

قصص هامشـية (1)
(1) تداعيــات نخـلة عراقيــة *
(1)
لم تعر دجلة إهتماماً، حين أسرف في لثم ضفتيه، وطفقت على مرمى قطراته المتناثرة، تبحث عن نقش فوق جذع نخلة، ساحة النخل تلك... محض غابة، يلفها خجل التعافي من نقوش لا تندمل، تميل للجحود في حضرة الدم الساخن، نخيل دجلة يعب دخان الحرائق ملء رئتيه، أكاد أشتم لظاه في رحيق ثماره الرطبة، حين تميل للريح بيننا....
– عزيزتي لا ينقش العشاق رحى قلوبهم على جذوع النخيل هنا.
تبتسم في ظل ذكرى أعرفها، لم يعف عنها الزمن، لكنها سكنت عمقا بعيداً بالتقادم... مع مرور الوقت
– أريد أن أظل هنا... ما تبقى من سنيني، أقسم أنها تصغي لما أقول... ومن يصغي لا بد أن يعي ما يقال...
راقصتْ نخلتين على إنفراد، وهمست بسر لكل واحدة، طبعت قبلة ساخنة فوق نقش إزميل لم تعثر عليه إلا برفقة البارود هنا، لم تخفِ إمتعاضها من نكهة البارود... لكنها تحاملت على صدر نخلة أخرى وهي تقول: من هنا تورق التداعيات لتنذر بصيف جديد... بنكهة الرشيد وأبو نواس وحكايا الليل الطويل...
(2)
داهمَنَا الغروب، فأمتثلنا لدجلة ولم نسرف بالمكوث، وحين هممنا بالرحيل كان يعترض الطريق أمامنا مزهواً برداءه الجديد، حين خلع عنه ستر النهار ليكشف عن صفحة ماءه المخضبة بلون الشفق ، فأغوانا بلذة البقاء، ولأننا لا نتعظ فقد تبادلنا نظرات توحي بالرضوخ... فأذعنا لرغبة تهمس فوق الصفحة الراكدة، لم ننتظر إذناً لنبقى، إلتقطتْ على الفور حجراً صغيراً لوحتْ به نحو جبهة الماء المستكينة، وقالت هذا تحية للنهــر... ثم رمته بقوة عند المنتصف، تبادلنا الدوائر على صفحة الماء، في موجات من الفرح الطفولي أمام هيبة السكون، تزاحمنا على حافة رملية ضيقة تطفو فوق الصفحة الراكدة، جلسنا نصغي لنشرة الأمس على صدى خرير خافت، قوارب الصيد الصغيرة تنساب نحو الضفة الاخرى تختم رحلة النهار في مللٍ أزلي، خلعتْ صديقتي نعليها ثم زحفت نحو الماء، غمست قدميها أولاً فسرت رعشة الماء في جسدي، رحنا في سبات اللحظه ولم نستفق إلا على دجلة يرتب مخدعه لليلة جديدة غير آبه لوجودنا... أيقظتُ الجسد من صديقتي أما الروح فقد عادت قروناً إلى الوراء، ولم تمهلنا متاهة الضيق الماثلة، كنا قد تناسيناها أمام هيبة التاريخ، حتى تنفسنا لزوجة الهواء المثقلة بأدخنة البنادق، فأطبقت من جديد حول دجلة، غطته النجوم برداء العتمة، تكشفتْ الطريق أمامنا من جديد... إحتضنتُ صديقتي...في غفلةٍ منها، وسرنا معاً... إلى حيث لا ندري....
(3)
مولدات الإنارة تصحوا مع الليل، خلف بيوت غائرة لم تكن لتعبأ بها السنين، فتدلت على حافة دجلة، تناثرت حول قصر الخليفة، وأبو النواس يصخب بإنشاده المسائي لكل الحاضرين، يطغى بصوته على قرقعة المولدات المزمنة، أما الجسر فهو يمْثل امامنا مثل قوس الرموش يطبق حين يغفو فلا ترى إلا سواداً تمدد في العتمة، دعانا لنعبر النهر نحو الرصافة، ثمة عيون كثيرة... تطوعت بالملاحقة، صوبت سهامها نحونا، جردتنا من شرعية المثول في حضرة النشيد المسائي، طوقتُ رفيقتي ومضينا، تبادلنا نبضاتٍ متسارعة، ولهاث مموج... تبادلنا كل شيء كنخب أخير، ثم سرنا، ظللتنا شناشيل بغداد العتيقة لنتقي ضوء القمر، أطل وجه دقيق الملامح أطاح بزخرف النافذة للمرة الاولى...، تبيناه على ضوء انعكاس طفيف لضوء القمر، أليس هذا هو "السياب"؟ وهو يستبدل بيت شعر بآخر، لقصيدة قديمة... رآنا لكنه لم يحفل بنا... لم يكترث لمرورنا تحت ضوء قنديل المساء، ولم يهمس لتلك الشناشيل...
– نعم عزيزتي هو...هو وكأن الزمان قد توخى حذر الرحيل، فأعلن فرض إقامة جبرية... حوله، منذ ان رشحه الموت للغياب، ليطل الآن في موعد الليل...
– إذن لم يمت !!! همست لي صديقتي
– يبدو كذلك عزيزتي، لكنها بلا شك... الذاكرة في قبضة الزمن... تلك المقايضة التي تقضي بتسليم مفاتيح الذاكرة... مقابل البقاء.
– وهل يذكر شناشيل ابنة الجلبي؟ هل أعيره بعضاً من ذاكرتي؟ هل أذكرهُ بها أنا؟
كنا نعبر مسرعين، نحو الرصافة، توقفتْ في غفلة مني ، تحسستْ يدي في الظلام... وقالت: لم الخوف من تلك العيون!؟ هل يمكنك أن تقول لي أين نحن؟ أجبتها في وجل: أظننا بين الرصافة والجسر... بدت مطمئة وهي تُسكن خدها فوق صدري، ثم دفنت كفي بين راحتيها وهي تقول: تلك عيون المها... نعم لازالت تنتظر... فهي في كل ليلةٍ ترقب دجلة... تحلم منذ قرون طويلة... بعودةٍ أخرى.... فلاَ تخف.
(2) بطاقة حب موشاة بالياسمين في ذكرى رحيل الشاعر الكبير نزار قباني *
(1)
في معرض الكتاب، لذلك الصيف، وكالعادة... تضج المكتبة، تستعير مساحات إضافية، لتستوعب النزيف على رفوفها المكتظة، وتقاطر الحضور... الشاعر وحده لا يأتي... مساحة مفرغة لغير سبب معقول... تصلح لطاولة عريضة، يبسط الشاعر فوقها آخر الدواوين، وقلم مفوض بالنزيف... لينوب عنه، مركون إلى جانب محبرة، يوقع بالحروف الأولى لقرآءه... ن ز ا ر... متى يأتي الشاعر؟ أذكر جيداً تلك الأمنية، كانت مشفوعة بتنهيدة، وزفرة... لم أفهم حينها...
• من تقصدي عزيزتي؟
• الأمير الدمشقي... ألن يأتي يوماً.
• ربما في العام القادم...
• ربما... وربما ألقاه في العالم الآخر...
فقط وحده لا يأتي... تناولنا قصيدة جديدة، وقد كنّا على عجل... فلم يعذبنا الغياب طويلاً خلف الطاولة، أنتِ
لم تكتفِ بشغف القصيدة وحدها... فالدواوين العتيقة تغازل متعة خفية، تسكن بعضاً منّا مثل سرٍ يحيا لآخر العمر... حتى الممات.
أنا عني إكتفيتُ بالسكر يزين مطلعها... لأنثرهُ كل صباح... من حولكِ:
"صباحك سكّر... إذا مر يوم ولم أتذكر... به أن أقول أحبُ... فمعناه أني أحبك أكثر"
(2)
أسوار غرناطة، بحجم ساحة القصر، كل بنو الاحمر توافدوا إلى هناك حيث الشاعر الأمير، تطوعت عيوننا قسراً على إختلاس النظر أنا وانتِ، حين عبر نزار منشداً من أمامهم، هل تذكرين؟
كان سحر المكان يفصح عن نفسه، يصدح من تلقاء ذات الشاعر المفتون فوق خرائب الزمن المنسي، لكنني يا " مجد" لم اعد أذكر هل كان ذلك بحضور فتاة الشاعر؟ تلك الإسبانية التي "صحت قرون سبعة من خلال عينيها... بعد رقاد"؟؟ تخونني الذاكرة أحياناً في حصة التاريخ المدرسية فالمعذرة...
كل بنوا الأحمر كانوا هناك، أذكر هذا جيدا... أنتِ وانا فقط كنا نتلمس الطريق إلى بوابة القصر، هل تذكري كم نعي قرأنا على بوابة التاريخ الاخيرة قبل عبورنا الأول يا " مجد" ؟
" لم يبق من اسبانية... منا ومن عصورها الثمانية، غير الذي يبقى من الخمر بجوف الآنية" **
لم يفسح الحرس لنا الطريق، فتدثرتِ انتِ بثوب " ولادة" وتعلقت أنا برداء " ابن زيدون" وقفزنا فوق نوبة الحراسة، ولما لم يستوقفنا أحد غير " نزار"، أخرجنا من جيوبنا بقايا حضارة، ومن حقيبتكِ النسائية، رتوش قديمة وسجل جروح لم تندمل، ألقينا كل ما لدينا فوق طاولة الحضور... ولم نبقِ لنا شيئاً لنعود به نحو قرننا العشرين، غير تلك السهرة المزمنة في ساحة القصر القديم، وعبير ورد، ونارنج حملناه كهدية لمن عاد من كل الحروب منتصراً بوهم الحضارة...
سكتت آلة التسجيل في السيارة، فصمت نزار، وأنتظرنا عودة الروح في أعمدة المكان... انتظرنا ولم تدنو منّا قصيدة، لقد كنا وحدنا وبعض شواهد رممتها ريشة حديثة لفنان لم يعد يزاول المهنة، وساحة فارغة لقصر الحمراء إلا من بعض النقوش القديمة... طوقتُ كتفيكِ حين مسحتِ عبرةً وحيدة تسللت أمام اليافطة الرمادية" شارع نزار قباني"... وغبنا في الشارع الدمشقي الطويل وحيدين... حتى هذه اللحظة.
[1]