
قصائدي هي أنا من دون تصنع
كريح .. ترقص عارية عنوان لمجموعة قصائد جديدة صدرت حديثاً للشاعرة اللبنانية هدى سنو، حملت كلماتها أشرعة الخوف السوداء، وتركتها تتلمس طريقها بين الحقيقة وبين الظلال، بين الضجر وبين التمرد، تحلم بوعد جميل يوقظ السنابل التائهة في فردوس ضائع يغلفه الحب بغلالات ملونة.
تعيد قصائد الكتاب بناء تمثال قادم من خلف السماء يحمل في سماته مدائن الحلم. وفي وجهه قسمات الصمت الذي يخفي وراءه صليل الذكريات، وتتجمد في عينيه دمعة الكآبة على عالم تحول الحب فيه الى ذرات من غبار.
بدأت علاقة الشاعرة هدى سنو بالقلم منذ الطفولة، فقد تفتحت عيناها على تقاليد وعادات سجنتها في إطار ضيق جداً ومنعتها من الانطلاق في تحقيق طموحها: "منذ طفولتي، نمت لدي فكرة الرفض لكل شيء من حولي، وعندما كنت أرغم من قبل أهلي على القبول بها، كنت ألجأ الى الورقة التي أعتبرها ككرسي اعتراف أبثها همومي.
في البدء كنت أكتب لنفسي وللمقربين. في منتصف السبعينات نشرت في الصحف اللبنانية بعضاً من قصائدي بالعامية، إلا أن الحرب التي عصفت في لبنان على مدى عشرين عاماً، وما رافقها من تهجير وقتل وتدمير، أخرت نيتي إصدار مجموعتي الشعرية هذه الى اليوم.
في أواخر التسعينات عدت الى نشر قصائد بالفصحى في الصحف اللبنانية، موجود معظمها في كتابي، أما القصائد التي كتبتها في مرحلة الحرب، والتي تحمل الكثير من المعاناة والكآبة والموت، فإنها مخبأة في أدراجي، فأنا لا أنوي نشرها في الوقت الحاضر، لأنني أتوق الى الحياة وأريد أن أنسى مرحلة الموت والدمار.
ويتضمن ديواني الجديد، تضيف، بناءً متعدداً في القصيدة بين النثر وبين الشعر مع المحافظة على الوزن الداخلي في مركز القصيدة، وعلى الترابط بين بداية القصيدة وبين نهايتها.
تتمحور معظم قصائد الديوان حول الناحية العاطفية، وعلاقتها بالرجل والإصرار على تخطيها الناحية الجسدية والمادية وتساميها الى الروح، كذلك تتضمن القصائد مواضيع وطنية ورؤية خاصة لفكرة الموت والحياة والطبيعة الذي تتصف به المرأة في الحب فأشبهها بالغصون التي تنثني، وأدعو الرجل الى ضمها لأنها تنتمي إليه في سره وفي جهره، ولأنها الشراع في بحر شعره، وقصيدة حب صغيرة وقطرة الكأس الأخيرة.
هذه العلاقة المميزة والمتسامية التي أتوق اليها، تضيف، استقيتها من تجاربي الخاصة التي عشتها ومن تجارب الناس من حولي. فأنا أنفعل مع الآخرين، وأتبنى أحياناً موقف الآخر وأشعر بشعوره. من هنا، إن معظم قصائدي تجسد حالات واقعية تنهل من مخزون المعاناة عندي وعند غيري، وتنشد عالماً أفضل تتحول فيه المرأة الى مخلوق سام بعيد عن المادية التي، للأسف، ينظر اليها من نطاقها الرجل الشرقي.
تترابط معظم قصائد الكتاب بفكرة واحدة هي رفض الواقع الذي يكبل المرأة ويسجنها داخل دوائر صنعها الرجل ويخنقها بالرغبات بعيداً عن الحب، ويتعامى عن أحاسيسها معتبراً إياها مجرد أنثى وليس امرأة تفيض شعوراً وعاطفة وتتوق الى الحب والى الحنان.
ان الرفض والتمرد في كتابي يدوران في فلك ثورة هادئة، أتمرد فيها على واقعنا الاجتماعي والسياسي الذي يعطي السلطة للرجل من أجل السيطرة على المرأة وكأنها مخلوق قاصر، ويكبل المرأة بقيود تفرض عليها الخضوع والطاعة للرجل وتقبل مزاجياته المتقلبة بصمت، والاستعداد الدائم لتلبية رغباته، كأنها إحدى الجواري في العصور القديمة.
هذه الصورة الخاطئة ولدت في نفسي النقمة والسعي الى محاولة تصحيحها في كتاباتي على الأقل، من خلال التأكيد على قدرة المرأة على التكامل مع الرجل، وعلى رغبتها الشديدة في الانتماء إليه، ليس ككائن ضعيف، إنما كشخص يتكامل روحياً وجسدياً معه. بهذه النظرة ينتفي التسلط عند الرجل وتزول الحواجز بينه وبين المرأة، ويتحول الوجود البشري لكليهما الى وجود ضروري وأساسي للآخر.
تعتبر الشاعرة هدى سنو أن مشكلة تسلط الرجل على المرأة لبست حكراً على الشرق فقط كإحدى أهم المشاكل التي يعاني منها المجتمع هناك.. والتي يبرز فيها العنف في شكل كبير وتقول "في بيئتنا الشرقية حيث يسيطر الوازع الديني. يبقى الاحترام موجوداً للآخر. وبالتالي يحافظ على وجود المرأة، في حين أن الغرب تفلت من سلطة الدين وانغمس في الحرية اللامسؤولية سواء جنسياً أبو بتشريع العلاقات من دون ضوابط، لذلك نرى أن المجتمعات الغربية تحفل بأعمال العنف المتزايدة التي يمارسها الرجل ضد المرأة، والتي يبين فيها مدى احتقاره لوجودها. أما في المجتمعات الشرقية، فإن الأعراف والتقاليد والوازع الديني، كلها عوامل تحمي وجود المرأة من آفة العنف. من هنا، أؤكد أننا في الشرق ما زلنا أفضل بكثير من الغرب، على الرغم من أن هذا الأخير خطا خطوات كبيرة نحو إعطاء الحرية الكاملة للمرأة. ولكنها حرية غير مسؤولة للأسف.
بما أن الشاعرة هدى سنو هي أم قبل كل شيء، فإن تجربة الأمومة موجودة في كل كلمة حب وفي كل تنهيدة أمل في الكتاب:
"الأمومة هي الحلم الأجمل على قلب المرأة ولكن عندما يتحقق الحلم، نشعر أن الواقع يختلف، بسبب الشعور بالخوف والقلق على مستقبل الأولاد. لذلك أنا أعتقد أن أحلام اليقظة جميلة لأنني أضع بداياتها ونهاياتها وأحداثها. أما في الواقع فلا نملك أي خيار في الأحداث المفروضة علينا".
تعتبر الشاعرة أو واقع المرأة العربية ما زال يرزح تحت عدم احترام وجودها ككائن مستقل فهي دائماً يعتبرها المجتمع أم فلان، أو زوجة فلان، أو ابنة فلان، أو شقيقة فلان، وكأن لا كيان لها، ولا اسم خاص لها، ولا وجود لها بمعزل عن الأب والزوج والابن والشقيق. "اليوم" مع وجود الجمعيات النسائية وتكاثرها وخوض الكثير منها في المجالات الفقهية من أجل استخراج نصوص من الدين لصالح المرأة تخرجها من سيطرة الرجل، فإن المرأة بدأت تخطو خطوات ثابتة نحو انتزاع حقوقها، وتحررها من كونها إحدى ممتلكات الرجل.
إنني أتوق الى يوم، تتحول فيه نظرة الرجل الى المرأة من التملق أو الشفقة الى نظرة احترام ومساواة، خصوصاً وأن المرأة أثبتت اليوم قدرتها على تولي المسؤوليات تماماً كما الرجل، وأكثر منه، ذلك أنها تعمل خارج المنزل لمساعدة زوجها مادياً، وتعمل داخل المنزل لتأمين حاجات عائلتها الكاملة. كذلك أتوق الى اليوم الذي ينظر فيه الرجل الى المرأة الكاتبة نظرة إبداعية وهنا لا بد أن أشير الى أن المرأة الكاتبة يجب أن تحافظ دائماً على نوع من الخصوصية في الكتابة، وتحرص على الإيجابية الدائمة، وعدم البوح بكل مكنوناتها على الورق الذي ينشر، وذلك لاعتبارات كثيرة أهمها أنها زوجة وأم ويجب أن يخجل أولادها من كتاباتها كذلك المحيطون بها. ضمن هذا الإطار، يلعب النضوج الفكري عند المرأة دوراً في الإفصاح عن معاناتها بلغة جملية هادئة بعيدة عن الانفعالات والتناقضات التي تسيطر أحياناً على حياتها. البوح شيء وعيش المعاناة شيء آخر، خصوصاً في الأدب، الذي يجب أن يبقى بعيداً عن اللحظة المادية وتألقا الى رسالة إنسانية خالدة.
هنالك الكثير من الأسرار في حياة المرأة الزوجية وخصوصاً العلاقة الجنسية ، ومن الأفضل أن تبقى طي الكتمان. فإذا كانت هذه الأمور تتم داخل جدران مغلقة، لماذا نعمد الى تشبيعها في الكتب؟ الأدب هو عملية ولادة، ومتنفس للمرأة لتعيش علاقة روحية مستقرة، كما تحلم تماماً مع الرجل بعيداً عن مادية الجنس، وهادفة الى الأمومة التي هي أسمى رسالة يمكن أن تحققها المرأة. إننا نجد اليوم في معظم الدواوين الشعرية التي تصدرها النساء الكثير من الفضح، تعبر المرأة فيها عن قلقها ومعاناتها وخوفها بأسلوب ومفردات لا يرفضها أحد. ترسم فيها الرجل رفيق الطريق، الصديق ، الزوج ، الحبيب الذي ينمي في قلبها وفي عقلها المعاني الروحية ويدفعها الى التقدم والتطور.
ما هي مقومات العالم الذي تحلم به الشاعرة هدى سنو وترسمه في قصائدها؟
إنه عالم خال من العبودية والاستملاك، عالم يكون فيه الحب واضحاً وصريحاً بعيداً عن الخوف، خالياً من القيود والتزلف والتملق من أجل الحصول على مطلب معين، عالم تسود فيه الصراحة مع الأولاد، وأنا شخصيا أحاول تجنيب أولادي المعاناة التي عشتها مع أهلي كوني فتاة، وتأمين المناخ الملائم لهم للعيش بحرية، عالم يرفع الحب ظلاً وراية، يدجن الأقدار، يجرد الأعمار، يعيش شوق اللحظة، يطلق النار على الخطايا، ويزهر العطاء لغة ونهجاً وسيرة.
من هنا، أردت عنواناً لديواني "كريح ترقص عارية" إيماناً مني بعدم تغليف ثورتي، وبالتالي باعتماد الصراحة في رسم عالمي الذي أحب من دون أي تصنع، وتعرية الحال التي أجسدها في كتاباتي بصدق وشفافية مع كل ما تحمل من غربة وخوف أسود في معظم الأحيان، وفي الوقت ذاته أمل طالع من جوهر الإيمان بالحب وبالإنسان وبالمستقبل.
إن قصائدي في النهاية هي "أنا" التي تحيا بالقلم نشوة روح، ونبض ثوان من عمر يحيا في النفس أجمل شعور وأسمى عطاء.
عن "المشاهد"
كانون ثاني 2002