

صلاح عبد الصبور فى ذكراه
فى الثالث عشر من هذا الشهر تمر الذكرى السابعة والعشرون لوفاة الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور، الذى يعد من أهم شعراء مصر فى النصف الثانى من القرن العشرين، وأحد الشعراء الذين استطاعوا تحويل هموم الحياة الصغيرة إلى شعر. وفى هذه المناسبة، ذهبنا إليه نحاوره – عبر شعره ودواوينه – عنه وعن أحوالنا. فكان هذا الحوار.
فى بداية حوارنا.. دعنا نقترب منك أكثر، حدثنا عن نفسك؟
–
أنا رجل من غمار الموالى.. فقير الأرومة والمنبتفلا حسبى ينتمى للسما.. ولا رفعتنى إليها ثروتىولدت كآلاف من يولدون.. بآلاف أيام هذا الوجودلأن فقيراً بذات مساء.. سعى نحو حضن فقيرةوأطفأ فيه مرارة أيامه القاسيةنموت كآلاف من يكبرون..حين يقتاتون خبز الشموسويسقون ماء المطروتلقاهم صبية يافعين حزانى على الطرقات الحزينةفتعجب كيف نموا واستطالوا وشبت خطاهموهذى الحياة ضنينة.
وماذا عن أيام طفولتك وصباك؟
–
صباى البعيد..أحن إليه، لألعابهلأوقاته الحلوة السامرةحنينى غريب..إلى صحبتى.. إلى أخوتى..إلى حفنة الأشقياء الظهور ينامون ظهراً على المصطبةوقد يحلمون بقصر مشيدوباب حديدوحورية فى جوار السريرومائدة فوقها ألف صحندجاج وبط وخبز كثيرإلى أمى البرة الطاهرةتخوفنى نقمة الآخرةونار العذابوما قد أعدوه للكافرينوللسارقين وللاعبينوتهتف إن عثرت رجليهوإن طنت نحلة حوليهباسم النبى
إذا انتقلنا إلى الشعر.. كيف تصنف نفسك بين الشعراء؟
–
ما كنت أبا الطيب..ولم أوهب كهذا الفارس العملاق أن أقتنص المعنىولست أنا الحكيم.. رهين محبسه بلا أربولست أنا الأمير.. يعيش فى قصر بحضن النيليناغيه مغنيهوملعقة من الذهب الصريح تطل من فيهولكنى تعذبت لكى أعرف معنى الحرفومعنى الحرف إذ يجمع جنب الحرفولكنى تعذبت لكى أحتال للمعنىلكى أملك فى حوزتى المعنى مع المبنىلكى أسمعكم صوتى فى مجتمع الأصواتوقفت أمامكم ورفعت كفى قائلاً: هياهنا إنسان..يريد يدير فى فكيه ألفاظاً يدحرجهاإلى الإنسانلتصنع نقمة فى القلب أو فرحاتكون مجن من جُرحاوسهماً فى حشا القاسى الذى جَرحا
إذاً.. ماذا يمثل الشعر بالنسبة لك؟
–
الشعر زلتى التى من أجلها هدمت ما بنيتمن أجلها خرجتمن أجلها صُلبتوحينما عُلقت..كان البرد والظلمة والرعدترجنى خوفاوحينما ناديته، لم يستجبعرفت أننى ضُيعتُ ما أضعت
فهل لك أن تلخص لنا شخصيتك فى كلمتين؟
–
أنا إنسان يضنينى الفكر ويعرونى الخوفأنا إنسان يظمأ للعدل ويقعدنى ضيق الخطو
يقول الفلاسفة أن الألفاظ وعاء الفكر.. ماذا تعنى لك الألفاظ؟
–
إن الألفاظ ثمار الأشجارأبهى ما تحمل من نواروكما أن الشجر الطيبيعطى ثمراً طيبفالإنسان الطيبلا ينطق إلا اللفظ الطيب
يصفك النقاد بأنك شاعر حزين، ويعيبون عليك ذلك. لماذا أنت حزين؟
–
هناك شيء فى نفوسنا حزينقد يختفى، ولا يبينلكنه مكنونشيء غريب غامض حنون---------------تظل حقيقة فى القلب توجعه وتضنيهولو جفت بحار القول لم يبحر بها خاطرولم ينشر شراع الظن فوق مياهها ملاحوذلك أن ما نلقاه لا نبغيه..وما نبغيه لا نلقاه !!
هل معنى ذلك أن الفرح والسعادة الحقيقية أمر بعيد المنال؟
–
لو كنا نعرف أن نفرحفرحة طفل غُفلِ القلبعرف الدنيا حباً ينمو فى ظله حبلأذبنا الفرحة فى أكواب الأحبابلكنا حين ضحكنا أمس مساءرنت فى ذيل الضحكاتنبرات بكاءوأتكأت فى عينى دمعاتأغفت زمناً فى استحياء
لنترك الحزن ونتحدث قليلاً عن الحب؟
–
حديث الحب يوجعنى ويطربنى ويشجينىولما كان خفق الحب فى قلبى هو النجوى بلا صاحبحملت الحب فى قلبى، فأوجعنىولما كان خفق الحب فى قلبى هو الشكوى إلى الصاحبشكوت الحب للأصحاب والدنيا، فأوجعنى
[ وما رأيك فى حب هذا الزمان؟
–
الحب قد كان.. فى أول الزمانيخضع للترتيب والحسبان(نظرة، فابتسامة، فسلامفكلام، فموعد، فلقاء)اليوم.. يا عجائب الزمانقد يلتقى فى الحب عاشقانمن قبل أن يبتسماالحب فى هذا الزمانكالحزنلا يعيش إلا لحظة البكاءأو لحظة الشبقالحب بالفطانة أختنق !!
لننتقل الآن للحديث عن أحوالنا؟
–
رعاك الله يا ولدىلماذا تستثير شجاى
عذراً شاعرنا الطيب.. ولكن كيف ترى حالنا اليوم؟
–
أصبحنا مثل الطين بقاع البئرلا يملك أن يتأمل صفحة وجهه
وما الذى أوصلنا إلى هذه الحال فى رأيك؟
–
حين فقدنا الرضابما يريد القضالم تنزل الأمطارلم تورق الأشجارلم تلمع الأثمارحين فقدنا الرضاحين فقدنا الضحكاتفجرت عيوننا بكاحين فقدنا هدأة الجنبعلى فراش الرضا الرحبنام على الوسائدشيطان بغض فاسدمعانقى، شريك مضجعىكأنما قرونه على يدىحين فقدنا جوهر اليقينتشوهت أجنة الحبالى فى البطونالشعر ينمو فى مغاور العيونوالذقن معقود على الجبينجيل من الشياطينجيل من الشياطين
إذاً فأنت تحمل الناس المسئولية؟
–
الناس فى بلادى جارحون كالصقورغناؤهم كرجفة الشتاء فى ذؤابة الشجروضحكهم يئز كاللهيب فى الحطبخطاهمو تريد أن تسوخ فى الترابويقتلون، يسرقون، يشربون، يجشأونلكنهم بشروطيبون حين يملكون قبضتى نقودومؤمنون بالقدر
أقصد، هل نحن مسئولون عما آلت إليه أحوالنا؟
–
إن تصف قلوب الناس تأنس نظرة الرحمنإلى مرآتنا، ويديم نظرته فتحييناوإن تكدر قلوب الناس يصرف وجهه عناوبهجرنا ويجفوناويمشى القحط فى الأسواق، يجبى جزية الأنفاس
ولكن الناس صامتون، والبعض يفسر هذا الصمت بأنه رضا عن الواقع؟
–
الصمت لا يعنى الرضاء بأن أمنية تموتوبأن أياماً تفوتوبأن مرفقنا وهنوبأن ريحاً من عفنمس الحياة فأصبحتوجميع ما فيها مقيت
إذاً فلماذا لا يخرج الناس عن صمتهم، لماذا لا يعترضون؟
–
الويل لمن يوقظ هذا الطير النائمسيكسر باب الزمن الموصدويحطم أقفالهحتى تخرج من سرداب الماضى قطع الظلمات المختالهستحل سنون متتابعة جدباءيصبح فيها القمح قشوراً لا بذرة فيهاوسيتخثر لبن الأم بثدييها الممصوصين
إن نظرتك للمستقبل شديدة التشاؤم، لم لا تؤمن بالمستقبل؟
–
بل إنى أخشاه لأنى أؤمن بهأؤمن أن لابد لكل زمان من مستقبلأوشك أحياناً أن ألحظه لحظ العينولهذا فأنا أبصره ملتفاً فى غيم أسود--------------فى بلد لا يحكم فيه القانونيمضى فيه الناس إلى السجن بمحض الصدفةلا يوجد مستقبلفى بلد يتمدد فى جثته الفقركما يتمدد ثعبان فى الرمللا يوجد مستقبلفى بلد تتعرى فيه المرأة كى تأكللا يوجد مستقبل
إذاً فهو الظلم والاستبداد، فى رأيك ما الذى يدفع الحاكم للاستبداد بشعبه، وماذا يقول لسان حاله؟
–
ما دمت أنا صاحب هذه الدولةفأنا الدولةأنا ما فيها، وأنا من فيهاأنا بيت العدل، وبيت المال، وبيت الحكمةبل إنى المعبد والمستشفى والجبانة والحبسبل أنى أنتمما أنتم إلا أعراض زائلةتبدو فى صور منبهمهوأنا جوهرها الأقدس
ما الفرق بين حاكم وآخر فى نظرك؟
–
أنا لا أعرف صاحب تاج إلا اللهوالناس سواسية عندىمن بينهم يختارون رؤوساً ليسوسوا الأمرفالوالى العادلقبس من نور الله ينور بعضاً من أرضهأما الوالى الظالمفستار يحجب نور الله عن الناسكى يفرخ تحت عباءته الشر
ماذا تعنى بالشر؟
–
فقر الفقراءجوع الجوعى، فى أعينهم تتوهج ألفاظ لا أوقن معناهاوالمسجونون المصفودون يسوقهمو شرطى مذهوب اللبقد أشرع فى يده سوطاً لا يعرف من فى راحته قد رفعهورجال ونساء قد فقدوا الحريةتخذتهم أرباباً من دون الله عبيداً سخريا
هل تقصد بالفقر ضيق ذات اليد وقلة الدخل؟
–
ليس الفقر هو الجوع إلى المأكلوالعرى إلى الكسوةالفقر هو القهرالفقر هو استخدام القهر لإذلال الروحالفقر هو استخدام القهر لقتل الحب وزرع البغضاء
ما العمل إذاً؟ وماذا يمكننا أن نفعل؟
–
لا أملك إلا أن أتحدثولتنقل كلماتى الريح السواحةولأثبتها فى الأوراقشهادة إنسان من أهل الرؤيةفلعل فؤاد ظمآنا من أفئدة وجوه الأمةيستعذب هذى الكلماتفيخوض بها فى الطرقاتيرعاها إن ولى الأمرويوفق بين القدرة والفكرةويزاوج بين الحكمة والفعل
وهل تفلح الكلمات فى إصلاح أحوالنا؟
–
ستأتى آذان تتأمل إذ تسمعتتحدر منها كلماتى فى القلبوقلوب تصنع من ألفاظى قدرهوتشد بها عصب الأذرعومواكب تمشى نحو النورولا ترجعإلا أن تسقى بلعاب الشمسروح الإنسان المقهور الموجع
ولكن صحف هذه الأيام تمتلئ بالكلام بعد الكلام، ولا فائدة؟
–
لنصمتعَلَّ فى الصمت التأسِّ والسلامفالصمت أجمل ما يكون إذا غدت سبل الكلامتفضى إلى نار المواجدأو إلى ماء السراب
حيرتنى يا شاعرنا، هل نتكلم أم نصمت؟ ماذا تريد من الناس بالضبط؟
–
يا أهل مدينتنايا أهل مدينتناهذا قولى:انفجروا أو موتوا
فى ذكرى مرور 60 عاماً على اغتصاب فلسطين، ماذا تقول لأطفالها؟
–
يا أيها الصغارعيونكم تحرقنى بنارتسألنى أعماقها عن مطلع النهارعن عودة إلى الديارأقول يا صغارلننتظر غدالو ضاع منا الغد، يا صغارضاع عمرنا سدى
فلنترك السياسة جانباً ولنتحدث عن الإنسان؟
–
ألا ما أشرف الإنسانحين يشم فى الإنسان روح الود والألفةألا ما أشرف الإنسانحين يرى بعينى إلفه الإنسانما يخفى من اللهفة إلى الإنسانألا ما أتعس الإنسانحين يموت فى أعماقه الإنسان
ولكن البعض يشبه دنيانا بالسوق، يأكل الكبير فيها الصغير، كيف ترى هذه السوق؟
–
ونزلنا السوق أنا والشيخكان الإنسان الأفعى يجهد أن يلتف على الإنسان الكركىفمشى من بينهما الإنسان الثعلبعجباًزور الإنسان الكركى فى فك الإنسان الثعلبنزل السوق الإنسان الكلبكى يفقأ عين الإنسان الثعلبويدوس دماغ الإنسان الأفعىواهتز السوق بخطوات الإنسان الفهدقد جاء ليبقر بطن الإنسان الكلبويمص نخاع الإنسان الثعلب !!
يا لهول المشهد !!، هل معنى ذلك أن الإنسان الحقيقى لا وجود له فى دنيانا؟
–
يا شيخى الطيب !!الإنسان الإنسانعبر من أعوامومضى لم يعرفه بشرحفر الحصباء وناموتغطى بالآلام
نعود إليك شاعرنا، هل هناك أمنية تمنيتها ولم تتحقق؟
–
يا من يدل خطوتى على طريق الدمعة البريئةيا من يدل خطوتى على طريق الضحكة البريئةلك السلام.. لك السلامأعطيك ما أعطتنى الدنيا من التجريب والمهارةلقاء يوم واحد من البكارة
إذاً هل أنت راض عن مشوارك؟
–
عين الله علىَّوهداياه موصولهوطرائق نعمته مبذولهفهنيئاً لى.. هنيئاً لى
كلمة أخيرة نختم بها حوارنا توجهها إلى قراءك ومحبيك؟
–
سأرجع فى ظلام الليل حين يفض سامركموحين يغور نجم الشرق فى بيت السما الأزرقإلى بيتىلأرقد فى سماواتىوحيداً فى سماواتىوأحلم بالرجوع إليكمطلقاً وممتلئاً بأنغامى وأبياتىأجافيكم لأعرفكموهل من مات لم يترك له رسماً على الجدران !!