السبت ٣ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢٦
بقلم صالح سليمان عبد العظيم

هندسة العمق الفارغ تحليل للمثقف الأدائي

هناك فئة محددة من المثقفين الذين يزدهرون في سوق الأفكار لا بتوضيح العالم، بل بتعتيمه وتحريفه وتشويهه. يبني هؤلاء الكتاب أطرا نظرية معقدة تبدو عميقة بشكل مذهل ظاهريا؛ مليئة بالمفارقات والتأملات الميتافيزيقية والتعقيدات اللغوية، ولكن عند التدقيق فيها، يتضح أنها تافهة في جوهرها؛ تحقق نوعا من هيمنة السيطرة والوصاية، أو تنشأ عوالم ضبابية من تقزيم العقل وتسطيح الواقع ووأد التغيير. غالبا ما تُوصف هذه الظاهرة بالعمق الأدائي أو التعتيم. السمة المميزة لهذا النمط هي إعطاء الأولوية للتعقيد الجمالي والاستعلاء اللغوي على حساب فائدة الحقيقة. إنهم يخلقون حلقة مغلقة من الخطاب تبدو ذات مغزى للمطلعين، لكنها في النهاية لا تقدم أي حلول ملموسة للواقع الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي الملح الذي يحدد معاناة الجمهور الحقيقية.

إحدى الآليات الرئيسية التي يستخدمها هؤلاء المفكرون لخلق هذا الوهم بالعمق هي ما أسماه الفيلسوف دانيال دينيت Daniel Dennett "العمق الزائف"Deepity . إن العمق الزائف هو طرح يعتمد على حيلة لغوية ليُظهر الحكمة. فهو يتأرجح بشكل دقيق بين معنيين: أحدهما صحيح ولكنه سطحي، والآخر عميق ولكنه خاطئ (أو عديم المعنى). على سبيل المثال، قد يدعي كاتب أن "الحب مجرد كلمة". من جهة، هذا صحيح بلا شك؛ فهي كلمة من أربعة أحرف في القاموس. مع ذلك، يعتمد الكاتب على استنتاج القارئ لمعنى ثان أعمق؛ وهو أن الحب لا وجود له في الواقع البيولوجي أو العاطفي. وعندما يُشكَّك في سخافة هذا المعنى الثاني، يلجأ المثقف إلى أمان المعنى الأول السطحي، مدعيا أنه على صواب من الناحية التقنية. هذه الخدعة البلاغية تُمكِّنه من الظهور بمظهر الثوري دون أن يقول شيئا ذا قيمة.

غالبا ما يستخدم هذا الأسلوب الفكري التعقيد كآلية دفاعية، وهي ممارسة تُعرف بالغموض. فبينما يسعى الخبير الحقيقي عادة إلى شرح قوانين الفيزياء أو الاقتصاد المعقدة بأبسط العبارات الممكنة لتثقيف الجمهور، يفعل المثقف المتظاهر عكس ذلك تماما. يستخدمون مصطلحات معقدة، وتراكيب جمل ملتوية، ومفاهيم مجردة مبهمة، لا بقصد الدقة، بل للترهيب. هذا "الجدار اللفظي" يؤدي وظيفة وقائية؛ فإذا لم يفهم القارئ النص، يُفهم ضمنيا أنه غير متطور بما يكفي لاستيعاب المفهوم، بدلا من حقيقة فشل الكاتب في إيصال الفكرة بوضوح. هذا يجعل العمل محصنا ضد النقد؛ فلكي ينتقد المرء النظرية، عليه أولا فك رموزها، وهي مهمة مستحيلة حين لا يوجد معنى كامن تُفكّ شفرته.

أخطر ما في هذا النمط الفكري هو إهماله المنهجي للواقع المادي. غالبا ما يضفي هؤلاء الكتاب هالة من القداسة على "القضايا الميتافيزيقية"، منخرطين في نقاشات لا تنتهي حول دلالات الكلمات، وبنية السرد، وفلسفة الرموز، متجاهلين القضايا الملموسة التي تمثلها تلك الرموز. ينعزلون في "برج التجريد" حيث يكونون في مأمن من العمل الشاق وغير الجذاب لمعالجة الفقر، وانهيار البنية التحتية، وانتهاكات الحقوق المدنية، أو الجوع. من خلال احتكارهم للمساحات الفكرية بأفكار تافهة ذات مفاهيم معقدة، يبددون طاقات ذهنية قيمة واهتماما عاما بعيدا عن المشكلات الملموسة، موحين ضمنيا بأن القضايا الاجتماعية العملية مواضيع "بسيطة" أو "عادية" لا تستحق نظرياتهم المتعالية.

يقدم التاريخ أمثلة صارخةً على هذا التوجه، أبرزها فضيحة سوكال عام ١٩٩٦. فقد قدم الفيزيائي آلان سوكال Alan Sokal، المحبط من مثقفي العلوم الإنسانية الذين استخدموا المصطلحات العلمية مجازيا وبشكل لا معنى له ليظهروا بمظهر عميق، ورقة بحثية متعمدة في عدم منطقيتها إلى مجلة مرموقة للدراسات الثقافية. كانت الورقة، بعنوان "تجاوز الحدود"، عبارة عن خليط من المصطلحات المبهمة التي ترضي تحيزات المحررين الأيديولوجية، لكنها لا تحمل أي معنى على الإطلاق. أثبت نشرها أنه في هذه الأوساط، إذا بدا شيء ما معقدا ومتوافقا مع توجهات المجموعة، يُفترض أنه رائع. وقد كشف هذا عن ثقافة "الخداع الفكري"، وهو مصطلح استخدمه سوكال لاحقا لانتقاد مفكرين مثل جان بودريار وجاك لاكان بتهمة إساءة استخدام المفاهيم العلمية لخلق قشرة من العمق الزائف.

أخيرا، يتوافق هذا السلوك مع التعريف الفلسفي لـ"الهراء" كما صاغه هاري فرانكفورت Harry Frankfurt. في كتابه "عن الهراء"، ميز فرانكفورت بين الكاذب ومروج الهراء. الكاذب يعرف الحقيقة ويحاول إخفاءها؛ أما مروج الهراء، فهو أشد خطورة لأنه غير مبال بالحقيقة تماما. ويندرج هذا النوع من المثقفين ضمن الفئة الأخيرة. فهم ليسوا بالضرورة كاذبين، لكنهم يمارسون أداء لا يهدف إلى وصف الواقع بدقة، بل إلى بناء سردية تثير إعجاب أقرانهم، أو تضمن لهم الترقية، أو تبيع كتبهم. إنهم يستحوذون على انتباه الجمهور المحدود، ويوجهونه نحو ألغاز لا حل لها لأنها لم تكن مشاكل حقيقية أصلا، تاركين واقع الحياة القاسية دون معالجة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى