وسيلة أو بأية حيلة استطاع الوصول اليها.. ربما ببساط الريح وصل.. وربما طار اليها بجناح الأمل.. تحدرت على خديه عبرات.. لأنه كان مشتاقا للقيا البصرة منذ سنوات.. وها هو الآن يعود.. ويتذكر كيف استقبله أهلها من قبل بالورود.. هو وغيره من الشعراء.. وقتها كانت الأرض ترتوي بالمطر وبالدماء.
اهتزت أعصاب المجنون.. لأنه شاهد شياطين الحمق الملعون.. تعربد في أرجاء السماء.. وبعدها يسقط على الأرض ضحايا أبرياء.. لكنه سرعان ما استطاع ان يتوازن.. لأنه وجد كل انسان مع غيره يتضامن.. وأخذ المجنون يتجول.. يتمهل احيانا، وأحيانا يتعجل.. وتعجب حين رأى الناس يملأون الشوارع... رغم كل ما ترتكبه الشياطين من فظائع.
= يجب ان نتحرك يا أستاذ.. لا لكي نبحث عن ملاذ.. وانما لكي نساهم في الانقاذ.
– أنا دائما لا أتأخر.. رغم أني في العمر منك أكبر.. أنسيت أني من النجف الأشرف .. وأني دائما للفداء أتشوق وأتشوف؟
= يا أستاذ.. إني أعرف قدرك.. وأعشق من كل قلبي شعرك.. لكن لابد أن نتحرك بسرعة من أجل البصرة.. لكي تظل قلعة عربية تحتضن الشعر والثورة.
.. استمع المجنون بانتباه.. وعلى الفور تحركت قدماه.. وأخذ يقترب من الرجلين.. بعد أن أدرك انهما لابد أن يكونا شاعرين عراقيين.. وبعد ان اقترب منهما أكثر.. ادرك ان المفاجأة قد أصبحت أكبر.. حيث عرف ان الأستاذ هو شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري.. وان من معه هو بدر شاكر السياب.
= السلام عليكما أيها الشاعران الكبيران.. واعذراني إذا قلت إني مندهش من وجودكما الآن.. فما أعرفه أن أكبركما يرقد في دمشق، قرب مسجد السيدة زينب.. وأما أنت فمن المفروض أنك ترقد في مقبرة الزبير بالبصرة..
قال الجواهري وهو يعدل طاقيته الشهيرة:
– وعليكم السلام.. وأن كان السلام الآن غير موجود.. بسبب «العلوج» الذين تخطوا الحدود.. وجهك ليس بغريب.. لقد التقيت معك في مصر وفي قطر.. والآن أراك في البصرة... ولكن لماذا تسير بغير سلاح.. لابد من السلاح لكي يتحقق النجاح في الكفاح.. خذ هذه البندقية.. وجرب ان تستخدمها ضد الوحوش الاجنبية.
فرغم اني اكبر منكما فإني أحمل بندقيتين.. وكنت أنوي إعطاء واحدة لأول من تراه العين... وها أنت أمامي.
هبط على الأرض كائن خفيّ.. له جسد مراوغ زئبقيّ.. أما الوجه فهو وجه غراب.. ودون ان يراه الجواهري والسياب... همس في أذن الجواهري: انك تقف مع مسلم سُنيّ.. وهمس في أذن السياب: أنت تتحدث مع مسلم شيعيّ.. وحين اقترب الكائن من المجنون، صفعه المجنون على قفاه.. فاندهش الجواهري والسياب مما شاهداه.. وسألا المجنون لماذا تحركت يداه.. فقال لهما: كنت أصفع الشيطان الأكبر .. لأنه ينفث السم ويتصور.. أنه لايمكن أن يُقهر.
دوت على الأرض اصوات انفجارات.. وتهدمت بعدها بعض البيوت والمحلات.. فتعالت من كل القلوب تكبيرات.. الله أكبر.. الله أكبر
الله أكبر فوق كيد المعتدي
والله للمظلومِ خير مؤيد
قولوا معي.. قولوا معي..
الله أكبر فوق كيد المعتدي»
. ومن أرض لبنان.. حملت الريح صوتا قويا يرفض الخنوع والإذعان.. ويطالب العرب بالتصدي للطوفان.. وأخذت جوليا بطرس تصيح.. ويتردد صوتها في الفضاء الجريح!
«وين الشعب العربي.. وين؟
الغضب العربي.. وين؟
الشرف العربي... وين؟
اللي جُوَّه الضلوع
أقوى من الدروع»
... تحرك الجواهري والسياب والمجنون.. بعد أن أقسموا أن تظل البصرة.. قلعة عربية حرة.. تحتضن الشعر والثورة.. وأخذ الجواهري يردد ما يحفظه من شعر المتنبي:
«على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام المكارمُ
وتعظمُ في عين الصغير صغارها
وتصغرُ في عين العظيم العظائمُ»
صرخ السياب بحزن مكسو بالغضب.. يا أستاذ .. أين هم العرب؟... ثم تنهد وهو ينظر للمجنون.. لاعناً في العلن كل من يخون:
«إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون
أيخون إنسان بلاده؟
إن خان معنى أن يكون..
فكيف يمكن أن يكون؟
الشمس أجمل في بلادي من سواها والظلام حتى الظلام أراه أجمل فهو يحتضن العراق
.. الريح تصرخ بي: عراق
والموج يعول بي: عراق.. عراق.. ليس سوى عراق»
.. وهنا قال المجنون للسياب.. أرجو أن تنسى الخونة والأذناب.. وتذكر أن هناك فرقا بين العرب و الأعراب .. وأن الخطر الوحشي يدق على الأبواب.. وعلى الفور قال الأستاذ :
حييتُ شعبك في حرب فحييني
يادجلة المجد.. يا أُمَّ الميامين
حييتُ شعبك مقداماً يؤازره
جندٌ من الله في وجه الشياطين
إني رأيتُ علوج الشر ساقطةً
في الناصرية.. هذا المجدُ يكفيني
..اندهش المجنون وقال للاستاذ : يا أستاذ.. ماذا جرى في الناصرية ؟.. إنها مدينة أصدقاء كثيرين لي من ذوي الهمة والحمية.. طمئني.. أرجوك.. حتى لا تنغرس في صدري الشكوك.. قال الجواهري وهو يحتدم: الله على الناصرية.. فقد كنت في كربلاء قبلها بقليل.. حيث قابلت الفلاح العراقي الاصيل.. علي عبيد منقاش .. انه لم يكن يحمل المدفع الرشاش.. وانما بندقية قديمة.. ومع هذا فإنه اسقط بها اداة من ادوات الجريمة. وارتفع صوت الجواهري وهو يقول: علي عبيد منقاش اسقط طائرة أباتشي ... قال لي حين قابلته لأحييه.. أتعرف اني كنت أحب أطباق الدولمة و المحشي .. أما الآن فإني اصبحت أتذوق أطباق الأباتشي!
وقال السياب للمجنون: ألا تعرف ايضا ميسون؟.. انها امرأة عراقية عظيمة.. وقد تصدت بـ«الآر.بي.جيه».. لأداة اخرى من أدوات الجريمة.. ميسون حميد عبدالله.. دمرت بعون من الله.. عربة مدرعة من عربات الغزاة.. وقالت لمن فيها
وهم يهربون في كل اتجاه.. سترون يا أوغاد.. كيف ستستقبلكم بغداد.. وكل شبر من أرض البلاد.
أضاف الجواهري بسرعة: هناك عاصفة قاصفة.. اسقطت من الأباتشي اثنتين.. في اقل من غمضة عين.. كأنها تقول: ما بين غمضة عين وانتباهتها.. يغير الله من حال الى حال.. .. فلنشكر الله تعالى.. ولنقرأ ما قاله سبحانه: «ألم تَرَ كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ألم يجعل كيدهم في تضليل، وأرسل عليهم طيرا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول».. صدق الله العلي العظيم.
مرة ثانية.. تحرك الجواهري والسياب والمجنون.. لكي ينظروا في عيون الذين جاءوا يغزون.. لكنهم وقعوا في الأسر.. فأدركوا انهم ضحايا ما في قلوب قادتهم من غدر.. وما تمتليء به عقولهم من شر.قال الجواهري بصوت يحاول ان يتسامح: كيف الحال يا حضرات الأسرى شعب العراق سيعاملكم أولا بسماحة الإسلام.. لن يطبق عليكم ما تستحقونه من إعدام. وهذا
ما قاله وزير الإعلام..محمد سعيد الصحاف.. فأرجو ألا يرتعد أحد منكم أو يخاف.. ولكني أسألكم: لماذا جئتم الى العراق.. هل تصورتم اننا سنستقبلكم بالعناق؟
رد أحد الأسرى وهو يطأطىء رأسه من الذل.. نعرف ان لديكم الياسمين والفل.. لكنكم لا تهدونه الا لمن يستحق.. ونحن بالطبع لا نستحق.. والحقيقة أن قادتنا قد ضللونا.. فجاء ابناء العراق وأسرونا.
= هل قدموا لكم الشراب والطعام؟
– نعم.. لكنهم رفضوا التحية والسلام !
= لأنكم حاولتم أن تقدموا لهم الشر.. فكان ان سقطتم في الأسر.. وسنعيدكم لإمبراطوريتكم بعد ان يتحقق لنا النصر.
عاد الجواهري والسياب إلى البصرة.. الى القلعة الأبية العربية الحرة.. أما المجنون فقد قَبَّلَ كلا منهما وعاد.. ليتابع اخبار تضحيات بغداد.. ورغم أن الجو تسكنه الغيوم.. فإنه طرب عندما تهادى إليه صوت أم كلثوم:
بغداد يا قلعة الأسودِ
يا كعبة المجد والخلودِ
يا جبهة الشمس للوجودِ
سمعتُ في فجرك الوليدِ
توهج النار في القيودِ
وبيرق النصر من جديدِ
يعود في ساحة الرشيدِ
بغداد.. يا قلعة الأسودِ