الخميس ٢٤ أيار (مايو) ٢٠٠٧
بقلم حسن توفيق

امرؤ القيس.. بين الأمل واليأس..

اليوم خمر.. وغداً أمر!

وجد المجنون نفسه مرة ثانية.. تائهاً فوق أحد الجبال النائية.. وحين أحس بالتعب.. تكدر مزاجه واضطرب.. فقرر الجلوس قليلاً فوق قاعدة صخرية.. ليتلهى برؤية ماحوله من النباتات البرية.. لكنه اكتشف شبحاً جالساً فوق القاعدة.. وهو يردد عبارة واحدة.. اليوم خمر.. وغداً أمر .. ولاحظ المجنون أن حالة الشبح لا تسر.. فاقترب منه ليغوص في أعماق السر..
السلام عليكم أيها الشيخ الهمام.

 أي سلام؟.. لقد فقدت شهيتي للكلام.. بعد أن جرى لي ما جرى.. ولم أعد قادراً حتى على أن أرى.. ولن أقول لك أكثر من أن اليوم خمر.. وغداً أمر!

 هذا يعني أنك امرؤ القيس؟!

 نعم.. وقد تلاقينا منذ فترة قريبة قبل غروب الشمس.

 آه.. لقد تذكرت الآن.. وكان معك خليلان.. وكانت معك سيارة مرسيدس - بنز.. كما أنك كنت ترتدي بنطلون جينز!

 انك تدفعني الآن لأن أتذكر.. ما يجعلني أبكي وأتحسر.

 وماذا جرى لك يا ترى؟

 لقد كنت خارج السيارة.. عندما انقضت عليها طيارة.. وألقت فوقها شيئاً يشبه المنجنيق.. فشبَّ فيها حريق، وبعدها تحول كل شيء إلى كتل من النيران.. ورأيت خليليَّ أمام عينيَّ وهما يحترقان.

 وماذا أنت فاعل الآن؟

 سأسكر اليوم ثم أذهب إلى قيصر الروم.. لأروي له عما ابتليت به من الهموم.. وأطلب منه مد المساعدة.. وأن يقدم لي ما أرجوه من مساندة.

... وأمعن امرؤ القيس في الشراب.. فتركه المجنون كأنه فص ملح وذاب .. وبعد أن أهتدى إلى الطريق.. دخل بيته العتيق.. وهو يفكر مرتاعاً في حكاية المنجنيق.. وفجأة سمع جرس الباب.. فقام ليجد الربع والأصحاب.. يطلبون منه أن يذهب معهم إلى شمال قطر.. في رحلة يستمتعون فيها بالسهر.. على إيقاع نور القمر.. فركب المجنون معهم في الرنج روفر المتين.. حيث انطلقوا إلى عشيرج متحمسين.. وبعد أن نصبوا الخيام.. وجدوا البرد ينفذ إلى العظام.. فاشعلوا النار ليتدفأوا ويجهزوا الطعام.. لكنهم بدلاً من أن يذوقوه ويأكلوه.. نسوه على النار فأحرقوه.. فطالبهم المجنون بأن يُحكِّموا العقل.. وأن يعودوا لبيوتهم فهذا خير حل.. وكتب المجنون في لحظة غضب.. هذا الذي قد كتب:

جاء ربعي وتلاقوا عند بابي

وتجهزنا.. بأكل.. وشرابِ

خيشةَ العيش حَمَلْنا و دجاجاً

وبغوري الشاي جئنا والكبابِ

إنها الكشتة في ليل شتاءٍ

مقمرٍ.. رغم ألاعيب السحابِ

حيث راح الرنج يطوي أرضنا

بعد تحفيص وخوضٍ في الترابِ

وأنا في الرنج معفوس لأني

آكلُ الرمَّان مبلولَ الثيابِ

حين خَيمَّنْا شمالاً في عشيرجْ

لعبَ البردُ بأعصاب الشبابِ

فارتدى جاسم زوجاً من دلاغٍِ

أين دفء البيت من هذا العذابِ؟!

.. أوقدوا النارَ لنلقىَ بعضَ دفء

صاح يعقوبُ بحزنٍ واكتئابِ

فتسابقنا جلوساً قربَ نارٍ

وتركنا النارَ تعلو كالهضابِ

فإذا اللحمُ سرابٌ من رمادٍ

والدجاجُ الحلو أمس كالهباب

حظَّناَ مالَ فجُدْنا بدموعٍ

وتعشينا بأطباق السرابِ

قلت للربع: أعيدوني وعودوا

لا تمروا أبداً يوماً ببابي!

دخل المجنون بيته وهو يغلي من الغضب.. وفتح التليفزيون دون سبب.. فوجد على الشاشة أناساً يتكلمون.. منهم من يتناقشون.. ومنهم من يصرخون.. ومنهم من يتهاوشون.. وهنا تسمر المجنون أمام الشاشة الصغيرة.. وهو يلتهم قطعة كبيرة
من فطيرة.. وأخذ يستمع لما يقال.. عساه أن يعرف ما سينتهي إليه الجدال..

 أنا أعتقد أن أمرأ القيس قد أخطأ.. وأنه بدلاً من أن يتقدم قد أبطأ.. ولو أنه ظل يركب الجمال.. لكان حاله اليوم أحسن حال.. لكنه - بكل أسف - أغتر بالمرسيدس - البنز.. وفرح بارتداء الجينز.

 اسمح لي أن أفند هذا الذي يقال..

 سأعطيك المجال..

 إن المرسيدس - البنز.. ضرورة عصرية.. لكن عقولنا نحن هي التي ليست عصرية!

 هل تقصد أننا مازلنا في عصر الجاهلية؟

 أنا لا أقصد هذا ياجاهل.. أنا أقصد أن على كل منا أن يكون الفاعل.. ألا تتذكر أن أمرأ القيس قد حاول أن يستنجد بالطامعين من الغرباء.. لكي يساعدوه في القتال ضد الأشقاء.. فماذا كانت النتيجة التي نراها؟.. وهل يستطيع أحد أن يغيرها أو يتلافاها..؟.. الطامعون الآن في كل مكان موجودون.. وإذا قالوا لامرىء القيس كن قرداً أو فأراً.. فهذا ما سيكون!

اليوم خمر.. وغداً أمر!

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى