صافرات الموت في ليل المرافئ
صافراتُ الموت
تدوي…
في ليلِ المرافئ،
في تلِّ الربيعِ
وفي حيفا
وفي مدنٍ نمتْ فوقَ جرحِ البلاد.
تدوي…
كأنَّ الحديدَ
يستغيثُ من الحديد،
وكأنَّ السماءَ
تتذكّرُ فجأةً
أنَّ الأرضَ كانتْ هنا
أكثرَ دفئًا…
وأكثرَ قمحًا.
يا صوتَ الصافرات…
هل تسمعُ ما تسمعُهُ الأرض؟
تحتَ الإسفلتِ
ما زالتْ خطى الفلّاحينَ حيّة،
وما زالَ عرقُ الحصادِ
ينامُ على كتفِ السنابل.
هنا
كانَ فجرٌ بسيطٌ
ينهضُ من بيوتِ الحجر،
وكانتْ نساءُ القرى
يخبزنَ الشمسَ
في تنورِ الصباح.
هنا
كانتِ الكرومُ
تعلّمُ الريحَ أسماءَ العنب،
وكانتِ الزيتونةُ
ترفعُ ذراعَيها للسماء
كأنها صلاةٌ خضراء.
فكيفَ صارَ المكانُ
مدينةَ صافرات ؟
كيفَ صارَ الليلُ
ممرًا للملاجئ،
وكانَ طريقًا
لأغاني الرعاة؟
تدوي الصفّارات…
لكنَّ الجبالَ لا ترتجف.
فهي تعرفُ
أنَّ الريحَ التي تعبرُ الكرمل
ما زالتْ تحملُ
رائحةَ الزعترِ البريّ.
وتعرفُ
أنَّ البحرَ الذي يلامسُ حيفا
ما زالَ يردّدُ
أسماءَ الصيادينَ القدماء.
يا صوتَ الصفّارات…
اصرخ ما شئت في ليلهم،
فالمدنُ التي تُبنى على الخوف
لا تنامُ طويلًا.
وكلُّ صفيرٍ
يرتفعُ في السماءِ
يوقظُ في التراب
ألفَ ذاكرة.
ذاكرةُ قمحٍ
ركضَ خلفَ الريح،
وذاكرةُ طفلٍ
كانَ يطاردُ حمامةً
بينَ كرومِ اللدِّ
ولا يعرفُ
أنَّ الزمنَ
سيصيرُ يومًا
صفّارةَ إنذار.
تدوي…
صافراتُ الموت.
لكنَّ الأرضَ
أقدمُ من الحديد،
وأهدأُ من الخوف.
وفي قلبِ الليل
تنهضُ فلسطين
مثلَ شجرةِ زيتونٍ
خرجتْ من تحتِ الركام،
وتهتفُ للريح:
أنا البلادُ
قبلَ الخرائط،
قبلَ الأسلاك،
قبلَ الملاجئ…
أنا البلادُ
التي لا تموت.
