

عبدالله حسين جلاب وقصيدة النثر
«الشخص الذي وضع هذا اللوحهو انخيدو أنـّامَلكيما أبدع َ هنالمْ يبدعـْهُ أحد من قبل».
كثير هو الكلام الذي يدور على ألسنة المثقفين عن قصيدة النثر، والمعروف أنّ بدايات قصيدة النثر خرجت من فرنسا وتبدأ في الانتشار عالمياً على يد الشاعر «بودلير» وهو خير من عبّر في خلق شعر حديث ينطوي على «موسيقى دون وزن وقافية» كما وصفها عز الدين المناصرة في كتابه «إشكاليات قصيدة النثر» بأنها نص مفتوح عابر الأنواع، وحين صدور مجلة «شعر» اللبنانية في بيروت في العام 1950 أطلق الكتاب على ما يكتبونه مصطلح «قصيدة النثر».
عن دار أمل الجديدة / دمشق صدر للشاعر عبدالله حسين جلاب كتاب بعنوان «قصيدة النثر/ تواقيع» 2016، يشير في كتابه إلى أول قصيدة ظهرت في العالم كانت عراقية آكديّة وقد نشر في المجموعة عدداً من النصوص الشعرية النثرية لخمسة عشر من الشعراء القدماء والمحدثين آخرهم الشاعر الأميركي "والت ويتمان ".
قصيدة النثر هي قصيدة آكديّة بامتياز تفردت بابتكارها الشاعرة "إنخيدو أنـّا "2300 قبل الميلاد.. الكاهنة الكبرى في معبد أور لإله القمر نانا، ابنة سرجون الآكدي، فهي رائدتها الأولى في التاريخ البشري، وهي أقدم من ملحمة جلجامش بثمانية قرون وأقدم من إلياذة هوميروس بأحد عشر قرناً وأقدم من الشاعرة الإغريقية الغنائية "سافو "بسبعة عشر قرناً.
فهي شاعرة خاطبت قرّاءها بضمير المخاطب وأعلنت اسمها وهويتها دون لبس في الوقت الذي نجهل فيه هوّية معظم مبدعي الأدب السومري ّ، منه ملحمة جلجامش.
يعتبر العثور على ثلاث قصائد طوال لأنانا، وثلاث قصائد لنانا واثنتين وأربعين تسبيحة لمؤلف واحد بمثابة العثور على منجم معلومات فنية وهذا في التنقيب الأركيولوجي كما جاء في كتاب "بتي دي شونك كيدر " (صلوات إنخيدو أنـّا ترجمة كامل جابر / منشورات الجمل ـ 2009).
تخبرنا "إنخيدو أنـّا "أن ّ أنانا ملكة السماء والأرض وأنها المحور الذي يدور الكون حوله، أما تسبيحة "إنخيدو أنـّا "الثامنة عشرة لمعبد نانا في أور الأكيشنوكال، فهي مثيرة ومدهشة لأنها تقيم في الكيبار الذي يذكر في التسبيحة..
يا أورتتناسل ثيران واقفةفي أجمة الماء والقصباءالصخرة البيضاء أكشنوكالعجل بقرة عظيمةبكل ّ الحب ّ في السماء المقدسةبقرة وحشيةأحبولة نصبت على عُش ّ
هناك قصيدة للشاعرة "بُلبالة السومرية "التي تم اكتشافها منقوشة على لوحة مزخرفة في متحف أسطنبول في العام 1951 وقد ترجمها من السومرية إلى الإنجليزية المؤرخ والآثاري "صموئيل نوح كريمر "ثم ترجمها الآثاري "طه باقر "إلى العربية، فالعبرانيون اقتبسوا قصيدة "بُلبالة "ثم أدخلوها في توراتهم تحت اسم نشيد الإنشاد.
أيها العريس الحبيب إلى قلبيجمالك باهرٌ حلوٌ كالشهدأيها الأسد الحبيب إلى قلبيجمالك باهٍ حلوٌ كالشهد!لقد أسرت قلبي فدعنيأقف في حضرتك وأنا خائفة مرتعشة.
هناك الشاعر "بوسيدونيوس "الذي تمكن ّ بفضل سياحاته من رسم خارطة للعالم وقد قال في هذا الصدد "إن ّ من يبحر من بلاد اليونان تجاه الغرب يمكنه أن يصل إلى الهند "وهي الفكرة التي تبنـّاها "كريستوفر كولومبس "في أواخر القرن الخامس عشر فقادته إلى اكتشاف جزر الهند الغربية ثم قارة أميركا.
عثر مصادفة في المكتبة العمومية لمدينة تامبا على قصيدته الفلسفية اليتيمة "دعوة للنسيان "التي مطلعها:
لماذا أنا ولدتُ ؟
ومن أين أتيتُ ؟
وكيف حدث أنّي موجود حيث أنا الآن ؟
لا أعلم شيئاً وكيف بوسعي أن أعلم أيّ شيء ؟
كان قد قلـّده "إيليا أبو ماضي "بقصيدته الشهيرة "لست أدري "أو "الطلاسم ".
جئتُ لا أعلم ُ من أين َ ولكنـّي أتيتُولقد أبصرت ُ قدّامي طريقاً فمشيتُوسأبقى ماشياً إن شئتُ هذا أم ْ أبيتُكيفَ جئتُ ؟ كيفَ أبصرتُ طريقي ؟لستُ أدري!
وهناك الشاعر الخلّاق "ميلياغروس "الغَدَري وأهم كتبه الشعرية "الإكليل "فهو يعدّ أول من أبتدع فكرة "الأنطولوجيا الشعرية "وهي مختارات شعرية متنوعة، وعلاوة على ريادته "قصيدة النثر "الأوجاريتيّة أو النثر الشعري ابتكر "الإيبجرام "وهي قصيدة تتألف من أربعة عشر يبتاً من الشعر وقد قلـّده في ذلك كبار شعراء الرومان والفرنسيين والانجليز..
هناك شاعرة عاشت في القسم الشمالي من دلتا مصر في أوائل الألف الثاني قبل الميلاد اسمها "بيتوحا الفرعونية "وقد حفظ لنا التاريخ منها قصيدتين أشهرهما القصيدة الأولى التي عثر عليها عالم الآثار الألماني "شبيجلبرج "في متحف الآثار القديمة في القاهرة وهي قصيدة شعرية مرموقة بالأحرف الهيروغليفية وعنما فك ّ رموزها وجدها قصيدة حب عذرية فقام بترجمتها إلى الألمانية ونشرها في مطلع القرن العشرين تحت عنوان "أحلام عاشقة "، وترجمها من الفرنسية إلى العربية الأديب إبراهيم المصري في العام 1938 تحت عنوان "تمنيات عاشقة "ونشرها في كتابه "مختارات عالمية من الشعر الغرامي "..
آه يا أخييا للعذوبة التي أجدهاحين أهبط النهر معكوأستحم فيه أمامكإنّي لأودّ أن أكشف لك عن محاسني كلهاعندما أكون في النهرتستر بدني غلالة رقيقةيبلـّلها الماء!
وهناك الشاعرة "بيليتيس التراقيّة "الذي اكتشفها عالم الآثار "م. ج. هايم "في أواسط القرن التاسع عشر بعد الميلاد وقبرها في موقع كان يسمى في عهد الرومان بالاسيوليميسو الموجود على مقربة من مدينة بورسعيد، وعثر بالقرب من قبرها على نصب نقش عليه ثلاثة نصوص منها:
أيها العابر الغريب:
إن ّ أمنـّا الطبيعةهي التي تقود تصرفاتناوتجاهلها ليس أمراً محموداً!وكعرفان بالجميل نحوكأنت يا من وقفت أمام قبريأتمنى لك أمنية واحدةأن تكون محبوباً، لا أن تحب ّ أنت!وداعاً، وتذكـّرْ في شيخوختكأنك رأيت قبري.
ويشير الشاعر عبدالله حسين جلاب في كتابه "قصيدة النثر/ تواقيع "عن أسماء أخرى من الشعراء منهم (إيرينا الديلوسية، أنتيباتروس الصيداوي، فيلوديموس، فاليريوس بابريوس، بيّون الازمرلي، أرخياس الأنطاكي، آراتوس، لويس برتران، والت ويتمان).
ينهي الشاعر عبدالله حسين جلاب كلماته بهذا القول:
أقول للشاعر: لا تقترف كتابةً اسمها "قصيدة النثر "فهي لـ (إنخيدو أنـّا الآكدية) قبل الميلاد. غادرْ صدرَ الخيمةِ وعجزَها وفحيح َ شياطين (وادي عبقر) المسكون بالحنظل والثعالب والأشباح، واللتين لم ْ يقترفهما حتى عمود سومر وبابل قبل تشكـّل السلالات: روي ّ البعير وتقفيته.
لكن ارسم ْ طرقا ً أخرى، تـُشْبهُك َ، وتفرّدْ كما تفرّدَ النحل ُ برسمهِ (طريقاً طائراً دوائرَ دوائرَ) وهو يكتبُ سطورَهُ على هواء الشمس في سماءٍ زرقاءَ، فتـُسحرُنا بهِ في كلّ شروق أرزةٍ وغروبها، حنجرة ُ فيروز!