

جديد مدهش للشاعر سعود الأسدي
أعرف الشاعر سعود الأسدي معرفة جيدة , فهو ابن بلدي وقريب مني , أليست دير الأسد والبعنة قريتين متداخلتين بالنسب والقربى والبنيان والأراضي وكروم الزيتون ؟! وسعود الأسدي شاعر وابن شاعر إلا أن عصاميته واجتهاده وسهره الطويل كانت جميعها اساس ثقافته وإبداعه وشهرته .
وسعود الأسدي في حياته العملية مدرس للغة العربية فذّ مخلص ، وهو كذلك مخلص للشعر وسائر الفنون إلى درجة المعرفة الواسعة بالموسيقى الكلاسيكية الغربية والشرقية على السواء , وهو شاعر اللغتين الفصحى والعامية , وله حضور مميّز في المجتمع ، حديثه ممتع وبديهته حاضرة .
ومع كل هذا فقد اكتشفت في الأستاذ سعود في الأسبوع الفائت شيئاً جديدًا رائعاً . فهو لم يكن ليفاجأني بقصيدة رائعة لأنه يأتي بالرائع فلا أتفاجأ. أما أن يترجم قصائد الإغريق القديمة المترجمة أصلا إلى الانجليزية شعرًا إلى العربية وأيّ شعر ؟! فأمر يدعو إلى الدهشة .
أهداني يوم الخميس الفائت كتابه الجديد " إشراقة الشعر الغنائي اليوناني " الصادر عن منشورات " زرقاء اليمامة " في الناصرة.
فتحت الكتاب فوقع نظري على قصيدة عمودية ورحت أقراها بلذة .
حسبت لأول وهلة أن الشعر للأستاذ سعود , ولكن ورود أسماء غربية جعلني استفسر . وعندها عرفت أن تلك الأشعار لشعراء يونانيين من عصر ما قبل المسيح .
لا اعرف ما الذي جعل شاعرنا يتجشّم هذا المركب الخشن ، ويحمل نفسه على ترجمة العديد من أشعار اليونانيين القدماء ؟!
لكن يبدو أن شاعرية سعود الأسدي هوّنت هذه المشقة فجاءت الترجمة وكأنما هي الأصل , بلغة عربية لا تشوبها شائبة ، ولا تجد فيها نشازًا ، أو كلمة في غير مكانها ، وكأنما هي بنيان مرصوص ، " أو شغل معلم لنفسه كما نقول بلغة الصنايعية".
كنت أود لو أورد نماذج , لكني احترت في الاختيار . أعجبتني قصيدة طويلة (52 بيتاً) تكاد تحسبها لشاعر من عيار المتنبي تذكرك بقول الشاعر الجاهلي علقمة بن عبدة :
فإن تسألوني بالنســـاء فإنّني
بصير بأدواء النسـاء طبيـب
إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله
فليس له في ودّهــن نصيب
ولكن الشاعر اليوناني سيمونيدس من القرن السادس قبل الميلاد يصنّف النساء إلى خمسة أصناف ولا يضعهن كلهن في سلة واحدة كما فعل علقمة بن عبدة ، وهو الملقب بعلقمة الفحل ، يقول سيمونيدس :
ختامهن هي الفضلى وقد دأبتكنحلة تجتني أرْياً من الزَّهَرِقد صاغها ربّها شمساً وكرّمهاونورها فاق نور الانجم الزُّهُرِيزينها عقلها والمرء زينتهعقل , وما هو في طول ولا قصرِلزوجها قد حَبَتْ حبّاً وما فتئتتحبّه الحبّ إياه على الكبرِعاشت وإيّاه ما مالت إلى أحدسواه يوما ولو في خلسة النظرِقد انجبتْ من بينها كلّ ذي خطرٍشهم ٍذكيٍّ أبيِّ النفسِ مقتدرِتزيد فخراً على كلّ النساء فإنحكين ما تشتهي الأنثى من الذكرِتصدّ لا تجد الإصغاءَ يمتعهاكأنّما ابتليت منهن بالضجرِإن مسّها الضرُّ يوماً فهي صابرةما كل من مسّه ضرٌّ بمصطبرِفنعم ما زانها من حسن سيرتهاوقد بدت ترتدي ثوباً من الخفرِفهذه نعمة كبرى وقد رجحتْبكل كنزمن الذُّهبان والدُّررِطوبى لمن حازها في العمر فهي كماترى تعين وتغني المرء في العمرِفان ظفرت بها فاحفظْ سلامتهافللزجاجة كَسْرٌ غير منجبرِ
نعم فللزجاجة كسر غير منجبر ، فرفقاً بالقوارير كما أوصانا النبي العربي الكريم !
وهناك الشاعرة الرائعة " سافو " من جزيرة ليسبوس التي كتب إليها الشاعر ألكايوس متودّدًا :
يا منيةَ النفسِ يا سافو متوّجةً
لك ابتسامة زهر الروضة الخَضِلِ
ما ابتغي منك إني لا أبوح به
لان بوحي به يدعو إلى الخجلِ
فأجابته بقولها :
لو كان ما تبتغي أمراً له صلة
بما يشرّف من قول ومن عملِ
لما خجلت به لكن دناءته
– وأنت أدرى بها – أدَّت إلى الخجلِ
وبالتالي فإن الكتابة عن " إشراقة الشعر الغنائي اليوناني " لا تغني عن قراءته ، ولم يبق لي إلا أن أشكر الأستاذ الشاعر سعود الأسدي على عمله الرائع هذا .