الثلاثاء ٣ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٢٦
بقلم هديل نوفل

مرثيّةُ الضوءِ الذي لم يبلغْ موتَه

لم تكنِ النجمةُ تدري أنَّها حينَ أطفأتْ قلبَها تركتْ لنا موعداً مع ضوئها، وأنَّ المسافةَ، تلكَ التي لا قلبَ لها، ستحفظُ سرَّها آلافَ السنين وتحملُه إلينا دونَ أن تُخبرَنا أنَّها ماتت.

في أقصى الجهاتِ التي لا أسماءَ لها، كانَ نجمٌ يخلعُ آخرَ حرائقِهِ، ويُسلّمُ عينيهِ للعتمة، بينما كانَ ضوؤهُ يشقُّ أعمارَ المجرّات كأنَّهُ يبحثُ عن نافذةٍ تتّسعُ لوداعِهِ.

ونحنُ، على هذه الأرضِ الصغيرة، رفعنا رؤوسَنا ذاتَ ليلة، فرأيناهُ يلمع...

لم نعرفْ أنَّ ما أدهشنا كانَ جنازةً وصلتْ متأخرة، وأنَّ ذلكَ البريقَ لم يكنْ حياةً، بل آخرَ ما تبقّى من حياة.

يا للمفارقة! أن تكونَ السماءُ ممتلئةً بالموتى، وأن نسمّيهم نجومًا، وأن نُعلّقَ أمنياتِنا على قبورٍ لا نراها.

كم من نجمٍ يضيءُ الآن وهو لا يعرفُ أنَّنا نراه؟ وكم من ضوءٍ يعبرُ كوناً كاملاً كي يصلَ إلى عينٍ واحدة، ثم يستقرُّ فيها أكثرَ مما استقرَّ في موطنِه؟

أفكّرُ أحياناً: لعلَّ الذين نحبُّهم لا يرحلونَ دفعةً واحدة، لعلَّهم ينطفئونَ في مكانٍ ما من أرواحِنا، ثم يظلُّ شيءٌ منهم يسافرُ في عروقِ الذاكرة، يظهرُ فجأةً في نبرةٍ، في رائحةِ خبزٍ، في شارعٍ قديم، في ضوءٍ يسقطُ على مقعدٍ فارغ.

نحسبُ أنَّنا نستعيدُهم، لكنَّنا في الحقيقة نرى ضوءَهم القديم وقد تأخّرَ عن موتِهِ.

فيا أيُّها الكونُ، كم يلزمُ الضوءُ من الغياب كي يصيرَ ذكرى؟ وكم يلزمُ القلبُ من المسافة كي يفهمَ أنَّ ما يراهُ الآن قد لا يكونُ موجوداً؟

لا تُطفئوا النجومَ في حكاياتِكم، دعوا لها حقَّ الوصول، فربما كانَ آخرُ ما فعلتْهُ قبلَ انطفائِها أن أرسلتْ إلينا شيئاً يشبهُ الخلود.

وربما لم تكنِ السماءُ مرآةً للمستقبل، بل مقبرةً مضيئةً للماضي، كلُّ ما فيها غابَ ذاتَ زمن، وما زلنا نراهُ لأنَّ الضوء لم يتعلّمْ بعدُ كيف ينسى الطريق.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى