الأربعاء ٢٥ شباط (فبراير) ٢٠٢٦
بقلم نوزاد جعدان جعدان

صاحب الذيل القصير

في نَهارٍ صَيْفِيٍّ مُشْمِسٍ، وَقَفَ قَطْقُوطْ أَمَامَ حَاوِيَةِ القُمَامَةِ يَتَأَمَّلُهَا وَيُحَدِّقُ فِي ذَيْلِهِ الْقَصِيرِ الَّذِي يَمْنَعُهُ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى قَلْبِهَا تَمَامًا، كَمَا لَا يَصِلُ إِلَى قُلُوبِ الْقِطَطِ فِي الْحَيِّ.

فَهُوَ عَلَى النَّقِيضِ مِنَ الْقِطَطِ الْأُخْرَى، لَهُ ذَيْلٌ قَصِيرٌ جِدًّا لذا يُلَقِّبُهُ الْبَعْضُ بِقَطْقُوطِ الْبِسَة، سَئِمَ مِنْ حَيَاتِهِ هَذِهِ الَّتِي أَصْبَحَ فِيهَا مَثَارًا لِسُخْرِيَةِ الْحَيِّ، وَلَا سِيَّمَا مِنْ هَرَّةٍ تَمُرُّ بِجِوَارِهِ وَتَقُولُ: "أَيُّ هِرَّةٍ سَتَقْبَلُ بِصَاحِبِ الذَّيْلِ الْقَصِيرِ هَذَا؟ وَأَيَّ مَجْنُونَةٍ سَتَمْنَحُهُ قَلْبَهَا وَهُوَ يَفْتَقِرُ لِأَبْرَزِ شَيْءٍ يُمَيِّزُ الْقِطَطَ وَيَمْنَحُهُمْ الْوَسَامَةَ، فَذَيْلُ الأَرْنَبِ أطْوَلُ مِنْ ذَنْبِهِ.. أَيُّ هُرَاءٍ يَحْمِلُ؟!".

فِي ذُرْوَةِ تَأَمُّلِهِ لِلسَّمَاءِ وَالْغُيُومِ الَّتِي تُنْسَجُ أَذْنَابُهَا الْبَيْضَاءَ الطَّوِيلَةَ، مَرَّ بِجِوَارِهِ بَسْبُوسُ الشِّرِّيرُ وَخَاطَبَهُ قَائِلًا: "يَا بَسَّةُ يَا صَاحِبَ الذَّيْلِ الْقَصِيرِ، لَا تَسْتَطِيعُ مِثْلِيَّ الْمَشْيَ عَلَى جُدْرَانِ الْمَدِينَةِ اُنْظُرْ إِلَى رَشَاقَتِي، سَتَسْقُطُ عِنْدَ أَوَّلِ حَائِطٍ تَعْتَلِيهِ".

قَالَ قَطْقُوطْ: "أَنَا أَتَأَمَّلُ عَقْلَكَ الصَّغِيرَ، وَلَا أَحْتَاجُ إِلَى ذَيْلٍ لِكَيْ أَصْعَدَ هَذَا الْحَائِطَ.. اُنْظُرْ إِلَيَّ لَسَوْفَ أَصِلُ إِلَى أَعْلَى مِمَّا وَصَلْتَ".

حَاوَلَ قَطْقُوطْ الْقَفْزَ إِلَى الْحَائِطِ مُسْتَنِدًا إِلَى حَاوِيَاتٍ مَنْثُورَةٍ هُنَا وَهُنَاكَ، وَلَكِنَّ كُلَّ مُحَاوَلَاتِهِ بَاءَتْ بِالْفَشَلِ، فَوَلَّى الأَدْبَارَ خَائِبًا.. اسْتَنَدَ قَطْقُوطْ بِظَهْرِهِ إِلَى الْحَائِطِ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى النُّجُومِ فِي الْمَسَاءِ.. أَمْسَكَ ذَيْلَهُ الْمَعْكُوفَ عَلَى ظَهْرِهِ وَتَأَمَّلَهُ طَوِيلًا، وَتَخَيَّلَهُ كَنَجْمَةٍ مُمَيَّزَةٍ عَنْ بَاقِي النُّجُومِ.. وَأَثْنَاءَ ذَلِكَ مَرَّ بِجِوَارِهِ فَرْفُورُ الْفَأْرِ الذَّكِيِّ، وَالْمَعْرُوفِ بِقَصْرِ قَامَتِهِ وَنَظَّارَتِهِ الْغَلِيظَةِ، وَالَّذِي لَا يَهَابُ قَطْقُوطْ لِأَنَّ قَطْقُوطْ مُسَالِمٌ جِدًّا وَلَا يُؤْذِي أَيَّ حَيَوَانٍ.. يَعْتَمِدُ فِي طَعَامِهِ عَلَى فُتَاتِ الطَّعَامِ مِنْ حَاوِيَاتِ الْمَدِينَةِ.

رَبَّتَ فَرْفُورُ عَلَى كَتِفِهِ وَسَأَلَهُ: "مَا بَالُكَ يَا صَدِيقِي قَطْقُوطْ؟ أَرَاكَ حَزِينًا وَقَدْ نَالَتْ الْكَآبَةُ مِنْكَ".

 قَالَ قَطْقُوطْ: "أَنَا حَزِينٌ جِدًّا يَا فَرْفُورْ.. كُلُّ قِطَطِ الْحَيِّ تَسْخَرُ مِنِّي وَمِنْ ذَيْلِي الْقَصِيرِ..يَا لَيْتَنِي لَمْ أَتِ إِلَى هَذِهِ الدُّنْيَا".

 قَالَ فَرْفُورْ: "لَا تَكُنْ غَبِيًّا يَا صَدِيقِي.. اللهُ قَدْ مَيَّزَكَ بِهَذِهِ الْمِيزَةِ لِتَكُونَ مُخْتَلِفًا عَنْ الْآخَرِينَ، وَقَدْ وَهَبَكَ عَقْلًا رَاجِحًا وَقَلْبًا طَيِّبًا".
 قَالَ قَطْقُوطْ: "وَلَكِنْ مَا الْفَائِدَةُ مِنْ هَذَا وَالْقِطَطُ تَحْكُمُ عَلَى الشَّكْلِ وَلَيْسَ عَلَى الْقُلُوبِ وَالْعُقُولِ".

 قَالَ فَرْفُورْ: "لَا تُقْلِقْ، احْكُمْ عَقْلَكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَانْظُرْ بِقَلْبِكَ وَامْشِ بِفَخْرٍ عَلَى مَا وَهَبَكَ اللهُ.. الْحَمْدُ لِلَّهِ أَنَّكَ تَرَى جَيِّدًا وَتَسْمَعُ وَتَمْشِي.. هَذِهِ كُلُّهَا هِبَاتٌ مِنَ الْخَالِقِ".

 قَالَ قَطْقُوطْ: "وَلَكِنِّي كُلَّ يَوْمٍ أَتَعَرَّضُ لِلضَّرْبِ مِنَ الْقِطَطِ الْأُخْرَى بِسَبَبِ ذَيْلِي الْقَصِيرِ الَّذِي لَا يُعِينُنِي عَلَى التَّوَازُنِ وَالرَّشَاقَةِ".

 قَالَ فَرْفُورْ: "حَكِّمْ عَقْلَكَ يَا قَطْقُوطْ".

اُنْظُرْ إِلَى نِقَاطِ ضَعْفِهِم، فَهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ اَلْإِمْسَاكُ بِذَيْلِكَ بَيْنَمَا أَنْتَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَرْبُطَ أَذْنَابَهُم كُلَّهَا مَعَ بَعْض وَتُلَقِّنهُم دَرْسًا كَيْ لَا يَتَجَرَّؤوا عَلَى اَلْمَسَاسِ بِكَ مَرَّة أُخْرَى، تَصَرَّف بِعَقْلِكَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ مَا اَلْفَائِدَةُ مِنْ اَلْمَشْيِ عَلَى اَلْجُدْرَانِ اَلْعَالِيَةِ إِذْ لَابُد لِلْمَرْءِ أَنْ يَسْقُطَ مَرَّةً، بَلْ سِرّ عَلَى اَلرَّصِيفِ فَالشَّارِعُ يَحْمِلُ أَجْمَلَ اَلْأَسْرَارِ.

غَادَرَ فَرْفُورْ وَقَدْ كَانَ لِكَلَامِهِ وَقَعَ عَمِيقٌ عَلَى قَطْقُوط اَلَّذِي تَابَعَ سَيْرُهُ وَهُوَ يَرْقُصُ فِي اَلشَّارِعِ تَارَةً وَطَوْرًا يُغَنِّي إِلَى أَنَّ عَرْقَلَ طَرِيقَهُ بَسْبُوس اَلشِّرِّير وَوَضْعِ قَدَمِهِ أَمَام قَطْقُوطْ اَلَّذِي سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ هَجَمَ بَسْبُوس بِمَعِيَّة أَصْدِقَائِهِ عَلَى قَطْقُوط اَلَّذِي كَانَ يَضَعُ يَدَيْهِ أَمَامَ وَجْهِهِ كَيْ يَحْمِيَ نَفْسَهُ إِلَى أَنَّ تَذَكُّرَ كَلَامِ فَرْفُورْ، فَقَفَزَ وَأَمْسَكَ ذَيْل بَسْبُوس وَهَزُّهُ طَوِيلاً ثُمَّ رَمَاهُ بَعِيدًا، وَأَمْسَكَ بِخِفَّةٍ بِذَيْلِ أَصْدِقَاءٍ بَسْبُوس وَعَقدهَا مَعًا، فِي تِلْكَ اَللَّحْظَةِ فَرَّتْ كُلَّ اَلْقِطَطِ مِنْ اَلْحَيِّ أُمًّا قَطَاتْ اَلْحَيِّ فَنَظَرْنَ إِلَيْهِ نَظْرَةُ إِكْبَارٍ وَإِجْلَالٍ حَتَّى سُمُوّهُ قَطْقُوطْ اَلْبَطَلُ، تَابِعَ قَطْقُوطْ حَيَاتُهُ وَهُوَ مُفْتَخِرٌ بِهَيْئَتِهِ غَيْرِ خَجَلٍ مِنْ ذَيْلِهِ اَلْقَصِيرِ.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى