محمد أعزيز يقارب ثقافيا الرواية العرفانية
يحاول محمد أعزيز في دراسته الأكاديمية "الرواية العربية والعرفان في الألفية الثالثة مقاربة ثقافية"(2024) التأمل في العلاقة بين الرواية العربية والعرفان قصد الكشف عن مسوغات انشداد الروائي العربي إلى استحضار المكوِّن العرفاني في نصوصه التخييلية والذي بات ظاهرة لافتة أعطت نفسا جديدا للتخييل الروائي، قادت إلى تأسيس ما صار يعرف بـ" الرواية العرفانية".
يتأسس الكتاب على إشكال مركزي يتمثل في مساءلة السردي في علاقته بالعرفاني في الرواية العربية المعاصرة، وقدرة العرفان في التعبير عن تحديات المجتمع العربي المعاصر تخييليا، تتولد عنه إشكالات فرعية منها استحضار دور السياق الراهن، بأبعاده المختلفة في هذا التسريد والبحث في دواعيه ومسوغاته، واستخلاص آلياته، ووضع اليد على خصوصيات خطاب روايات العرفان؛ للكشف عن أنساقها. وتم تفصيل هذه الإشكالية وما تفرع عنها في التساؤلات التالي: إلى أي حد استطاعت روايات العرفان هذه، أن تفكر في راهن المبدع وواقعه في الألفية الجارية على صعيد الأدب؟ كيف يمكن تفسير ظاهرة تسريد العرفان في روايات مرحلة الألفية الثالثة؟ وما مدى قدرة هذه الروايات على تمثيل أنساق ثقافية محددة ومشروطة بسياقها؟ ما الأنساق الثقافية التي تُضمرها روايات العرفان؟ كيف استثمر الروائي العربي إمكانات العرفان لتمرير خطابه المضمر؟
لمعالجة هذه الإشكالية اختار الكاتب متنا روائيا يشمل عدة أقطار عربية؛ وتمثلت في رواية "عين الهر" للروائية السورية شهلا العجيلي، رواية "الحلاج، وارتعش القلب عشقا للروائي الأردني عباس أرناؤوط؛ رواية عبد الرحمن والبحر" للروائي المغربي خالد حاجي، رواية طواسين الغزالي" للروائي المغربي عبد الإله بن عرفة، رواية "موت صغير" للروائي السعودي محمد حسن علوان. وقد علل هذا الاختيار بالاحتكام إلى جملة من المعايير أهمها الانسجام مع إشكالية الدراسة، ومراعاة تاريخ الإصدار أيضا، بما ينسجم مع التراكم المطّرد لروايات العرفان في الوطن العربي في الألفية الثالثة.
لمقاربة هذا المتن اختار الكاتب اعتماد مقاربة ثقافية تكشف عن سياق روايات العرفان لبيان ماهية هذا التسريد، ولكشف مسوّغاته وحدود ارتباط هذا التسريد العرفاني بالسياق الراهن وتحدّياته للنظر في خصوصيات روايات العرفان، واستخلاص مدى قدرة المادة العرفانية على الارتقاء بالرواية العربية الجديدة، وتطويرها.
انقسم الكتاب إلى مقدمة ومدخل وثلاثة فصول وخاتمة؛ حاول في المدخل إضاءة مفهوم "العرفان، وبيان ماهيته ورصد بعض مصادره، وتوقف عند إشكالية العلاقة بين التصوف والفقه ومركزية الشيخ في السلوك العرفاني. كما قدم كرونولوجيا تقريبية لعلاقة العرفان بالرواية العربية عبر تأمل مختلف السياقات التي أفرزت هذا النزوع نحو توظيف العرفان في الأعمال السردية العربية، وهو ما مكن الباحث من استخلاص بعض المقومات والعناصر المتحكمة في هذا التوجه، مع إبراز دور السياق كمحدد حاسم في قضية الاستناد إلى العرفان.
اتجه الفصل الأول إلى إبراز سعي الرواية العرفانية إلى تأمل الإشكالات السياسية في مختلف أبعادها، انطلاقا من التركيز على تحليل إشكالية العلاقة بين العارف والسلطة من منطلق مركزية شخصية العارف في الرواية العرفانية. وبين أن الروائي تجاذباته ثنائية أساسية تحكمت في عمليات التسريد التي تم تحليلها وهي "ثنائية الصدامية والائتلاف".
أما الفصل الثاني فتم فيه الانطلاق من المجتمع بوصفه أفقا للتفكير في روايات العرفان، عبر إيضاح صيغ هذا التفكير ودواعيه؛ بالإضافة إلى ذلك، لم يُغفل قضية المرأة، بوصفها مكونا رئيسًا في بنية المجتمع، يكتسي حضورها فيه ملمحا خاصا ومن هنا تشكلت هذه القضية بوصفها تمثيلا قويا لاتجاه الرواية العربية في الألفية الثالثة إلى تأمل مختلف الإشكالات المرتبطة براهنها وقد فتح هذا الفصلُ آفاق مساءلة الراهن، تبعا لخصوصية السياق المنبعثة منه هذه الروايات والمحتكم إلى مقولتي "ما بعد الحداثة" و"حوار الحضارات"؛ بحيث سمح المتن الإبداعي المذكور باستكناه العلاقة مع الآخر؛ واستجلاء لرؤية الروائي لهذه العلاقة مع المختلف بناءً على أسئلة المرحلة انسجاما مع ما يتماشى مع خصوصية الرواية العرفانية في تصديها لمناقشة قضايا الغَيرية.
في حين توخى الفصل الثالث الكشْف عن العلاقة بين روايات العرفان والتاريخ ومن هنا، انصبت مقاربة محمد أعزيز على إبراز كيفية استثمار الروائي العربي التاريخ، مركّزا على سطوة الحدث التاريخي عند عبد الإله بن عرفة؛ من خلال روايته "طواسين الغزالي"، ومبرزا مدى انسياق هذا العمل وراء إقصاء الفاعل التاريخي، بما يعكس الأثر الكبير لموقف الكاتب من الحدث والفاعل التاريخيين؛ مما أسهم في توجيه عملية التسريد والتحكم فيها ضمن عمله الروائي. وقد سعى إلى توضيح ذلك عبر المقارنة الضمنية مع عباس أرناؤوط في روايته "الحلاج"، التي تقدم قراءة مغايرة للتاريخ من حيث تركيزها على الهامشي والمنسي، تبعا لقناعات الروائي ومرجعيته الفكرية.
وانتهى محمد أعزيز في خاتمة كتابه إلى جملة من الخلاصات نذكر منها:
النزوع الى تسريد العرفان تحكمت فيه الأسئلة الراهنة في ارتبط بما بعد الحداثة والصدام الحضاري؛
تعدد أشكال استثمار العرفان في التخييل الروائي تبعا للمنظور الفكري والجمالي لكل روائي؛
مواكبة الرواية العرفانية لانشغالات مجتمعها وما يعتوره من خلل وأعطاب؛
أفسحت الرواية العرفانية إمكانية إعادة التامل في التاريخ العربي الإسلامي وفق رؤى ومنظورات مختلفة.
