الاثنين ١٢ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢٦
«السلام عليكم…»
بقلم رائدة جرجيس

حين يصبح اللفظ أمانًا، والقولُ حضارة

عبارة السلام عليكم ليست مجرد تحية لسانية تتكرر تلقائيًا، بل هي بنية لغوية أخلاقية مركّبة، اجتمع فيها الدعاء والأمان والاحترام، ثم اكتملت بوصفها تشريعا قرآنيًا وممارسة نبوية. وإذا كان السلام قيمةً إنسانيةً عامة، فإن ما يميّز الصيغة الإسلامية «السلام عليكم» أنها تحيةٌ تتضمن معنى التزامٍ أخلاقي ضمني.. أن القادم لا يحمل أذى، وأن المخاطَب موضع أمنٍ وحرمة.

الجذر (س ل م) في المنظومة السامية واللسان العربي

ينتمي الجذر (س ل م) إلى الجذور المشتركة في اللغات السامية، ويقارب في مادته ومعناه صورا مثل: العربية (سلام/سلامة/سِلْم)، والعبرية (– شالوم)، والآرامية/السريانية ( شْلاما/شْلِما)، والأكّدية (šulmu). ويشير علم المقارنة اللغوية إلى أن الاشتراك في الجذر لا يعني الاقتباس، بل قد يدل على أصل سامي مشترك أو تقارب تاريخي ضمن العائلة اللغوية
في العربية، تتسع طاقة هذا الجذر اشتقاقا ودلالةً (سَلِمَ/سَلَّمَ/تَسْلِيم/سِلْم/سَلَام/سَلَامَة)، وتلتقي مادته مع معنى «السلامة من الآفات» و«الاكتمال» و«الاستقامة»؛ وهو ما يشرحه أئمة المعاجم

ولادة تحية السلام في القرآن الكريم

نقل القرآن السلام من معنى لغوي عام إلى «تحيةٍ مشروعة» ذات وصفٍ قيمي. من أوضح النصوص المؤسسة:

• ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ (النور: 61).
وتبرز في الآية ثلاثة معالم: (1) جعل السلام أدب دخول البيوت، (2) نسبته إلى الله «من عند الله»، (3) وصفه بالبركة والطِّيب.[4]

كما يؤسس القرآن لقاعدة «أخلاقية» في تبادل التحية عموما:

• ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (النساء: 86).

ومن الآيات الدالة على أن السلام قيمة خطابية تضبط اللسان وتقي من العنف اللفظي:

• ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (الفرقان: 63).

ومن آيات «السلام» في سياق المآل والنعيم:

• ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ (يونس: 10)، و﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَّحِيمٍ﴾ (يس: 58)، و﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ (الأحزاب: 44).
السلام في السنة النبوية: تشريع الاستهلال والاختتام

جاءت السنة النبوية لتجعل السلام سلوكا مقصودا لا مجرد عادة. ففي الحديث الصحيح: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، أولا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم».

ومن النصوص المحكمة في ضبط بنية المجلس ابتداءً وانتهاءً: «إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلّم، وإذا أراد أن يقوم فليسلّم، فليست الأولى بأحقّ من الآخرة».وهو نصٌّ يقرر أن السلام علامة افتتاحٍ وعلامة ختم، ويؤسس لدور التحية في «حدود التفاعل» ضمن المعنى التداولي الحديث.

السلام وآدم: الأصل الإنساني للتحية في التصور الإسلامي

يربط التصور الإسلامي بين السلام وبداية الإنسان؛ ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي (ص) قال: «خلق الله آدم على صورته... ثم قال: اذهب فسلّم على أولئك النفر من الملائكة... فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله. فزادوه ورحمة الله».

تكتسب هذه الرواية دلالتين: أن أول خطاب تعارفٍ إنساني قُدِّم بوصفه سلامًا، أن صيغة التحية تحمل قابلية «الزيادة» في الدعاء واللطف، فتنمو العلاقة بالتوسعة لا بالتنقيص.

مقارنة مختصرة بين «السلام» و«الشالوم»

يشترك اللفظان في الجذر السامي *(Š-L-M)* الذي يدور حول معاني السلامة والاكتمال والطمأنينة. ومع ذلك فثمّة فروق وظيفية ودلالية مهمّة:

من حيث البنية: «السلام» العربية تتكئ على منظومة اشتقاقية واسعة (سلام/سلامة/سِلْم/إسلام/تسليم)، بينما يُستعمل «شالوم» في العبرية غالبًا بوصفه اسمًا دالًا على السلام/الرفاه مع اشتقاقات أقل حضورا في الاستعمال اليومي.

من حيث الصيغة: «السلام عليكم» تركيبٌ يتضمن (تحية + دعاء + توجيه إلى المخاطَب «عليكم»)، في حين أن «شالوم» في التداول الشائع قد تأتي تحية مفردة أو جملة قصيرة مثل «شالوم عليك»، دون أن تستقر في تشريع تفصيلي يقنن بدايات المجالس ونهاياتها كما في السنة.

من حيث الإطار القيمي: السلام في الإسلام انتقل من معنى لغوي إلى «عبادة» و«أدبٍ واجب» و«سببٍ للمحبة» بنصوص الوحي، بينما يظل «شالوم» ضمن إطار ديني–ثقافي واسع لا يوازيه نظام تشريعي تداولي مماثل في ضبط المجالس والانسحاب الأخلاقي من الجدل.

السلام بوصفه أداةً لإنهاء الجدل وحفظ الكرامة

تتيح «السلام عليكم» خروجا كريما من نقاشٍ يحتدّ، دون استفزاز أو إسقاط. فالقرآن يقرر نموذجًا أخلاقيا: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (الفرقان: 63).

وتستكمل السنة هذا المعنى بجعل السلام ختامًا كما هو ابتداء.[6] لذا يمكن تربويًا تعليم الأسرة أن تقول عند تصاعد الحوار: «السلام عليكم… نكمل لاحقًا بهدوء»، أو «السلام عليكم… أخشى أن يطول الجدل»، فيتحول السلام إلى «فاصل تهذيب» لا «انسحاب قطيعة».

دعوى «الأصل الأكدي» بين العلم والتشغيب

قد يُستعمل القول بأن للسلام مقابلا في الأكّدية (šulmu) بوصفه طعنا في عروبة التحية أو خصوصيتها الإسلامية. والمنهج العلمي يفرق بين أمرين: (أ) اشتراك الجذر في عائلة لغوية، (ب) «التخصيص الحضاري» الذي تصنعه النصوص والوظائف الاجتماعية. فالاشتراك السامي واقعٌ لا يعيب، والقرآن والسنة منحا السلام إطارا تشريعيا وأخلاقيا جديدا لا تفسره المادة الجذرية وحدها

لذا فأن «السلام عليكم» ليست أثرا لفظيا فحسب، بل مشروعا أخلاقيا لغويا: ساميّ الجذر، عربيّ البنية، قرآنيّ التشريع، نبويّ التطبيق، إنسانيّ الغاية. بدأ السلام مع آدم في أول تحية، وترسّخ في الوحي بوصفه أدبا وعبادة، وظلّ أداةً راقية لإنهاء الجدل وصناعة الطمأنينة في المجتمع.

جلال الدين الرومي تعالَ… فبابُ السلام لا يُغلق معنى متكرر في المثنوي، بترجمات عربية متعددة، يدل على السلام بوصفه فضاء احتواء

وتتقاطع هذه الرؤية الصوفية مع الدلالة القرآنية للسلام بوصفه قولا كافيا لإنهاء الجدل وحفظ الكرامة، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاما)


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى