

مآزق الشِّعريّة (قصيدة النَّثْرِيْلَة)
يتجلّى ذلك الضرب المختلف من الإيقاع الذي أسميناه (قصيدة النَّثْرِيْلَة) في ديوان علاء عبدالهادي، من مصر، بعنوان «مُهْمَل»، 2007، حيث تتجاور التفعيلة والنثر في نصٍّ واحد، كنصّ «الغريب»، ولكن دون امتزاج، في حين يمتزج الشكلان في نصوص أخرى، كما في نصوصه: «فلسفة الجمال»؛ «الوجود والعدم»؛ «نهاية اليوتوبيا»؛ و«الأيديولوجيَّة الانقلابيَّة». وعندئذٍ يتعانق الإيقاع التفعيليّ بالنثر، ليتخلّق بينهما مخلوق ثالث، هو ما نطلق عليه: (قصيدة النَّثْرِيْلَة). ولنأخذ عليها مثالاً شاهدًا من قصيدة «الوجود والعدم»(1)، حيث نقرأ:
كُلُّ شَي/ءٍ ثَقِيـ/ـلٌ هُنَا!مَائِدَةٌ/ مَحْفُورَةٌ/ فِي خَشَبْإنْسَا/نٌ مَحْـ/ـفُورٌ/ فِي جَسَدْوَمَكَا/نٌ مَحْـ/ـفُورٌ/ فِي سَا/عَةٍ مُكْـ/ـتَظَّةْالْزَمَا/نُ فَارِغٌ
وَدَمُهُ خَفِيفٌ.. مِثَلُ عَدَّادِ «تَاكسِي» تَمَامًا.. فَأَسْأَلُ:
(وَأَنَا أَنْتَظِرُ.. مَنْ سَيَظْـ/هَرُ لِي/.. بَغْتَةً/
كَيْمَا يَفْتَحُ لِيَ الْبَابَ,
لأًَدْفَعَ حِسَابي.. وَأرْحَل)
مَاذَا أَشْتَرِي.. بِكُلِّ هَذَا الشَّهِيق؟
فهل هذه قصيدة نثر أم قصيدة تفعيلة؟
لا هذه ولا تلك، بل هي قصيدة (نَثْرِيْلَة). انتظم صدرها وبعض عجزها حسب الجدول الآتي:
كُلُّ شَي | ءٍ ثَقِيـ | لٌ هُنَا | فاعلن | فاعلن | فاعلن | ||||||
مَائِدَةٌ | مَحْفُورَةٌ | فِي خَشَبْ | مستعلن | مستفعلن | فاعلن | ||||||
إنْسَا | نٌ مَحْـ | فُورٌ | في جَسَدْ | فاعلْ | فاعلْ | فاعلْ | فاعلن | ||||
وَمَكَا | نٌ مَحْـ | فُورٌ | في سَا | عَةٍ مُكْـ | تَظَّةْ | فعِلُن | فاعلْ | فاعلْ | فاعلْ | فعولن | فاعلْ |
الزَّمَا | نُ فَارِغٌ | فاعلن | مُتَفْعِلُن | ||||||||
مَنْ سَيَظْ | هَرُ لِي | بَغْتَةً | فاعلن | فَعِلن | فاعلن |
وها هنا يُلحظ خليطٌ من الوحدات النغميّة، على النحو الآتي:
يتألّف السطر الأول من وحدات نغميّة مكوّنة كلّ واحدة من سبب خفيف ووتد مجموع: (فاعلن).
في السطر الثاني يتحوّل الإيقاع إلى وحدتين، مكوّنة كلّ منهما من سببين خفيفين ووتد مجموع: (مستفعلن)، يلحق أولاهما الطَّيُّ: (مستعلن)، ليختم السطر بوحدة نغميّة كتلك التي سادت السطر الأول: (فاعلن). وكأنما ثِقَل الإيقاع هنا مصاقب لثِقَل المائدة المعبّر عنها في هذا السطر: "مائدة محفورةٌ من خَشَبْ".
وتتكرّر منذ السطر الثالث الوحدة الأولى المكوّنة من سببٍ خفيف ووتد مجموع: (فاعلن)، بتشكيلتيها: (فاعلن)، (فاعلْ).
كما تتكرّر تلك الوحدة في السطر الرابع، بتشكيلتيها: (فَعِلُن)، (فاعلْ). أو مقلوبها، المكوّن من وتدٍ مجموع وسببٍ واحد خفيف: (فعولن).
تعود الوحدة النغميّة الموجودة في السطر الثاني (مستفعلن) في السطر الخامس، مرّة واحدة، مخبونةً في: (مُتَفْعِلُن).
كما تعود نغمة الوحدة النغميّة الأولى في السطر السادس، بتشكيلتَيها: (فاعلن)، (فَعِلُنْ).
سيُقال إن التنغيم مصاحب للكلام العربيّ بعامّة، شِعره ونثره. وهذا صحيح، غير أن هذا التركيب- كما تجلّى في النماذج السابقة- ليس من قبيل التنغيم العفويّ، ولم يكن ليقع بمحض المصادفة. نعم، قد لا تكون هناك مقصديّة واعية، غير أن الشاعر، وهو يكتب قصيدة نثر، ما ينفكّ متلبّسًا بالإيقاع، ليس لأنه وريث لغة موسيقيّة، ولا لأن الذاكرة الشِّعْريّة العربيّة تحاصره بأصداء إيقاعيّة فحسب، ولكن، إلى ذلك؛ لأن الشاعر نفسه حين يعاقر هذه البنى الإيقاعيّة على اختلافها، بلا تحجّر في قديم، ولا اعتناقٍ مطلقٍ لجديد، إذا تلك الأشكال تتجاور في نصوصه، وتتوالج، وتتناسل بحريّة مطلقة.
وشِعْر النَّثْرِيْلَة هو ما نجده كذلك في بعض نصوص الشاعر السعودي محمّد خِضْر الغامدي، كنصّه "هنّ"(2):
قدى تمرّ بكَ امرأةٌءٍ ثَقِيـتكتفي بكتابتهاثم تمضي حزينا***يقولون ماءهن سِرّ الحياةوسِرّ التغلغل في الطُّرُق الشائكةواحمرار الشَّفق***يقولون ينضج فيهنّنهرُ الخرافةْفيعطين للأرض صيغتها المُثْلَىيمتزجنَ بالرَّمليغشاهنّ منه شيءيرى/ لا يرى
ففي هذا الجزء من القصيدة نكاد نقرأ قصيدة تفعيلة، ينتظم مقطعها الأول على تفعيلة (فاعلن)، هكذا:
قد تمر/ ربك امـ/ـرأةٌ/تكتفي/ بكتا/ بتها/ثم تمـ/ضي حزيـ/ـنا
فيما ينتقل في بداية المقطع الثاني إلى (فعولن)، فيعود إلى (فاعلن):
يقولو/ن ماء/هنّ سر/ر الحيا/ةِوسر/ر التغلـ/ـغل في الطـ/طرق الشـ/شائكةواحمرا/ر الشفق
على أنه يمكن الأخذ بتركيب آخر للإيقاع، بحيث تكون التفعيلة الأولى من المقطع الثاني امتدادًا للتفعيلة الأخيرة من المقطع الأول. إلاّ أنّ حركةً ستعكّر استمرار هذا النَّسَق، هي حركة الهمزة من كلمة "ماءهن":
نا يقو/لون ما/[ء]/هنّ سر/ر الحيا/ةِ ...
فيما يدخل المقطع الثالث في تفعيلة (فعولن)، لولا أنه يعود إلى (فاعلن) في السطر الرابع: "يمتزجـ"، والخامس: "هنّ من":
يقولو/ن ينضـ/ـج فيهنـ/ننهـر الـ/ـخرافةْفيعطيـ/ـن للأر/ض صيغـ/ـتها المثـ/[ـلى][يمتزجـ]/ـن بالرمـ/ـليغشا/[هن منـ]/ـه شيءٌيرى لا/ يرى