الجمعة ٢١ آذار (مارس) ٢٠٢٥
بقلم عارف محمد نجدت شهيد

في ذكرى اللقاء الأول

مضى عشرون عاماً على لقائنا الأول، ولا زالت يدي التي صافحت يدك دافئة وكأنني قد سحبتها للتو، لا زلت أذكر ابتسامة المجاملة التي اعتلت وجهك في ذلك اليوم، ونظرات الإعجاب الذي تملك قلبي منذ اللحظة الأولى. لم أدرك حينها أن طوفاناً جارفاً سيأتي ويحملك معه وسيجمل كل شيء أحببته! لم أتخيل للحظة واحدة، أن ينتهي بي الحال إلى رجل كئيب يصارع الوحدة في سجنه الطوعي ويكتب لك كلماته اليائسة والدمع حبيس في عينيه ينتظر الإذن ليطوف على وجهه الشاحب ويبلل لحيته الطويلة فتقطر دمعاً.

لقد عبثت الأقدار بقلبي عبث الذئب بفريسته، ونالت مني تلك السنوات فخطت خطوطها على وجهي وغرست رماحها في صدري، إلا أنها عجزت عن الوصول إلى ذلك الركن العميق الذي يحتفظ بك.

كنت إذا راعني شيء من هذه الدنيا فزعت إلى عينيك، أما وقد أخذك الطوفان، فإنني أضع يدي على قلبي كلما شعرت بخوف فأجدك فيه فتطمئن نفسي وتسكن روحي!

أنظر بذعر إلى الخراب الذي خلفته الحرب كما ينظر المغشي عليه من الخوف إلى السيوف المسلطة على نحره، فأغمض عيني، فيعود الزمن إلى يومنا الأول في ذلك النهار الربيعي الجميل، ثم يتوقف الزمن، فتعود الحياة إلى رونقها في المكان، فنجانك لا يزال ممتلئاً، تتوسط الطاولة وردة حمراء تنحني أمامك بخجل إجلالاً لك وإقراراً بتفوق جمالك، وأشعة الشمس تخترق نافذة المقهى لتلقي بنورها على الطاولة وتصافح وجهك فيزداد نوراً.

لا يأبه لنا أحد من المارة الذين يمشون على عجل فكل له شأن يغنيه، أشيح بوجهي عن النافذة فلا يعنيني أمرهم، وأنصت بإمعان إلى حديثك الدافئ وأتأمل حركات وسكنات ثغرك تارة، ثم أتامل عينيك تارة أخرى.

(نهار ربيعي من نيسان 2005م)

ابتسمت مايا ابتسامة صافية ثم سألتني: "لم تطيل النظر إليّ؟" فأجبتها بتلقائية: "عيناي أسيرتان ولا يملك الأسير من أمره شيئاً!"

نظرت إلي بحيرة وقالت: "أعذب الشعر أكذبه، جميع الرجال يغالون في مغازلة النساء!"

أجبتها دون أن أشيح نظري عنها: "انظري إلى يدي" ثم أطفأت السيجارة في راحة يدي وأردفت قائلاً: "لا أشعر بالحرق الذي سببته السيجارة ولكنني لو أشحت بنظري عنك سأشعر به"

صاحت بغضب: "لم فعلت ذلك؟" ثم أخرجت من حقيبتها منديلاً وعبوة كحول ثم أمسكت يدي بيديها الصغيرتين ووضعت بعض الكحول على الحرق ثم غطته بالمنديل وضغطت على راحة يدي.

ضحكت بصوت مرتفع فقالت باستنكار: "أتقابل الإحسان بالإساءة يا ناكر الجميل؟" فتوقفت عن الضحك وقلت لها بابتسامة ماكرة: "لست طبيباً ولم أدرس في كلية الطب لكره مقيم لمادة العلوم، ولكنني أعلم أن وضع الكحول على الحرق مؤلم ويهيج الحرق، ولكن لا بأس ببعض الإسعافات الأولية إن كانت يدي بين يديكِ".

أفلتت يدي واحمرت وجنتاها من الخجل فقلت ساخراً: "أعرف علاجاً فعالاً للحروق". نظرت إليّ بعين التساؤل دون وقالت بصوت خافت: "وما هو؟" فأجبتها بذات النبرة الساخرة: "احتساء القهوة من فنجان المسعف" وأخذت فنجانها بسرعة ثم أمسكته بيدي اليسرى -فهي عسراء- فوجدت أثر أحمر الشفاه فابتسمت لها ابتسامة واسعة ثم رشفت رشفة من الفنجان ووضعته أمامي.

وقبل أن تصب علي نيران غضبها رفعت يدي فأتى النادل وقلت له بأدب: "أحضر لنا فنجاناً من القهوة من فضلك".

(ليلة حارة من شهر آب 2009م)

بسط الليل سلطانه على الحي القديم الذي خلا من المارة، تضيء أعمدة الإنارة بعض أركانه. يجلس على الرصيف تحت عمود إنارة متعطل ويتحدث بصوت أقرب إلى الهمس على هاتفه المحمول.

 "ماذا تفعل؟"
= أراقب السماء منتظراً طلوع القمر.
 ولكنها ليلة مقمرة.
= لم يقمر ليلي بعد.
 ماذا تقصد؟
= ارفعي ستار النافذة.
تحركت مايا بخطوات هادئة وفتحت النافذة ثم نظرت إلى السماء.
= الآن قد أقمر ليلي!

أرسلت نظرها إلى الشارع فوجدته جالساً على الرصيف يلوح بيده مبتسماً ثم يغادر على الفور.

(يوم ماطر من شهر تشرين الثاني 2010)

تمسح المكياج الذي أفسده المطر بمنديل معطر، ترتجف من البرد وتغمغم بكلمات غير مفهومة تندب فيها حظها العاثر الذي أخرجها من منزلها الدافئ.

أخرجت من جيبي ورقة يتيمة من فئة المئة ليرة قد تبللت بعد أن مشينا ما يقارب الساعة تحت المطر قبل أن نهتدي إلى هذا المقهى.

أعطيتها للنادل وقلت له ساخراً: "أحسن استقبالها وخذها إلى مكان دافئ، فقد تبللت بالماء فداء لنا، فلولاها لبقينا تحت المطر"

ابتسم النادل ثم سألنا عما نود أن نشربه فطلبت كأساً من شراب الليمون الساخن لها.

ارتجفت أوصالها وهي تقبض بكلتا يديها على كأس شراب الليمون وترتشف منه ببطء ثم هدأت أنفاسها اللاهثة وبدأت تشعر بالدفء.

أشار بيده اليمنى على راحة يده اليسرى فجاء النادل وأعطاه سبعون ليرة فترك له عشرين ليرة وأخذ الخمسين ثم دسها في حقيبتها.

 ماذا تفعل؟ لماذا لم تطلب فنجاناً من القهوة؟

= لا يعرف صاحب المال راحة البال يا عزيزتي، لقد أرهقني التفكير في الطريقة المثلى لتوزيع ثروتي وقد أزحت هذا العبء الثقيل عن كاهلي الآن.

قالت ضاحكة: "رزقك الله راحة البال" فأجاب مبتسماً: "لو استجيبت دعواتك سأحيا ما تبقى من عمري فقيراً" فأطلقت ضحكة مرتفعة ثم رشفت من كوب الليمون الساخن.

 ثلاثون ليرة ثمن كوب الليمون الساخن، وعشرون ليرة للنادل، فماذا أصنع بالخمسين ليرة؟

= ستحملك هذه الليرات بسيارة أجرة إلى منزلك بدلاً من المشي تحت المطر.

 وماذا ستصنع؟

= ستحملني قدماي إلى المنزل.

(نهار خريفي في تشرين الأول 2014م)

أمطرت سماء المدينة قذائف تعد ولا تحصى، الناس يركضون في جنون كأنهم سمعوا نفخة الصور، وأنا أجلس وحيداً في طاولة منفردة لها كرسي واحد في زاوية المقهى الذي احتضن لقائنا الأول، فقد اعتذرت مايا عن المجيء للمذاكرة، كما اعتذر فؤاد؛ صديقي الوحيد الذي منحتني إياه الدنيا على مضض، عن لقائي لذات السبب. أراقب الخوف على وجوه الناس بوجه جامد، فمنهم من دفع أجور الطاولة ومضى على عجل، ومنهم من اختبأ تحت الطاولة، وبعضهم جالسون بتوتر ينتظرون توقف القذائف لمغادرة المقهى.

تسلل صوت كاظم الساهر إلى مسامعي وهو يغني رائعة نزار قباني "أحبيني بلا عقد" وكأن كلمات الأغنية كتبت لوصف مشاهد الموت والخذلان التي أراها وأعجز عن فهمها.

"أحبيني لأسبوع، لأيام، لساعات، فلست أنا الذي يهتم بالأبد..

تعالي..تعالي..تعالي.. تعالي واسقطي مطراً.. على عطشي وصحرائي..

وذوبي في فمي كالشمع.. وانعجني بأجزائي..

أحبيني.. بعيداً عن بلاد القهر والكبت..

بعيداً عن مدينتنا التي شبعت من الموت.."

أنظر إلى طاولة بعيدة في الزاوية الأخرى من المقهى كما ينظر الأب إلى طفله الوحيد المسجى، والدموع تنساب من عيني بصمت.

شربت فنجان القهوة دفعة واحدة ثم توجهت إلى موظف الاستقبال ودفعت حساب طاولتي وتلك الطاولة التي كنت أراقبها وهمست في أذن الموظف بكلمات ثم غادرت مسرعاً.

اقترب النادل من تلك الطاولة وقال بلطف: "السيد فؤاد، لقد دفع السيد هاشم حساب الطاولة ويتمنى لك وقتاً ممتعاً برفقة الآنسة مايا".

وقد عميت عيناي عنهما منذ ذلك اليوم.

تقطعت كل السبل بيننا، ولم يصل إلي عنهما أي خبر، لقد غادرا البلاد وطوت سنوات الحرب صفحتهما اللهم إلا من بعض الذكريات التي تزورني ليلاً فتقض مضجعي وتؤرقني.

تحاصرني أسئلة كثيرة عجزت عن الإجابة عنها، تتردد هذه الأسئلة في صدري كصرخات في وادٍ مهجور. هل كان بإمكاني أن أفعل شيئاً مختلفاً؟ لماذا لم أقتلهما في ذلك اليوم؟ ما الخطيئة التي اقترفتها لأستحق هذه النهاية الآثمة؟ هل كانت تحبني حقاً؟

لقد ذهبت تلك الأيام الخوالي ولن تعود أبداً، وأثخنت الحرب فينا وخلفت جراحاً لا تلتئم، وأنا هنا في مدينتنا المنهكة، أحمل تلك الذكريات وأعباءها، وأحاول أن أعيش في عالم لم يعد يعرف سوى الخراب.

بقيت وحيداً في مدينة أصبحت غريبة عني، مدينة تذكرني بكل شيء إلا الراحة. فالمقهى الذي كان ملاذنا الأول أصبح الآن مكاناً لأشخاص آخرين، يحملون قصصهم الخاصة، ربما تشبه قصتنا أو تختلف عنها، وكأنني أرى في وجوههم وضحكاتهم قصتي التي بدأت منذ عشرين سنة، فما أقرب اليوم من البارحة، وما أبعده عنها!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى