الخميس ١٢ آذار (مارس) ٢٠٢٦
بقلم نوزاد جعدان جعدان

تجليات الرياح في الموروث العربي والغربي

تعد الرياح واحدة من العناصر الطبيعية التي تناولها الأدباء والشعراء عبر العصور بطرق متعددة ومعانٍ مختلفة، حيث لعبت دورا هاما في تصوير الأحاسيس والمشاعر، وأيضا في التعبير عن التغيرات البيئية والاجتماعية بما فيها من لين وخصب تُسلّط على الإنسان أنواعا من المصاعب تدفعه إلى التّأمّل والتدبّر من أجل السّيطرة على مختلف العناصر الطّبيعيّة وإحكام استغلالها لفائدته، كما كانت تعد إحدى رزم " درور" القدماء في التنبؤ بحالة الطقس وقدوم المواسم تماما كحالة النجوم والطوالع حيث يقسم السنة إلى أربعة أقسام بحيث يضم كل قسم مئة يوم، عدا المئة الرابعة فهي ستون يوما، وتقسم كل منه إلى عشرة أقسام، يتكون الواحد منها من عشرة أيام وتسمى بـ «الدر» ويطلق عليها على التوالي: در العشر، در العشرين، در الثلاثين ... وصولا إلى در المئة وبذلك تتكون السنة من (36) درا. وتبدأ حسابات الدرور من برج الأسد؛ كونه البرج الذي يظهر فيه نجم سهيل في منتصف أغسطس، وتبدأ فيه (حسابات الدرور).

و يواجه الإنسان الرّياح بما تحدثه من فعل في الوجود عموما، فهي قادرة على إزعاجه في حركته وفي سكونه، وقادرة على مساعدته في مواجهة الحرّ، وقضاء بعض شؤونه أحيانا، وذكر الأصمعي وأبو زيد الأنصاري في تحديد الرياح نحوا مما قاله أهل الحساب قال الأصمعي معظم الرياح أربع وحدهن بالبيت الحرام حرسه الله تعالى فقال: القبول تأتي من قُبل الكعبة شرفها الله تعالى، وهي الصبا والدبور التي تأتي من دبر الكعبة والشمال التي تأتي من قبل الحجر والجنوب من تلقائها، يريد تلقاء الشمال قال وكل ربح انحرفت. فوقعت بين ربحين من هذه الرياح فهي نكباء وقال أبو زيد مثل ذلك.

ووفق ما ورد في كتاب الأنواء في مواسم العرب، فإن الرياح أربع وهي الشمال والجنوب والصبا والدبور فالشمال عالي من ناحية القطب الأعلى والجنوب تأتي من ناحية القطب الأسفل والصبا تأتي من وسط المشرقين والدبور تأتي من وسط المغربين ". وهذا الحد يقارب ما ورد في كتاب الأزمنة والأنواء" إذ الرياح أربع الصبا والدبور والشمال والجنوب فالصبا تهب من مشرق الاستواء، وهو وسط المشرقين والدبور تهب من مغرب الاستواء، وهو وسط المغربين مقابلة للصبا والشمال تهب من ناحية القطب الأعلى والجنوب تهب من ناحية القطب الأسفل مقابلة للشمال، والملاحظ أن لهذه الرياح أسماء كثيرة، وأحكام في العربية لأن بعضهم يجعلها نعوتا وبعضهم يجعلها أسماء.

وللرياح تسميات أو نعوتا متعددة على اختلاف المواسم في الخليج العربي، فيقال هبايب سهيل من منتصف أغسطس إلى نهاية ديسمبر وهي رياح رطبة لطيفة، أما رياح الأكيذب تمتاز بقوتها وشدتها تسبقها هدوء تام للريح، تهب بعدها رياح قوية محملة بالسحب والأمطار الغزيرة.

مع دخول الوسم يستشير أهل الجزيرة العربية ببداية نشاط رياح "الأريب" خلال هذه الفترة، وهي الرياح الجنوبية المحملة بالرطوبة وبخار الماء والقادمة من المحيطات والبحار الداخلة عرفها العرب منذ القدم، وكانوا يستبشرون بها إذ تشير إلى قدوم المطر، ومن الأشعار التي قيلت في رياح الأريب""، قول الشريف الرضي: أهفو إلى الريح إن هبت يمانية / تحذو زعازعها عيرا من المزن، وكثيرا ما نجد ارتباط صورة الرياح بمهنة الشعراء لاسيما الصيادين كقول الشاعر الإماراتي سالم بن حميد البحري السويدي: م الفجر تطالع النتار /علايم الأزبب اللافي، وأيضا كما نرى قول الشاعر حميد بن ذيبان عن هذه الرياح: البحر الأحمر قصاصيره خطر وزياغ /وبها عواصيف الأزيب ريح هبابه.

ولعل من أشهر مسميات الرياح وما وصفه الشعراء رياح الشمال التي نجدها في شعر جميل بثينة: أَيا ريحَ الشَمالِ أَما تَرَيني / أَهيمُ وَإِنَّني بادي النُحولِ، وكذلك في وصف البحتري: ريحُ الشَمالِ أَتَت بِريحِ شَمالِ / سَحَرا فَهاجَت ساكِنَ البَلبالِ / واها بِما جاءَت بِهِ واها لَهُ/ أَحيَت بِهِ ما ماتَ مِن أَوصالي، وتمتاز رياح الشمال بأنها شتوية مــن منتصــف ديســمبر إلــى نهايــة فبرايــر، وهي رياح شمالية إلى شمالية غربية باردة إلى شديدة البرودة وجافة، ومن دلائل هبوبها ظهــور الزبــد منه بفعــل الأمواج المتلاطمة. كما يســتدل أهــل الزراعــة علــى هبوبهــا ببدايــة جفــاف اللحــاء وســقوط أوراق الأشجار.

وقد تعامل العرب مع مختلف الظّواهر الطّبيعيّة فانعكست فنّا في شعرهم، ومعرفة في حياتهم. فشكّلوا صورا شعريّة فيها من الجماليّة الكثير، وفيها ما يوحي بالإبداع والإنتاج المعرفيّ، كانت الرياح ترمز إلى القوة والطبيعة القاسية التي يواجهها الإنسان في الصحراء. استخدم الشعراء الرياح كاستعارة للتعبير عن الفراق والحنين، حيث كان الشعراء يبكون على الأطلال ويستحضرون رياح الشمال التي تثير الأشجان وتعيد الذكريات المؤلمة، أما في العصر الإسلامي، اكتسبت الرياح رمزية دينية حيث ذكرت في القرآن الكريم في عدة مواضع، منها ما يشير إلى دورها في تلقيح النباتات (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ). أما في الشعر الأندلسي، اكتسبت الرياح بعدا جماليا حيث كانت تثير الإلهام بين الطبيعة الخلابة في الأندلس. فقد استوحى الشعراء من حركتها الرشيقة بين البساتين والأنهار، معبرين عن مشاعر الحب والشوق.

كما تم توظيف الرياح كرمز للتغير والتحول، لكنها اكتسبت معاني أكثر تعقيدا مع تطور الأوضاع الاجتماعية والسياسية. يمكن أن نرى الرياح كرمز للتحرر أو الثورة أو حتى الغموض الذي يحيط بمستقبل الإنسان، كما تظهر الرياح لتشير إلى بداية تغير أو تحول في حياة الشخصيات أو لتضفي على المشهد جوا من التشويق والتوتر. في أعمال نجيب محفوظ، على سبيل المثال، يمكن أن تكون الرياح حاملة لتغيرات كبرى في حياة الأبطال.

على الصعيد الآخر، لم يخلُ الأدب الإنجليزي من استخدامات وتوظيف للرياح في الشعر والنثر التي تعد من العناصر الطبيعية المستخدمة بشكل واسع لأغراض رمزية وجمالية على مر العصور. من خلال الأعمال الأدبية، نجد أن الرياح تعكس مجموعة متنوعة من المشاعر والموضوعات مثل التغيير، الحرية، القوة، وحتى الغموض. فنجد خلال عصر النهضة، أن الشعراء والكتاب استلهموا من الرياح لأغراض وصفية ورمزية. على سبيل المثال، في أعمال ويليام شكسبير، تظهر الرياح لتجسد مشاعر التوتر والتحول. كما في مسرحية "العاصفة" يلعب الإعصار دورا محوريا في الحبكة، حيث يجلب معه التغيير والانقلاب في مصائر الشخصيات.

وخلال زمن الرومانتيكية الإنجليزية أصبحت تعبيرا عن الروح البشرية وعلاقتها بالطبيعة. الشاعر شيلي في قصيدته الشهيرة "إلى الريح الغربية" يعبر عن الرياح الغربية كرمز للحرية والقوة الثورية. الرياح هنا ليست مجرد ظاهرة طبيعية، بل كيان حيوي يجسد الطموحات الإنسانية والإرادة للتغيير: أيتها الريح الغربية المتوحشة، يا زفرات كيان الخريف / أنتِ التي أمام حضرتك الخفية تندفع أوراق الشجر الميتة / كما تفرُّ الأشباح هربا من ساحر /صفراء وسوداء وشاحبة، وحمراء محمومة.

في السياق ذاته، نرى تشارلز ديكنز في روايته "ترنيمة عيد الميلاد" يستخدم الرياح الباردة والمزعجة لخلق جو من الكآبة والرهبة، مما يعكس الحالة النفسية لبطل القصة سكروج، لتجسد كآبة العصر الفيكتوري وتمثل العزلة والبرودة العاطفية التي يعيشها سكروج قبل تحوله.

في رواية "جسر إلى تيرابيثيا" للكاتبة كاثرين باترسون والتي تحولت إلى فيلم سينمائي عام 2007 تعبر الرياح عن التغيير والنمو الشخصي الذي يمر به الأطفال. تماما كما أن الرياح في أدب الفنتازيا لاسيما المقدمة للأطفال مثل أعمال جون رونالد تولكين، قد تستخدم لخلق أجواء معينة أو لإضافة عنصر من الغموض والسحر.

كما استخدمت الرياح لتجسد مشاعر العزلة والغموض والتأمل كما في قصيدة الشاعر تيد هيوز زوج الشاعرة سيلفيا بلاث "ريح" يتناول الرياح كقوة طبيعية تسيطر على البيئة وتؤثر على الحالة النفسية للشاعر: طيلة الليلة كان المنزل يهجع بعيدا قرب البحر/ الغابات تتهشم في الظلمة / التلال هادرة / الرياح تفر مذعورة عبر الحقول/ والنافذة تتخبط في الريح رطبة سوداء مفتوحة.

في الهند، استحضرت الشاعرة كوثر منير الرياح وتصفها بأنها هي من غيّرت الأقدار" جذف أيها البحّار جذف /يا ملك المحيطات /أنت نجمي الهادي /وأنا الشاطئ /في كتاب الحياة/لو كنتَ لي وكنتُ لك /سيغدو العالم ملكا لي ولك /لكن/نزلتُ بقاربي إلى بحر مفتوح /لا نهاية له/ مع ذلك صنعت قدري تحت سماء واسعة /تغيرتْ الريح.. تبدلتْ السماء /لكن عشرتنا لم تتبدل أبدا/جذف أيها البحّار جذف /يا ملك المحيطات.

تبقى الرياح توجّه أشرعتنا صوبها دوما فهي غنية الذكر في الموروث الثقافي والشعبي ولها دلالاتها وإيحاءاتها المتعددة، وذلك نظرا لطبيعتها المتناقضة في الإيقاد والإطفاء، والإرسال والإيصال.. ولفهم تغيرات الطقس والبحر.. كذلك يبقى الهواء هو مرسالنا في إيصال منتجنا.. كما قال الشاعر أنسي الحاج: ليكتب كلٌّ على هواه، ولينقل الهواء ما يحلو له نقله.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى