

الشابي وأشباح الماضي
الظلم مؤذن بخراب العمران.. هذا ما قاله العلامة عبد الرحمن بن خلدون في أحد فصول مقدمته الشهبرة، وكان لا بد أن أعود إلى تلك المقدمة منذ أن تابعت مع الملايين من أبناء العروبة ما جرى في تونس الخضراء ايتداء من إحراق الشاب محمد بو عزيزي لجسده احتجاجا على ما وجهته له شرطية متعجرفة من إهانة لا يقبلها أي إنسان يعتز بكرامته مهما يكن فقيرا، وانتهاء بالطاغية الذي تحول – خلال ساعات معدودات - من ديكتاتور باطش وطائش إلى فأر مذعور جبان، يتخفى الآن في أحد الجحور، حتى لو كان هذا الجحر قصرا من القصور !
ما بين البداية المحتجة على صفع الكرامة إلى النهاية الذليلة للطاغية شين الفاسدين ظل شبان تونس يتحدون بصدورهم العارية رصاص الأوغاد، وظللت أتصور أن شاعر الحرية والحب أبا القاسم الشابي يتصدر هؤلاء الشبان، بغد أن أفاق من رقاده الطويل، لكي يرتفع صوته الثائر:
إذا الشعب يوما أراد الحياةفلا بد أن يستجيب القدرولا بد لليل أن ينجليولا بد للقيد أن ينكسر
ما جرى في تونس لم يكن حركة احتجاج، وإن بدا الأمر كذلك في أول الأمر، ولم يكن انتفاضة مؤقتة يمكن لنارها أن تخمد، ما جرى في تونس هو ثورة شعبية مذهلة، لم يكن أحد من الطغاة الظالمين والفاسدين يتخيل أنها يمكن أن تحدث وأن تنجح في إزاحة واحد منهم، لكنهم بعد أن تيقنوا من نجاح تلك الثورة الشعبية ظلوا يلوذون بالصمت وهم يرتعدون ويرتعشون، خوفا من أن تنتقل عدوى الثورة إلى الدول التي يتحكمون في مصائر ناسها البسطاء، ويسومونهم كل أشكال الإهانات والتنكيل والزج في السجون والمعتقلات.
لم يكن أبو القاسم الشابي وحده الذي يتصدر مظاهرات الشبان التوانسة ، فقد حرص هؤلاء على أن يكون معهم ثائر عالمي عظيم هو إرنستو جيفارا الذي كانت صورته النبيلة والجليلة تتصدر مظاهراتهم ، ولم يكن الزعيم العربي الخالد جمال عبد الناصر غائبا عن المشهد الثوري المفعم بالعنفوان، لأنه كان قد قال بالحرف الواحد: إنني أؤمن إيمانا قاطعا أنه سيخرج من صفوف هذا الشعب أبطال مجهولون يشعرون بقيمة الحرية ويقدسون العزة ويؤمنون بالكرامة.
بالطبع فإن أشباح الماضي المدنس ما تزال تتوهم أن بإمكانها أن تعيد شين الفاسدين إلى ما كان، ويبقى الرهان على وعي شبان تونس يما يحاك ضد ثورتهم من جانب تلك الأشباح، ولن يكون الرهان خاسرا لأن الوعي الثوري التونسي سيظل متيقظا ومتنبها لما قد يرتكبه أي شبح من أشباح الماضي البغيض، ويا شبان تونس هنيئا لكم ما حققتموه، وتحية من القلب لكل من يتعطشون للحرية وللعزة والكرامة.