بين صوت الألم وصدى الجمال
الأغاني التي لا نملها وتبقى جزءاً لا ينفصل من ذاكراتنا، نسمعها مراراً وكأننا ننصت لها للمرة الأولى، لنكتشف الجديد فيها ونغرق معها في عالم مغاير للواقع، مثل أي نهر جارٍ يحمل ذاكرة الغابات البعيدة، تلك هي الأغنية الكاملة كالقصيدة الكاملة، بناء متماسك لا يتعرض للتآكل، ولا قطع تبديل لها. شريط الجينات الوجداني للإنسان، نؤمن طوراً أننا سئمنا منها نتيجة فواصل الحياة، ولكن حين نَصدفُ صداها في أحد الأزقة أو من إحدى الشرفات، تعود بنا إلى تلك اللحظة الأولى، يوم أوقدت الأغنية شمعة في حياتنا.
الأغاني الكاملة التي تبقى في الوجدان ولا تنصهر مع عوامل وترسبات الزمن والذاكرة، تمخّضتْ عن تجربة أليمة عاشها شاعرها وملحنها ومطربها، وخرجت كدفقة شعورية أولى مثل المواعيد التي تمر بأقدامها على حدائقنا حافية كعفوية المطر، تبدأ من الحطّاب الذي عرف أي شجرة يختار، فتفنن بتقطيعها، مروراً بالنجار الذي هندسها وعرف أي مادة حيّة بين يديه فترفّق بأوصالها، وانتهاء بالمنجدّ الذي تفنن بصنع الكرسي فأكساه غطاء خلاباً وجمع كل الأطراف في جسد واحد، ليحمل الكرسي آلام الحطاب ومسامير النجار و ووخزة إبرة المنجّد، لتتوج رغم الألم، وتصبح عرشاً ينبض بأفئدة تلك الأيدي الماهرة، حرفيي القلب.
تمثل أغنية الليلة يا سمرا إحدى أنجح تلك التجارب وأعمقها، إذ بدأت قصة الأغنية من داخل سجن «الواحات» عام 1962 في مصر، ومن بينهم كان الشاعر فؤاد حدّاد، والملحن أحمد منيب والفنان المطرب محمد حمّام والأديب زكي مراد. وكردّة فعل لا يخوض غمارها إلا المبدعون، اجتمعت إرادة الفن لتعيش إرادة الحياة، فاحتفلوا بعيد ميلاد الأديب زكي مراد الخامس والثلاثين، حيث قام الشاعر فؤاد حدّاد بكتابة قصيدة «الليلة يا سمرا»، ولحنها الملحن أحمد منيب ورسم رسوماتها التعبيرية وغناها صاحب الصوت الشجي الفنان محمد حمّام، لتكون أغلى هدية تُهدى لمناضل، وسرب حمام أبيض لا توقفه إشارات الليالي السوداء، غنّت السمراء بلونها الداكن تحت ليل حالك، ضاعت الظلال والقيود ووصل صداها جلياً إلى الملايين، فكانت حرية نسج لوحتها ثلاثة عشاق للوطن.
ومن بلد الكنانة إلى بلاد الرافدين، من نزيف الوطن إلى نزيف القلب نصدف تجربة تماثلها، الأغنية الكاملة، إذ تمثل أغنية يا حريمة إحدى روائع الأغاني العراقية والعربية، تبدأ قصتها مع الشاعر ناظم السماوي الذي كان في السبعينات من القرن الماضي سجيناً سياسياً في سجن نقرة السلمان بالسماوة، وكان معجباً بفتاة في العشرين تواظب على زيارته، ليتخلل العشق فؤاده وهو قابع وراء القضبان.
وبعد فتره من الزمن انقطعت الفتاة عن زيارته، وعند سؤاله عنها قيل له إنها قد تزوجت.
وعلى إثرها كتب ناظم رائعته يا حريمة، ثم أعطاها للملحن الراحل محمد جواد أموري وبقيت عنده قرابة العام ونيف دون أن يمسها، وبعد رحيل زوجته وهي في ريعان شبابها وجد في كلماتها العزاء فلحّنها.
ثم أسند الأموري الأغنية إلى المطرب حسين نعمة والذي كان يمر هو الآخر بأزمة عاطفية مع زوجته السابقة، ليكمل الثلاثة طرح الأغنية التي تَجمّعت من نزيف ثلاثة روافد، وتُشكّل بحراً متلاطما ً من الآهات.
وهناك إلى الأندلس والقصيدة المشهورة "الظل الأسود" التي كتبتها الشاعرة الإسبانية روزاليا دي كاسترو (1837-1885) بلغتها الجاليكية حين فقدت ابنها، وتعتبر من روائع الرثائيات في العالم لاسيما في مطلعها وهي تقول " عندما أفكر برحيلكَ تتراءى لي كخيال أسود يظللني / وفي طرف الوسادة وظلها تعود رؤياك وكأنك تهزأ بي / ولكن حين أدرك أنك رحلتَ لا محالة/ تتجلى لي حتى في الشمس / أنتَ النجمة التي تضيئ وأنت الريح التي تهب /إن غنوّا كأنك أنت الذي يغني / وإن بكوا كأنك من يبكي / أنت هدير النهر / أنت الفجر وكل الليل / في كل شيء تتراءى لي/ أنت كل شيء وفي داخلي تعيش / يا شبحاً حيّا لا يفارقني ظلّه"، وبعد مئة عام يفقد المغني الإيطالي آل بانو ابنته يالينا عام 1994 ويشدو الأغنية بصوت الأب المفجوع عن اختفاء ابنته.
وفي الولايات المتحدة كتب المغني والملحن جيمي رادكليف (1936- 1973) أغنيته "وماذا أملك الآن"، بعد رحيل حبيبته عنه إذ كان يعاني من مشاكل في الوزن ومن مشاكل صحية جمة تقول كلمات الأغنية: ما الذي بقي لي الآن /بدون حبك /فقط كوة من الذكريات القديمة /أيام وحدة شقية /قلب شاكٍ باستمرار /هذا كل ما أملكه /منذ رحيلك/ وحيداً في غرفة باردة /محاطا بأربعة جدران زرق/تغنيها روحي الحائمة /روحي المحكومة بالفشل لأنني كل هذا /كوكب فارغ /يد مرتجفة وقلب غائم لا يعرف الفرح/مثل شخص أحمق لم يناسب رحلته الأخيرة /هذا كل ما لدي /دون حبكِ.
في الهند، عبرت الشاعرة كوثر منير عن لقطة سينمائية ستبقى خالدة في قاموس السينما الهندية في مسلسلها السينمائي اليوبيل عبر تصوير الحالة الوجدانية لبطل المسلسل وهو في حالة انحدار بعد أن كان نجما لامعا تقول الأغنية:
جذف أيها البحّار جذف /يا ملك المحيطات /أنت نجمي الهادي /وأنا الشاطئ /في كتاب الحياة/لو كنتَ لي وكنتُ لك /سيغدو العالم ملكا لي ولك /لكن/نزلتُ بقاربي إلى بحر مفتوح /لا نهاية له/ مع ذلك صنعت قدري تحت سماء واسعة /تغيرتْ الريح.. تبدلتْ السماء /لكن عشرتنا لم تتبدل أبداً/جذف أيها البحّار جذف /يا ملك المحيطات.
وإلى تركيا، حين كتب الشاعر التركي أورهان ولي قصيدته مغامرة في منتصف عام 1950 وكان آنذاك عاطلا عن العمل يعاني العوز، ليقوم بعد خمسة وثلاثين عاما المطرب الكردي التركي أحمد كايا بتلحينها وغنائها وهو يعاني نفس الوضع المادي للشاعر تقول القصيدة: "صغيراً كنتُ، صغيراً جداً/رميتُ صنارتي إلى البحر/اجتمعتِ الأسماك حولها معاً/ رأيتُ البحر!../ صنعتُ طائرة ورقية بسلك معدني/ ذيّلتُها بألوان قوس قزح/ أطلقتُها إلى السماء. / رأيتُ السماء!. /كبرتُ/ عاطلاً عن العمل، جائعاً كنتُ/ كان علي كسب المال/دخلتُ بين الناس/ رأيتُ الناس!../لا أستطيع التخلي/لا عن حبيبتي ولا رأسي/لا الخير ولا الشر/من البحر والسماء ولكن.../آخر شيء رأيته لا يتركني، /أقول هذا ما رآه الشاعر المسكين وسيراه....
وختاماً إلى فرنسا عندما كتب الشاعر والفنان الفرنسي سيرج غينسبور في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي قصيدة قاطع التذاكر ثم لحنها وغناها كان سيرج يعمل كقاطع تذاكر ويبدو ذلك جليا في وصف التفاصيل الصغيرة أبرزها "ليلاس" هي محطة في مترو باريس تصل الخطين الأول والحادي عشر في الدائرة التاسعة من العاصمة الفرنسية. وتقدم أغنية غينسبور صورة ساخرة لحياة قاطع التذاكر وأوهامه وتطلعاته ومخاوفه، وهو يجلس طوال اليوم في مكتبه الصغير، ويثقب ثقوبًا صغيرة في التذاكر، القصيدة هي انعكاس مرير على ضياع الهوية والملل وسرعة الحياة الحضرية الحديثة، وخاصة في مجال النقل كمحطة المترو وفي المناصب المهنية حيث كان التكرار هو القاعدة،
"أنا قاطع التذاكر في "ليلاس"/ والذي تمر به ولكنك لا تراه أبداً/ لا شمس تحت هذه الأرض /ولا ضوء هنا /يبدو أن الشمس في إجازة /هي رحلة غريبة../لأراوغ مللي/ أحمل في ردائي قصاصات من مجلة "ريدرز دايجست"/وما مدوّن فيها من حروف/من الممكن للشباب في "ميامي" أن يقضون حياة حلوة/يقولون ميامي مسلّية كالكرة../بينما أنا أدورُ هنا وهناك في هذه الحفرة/ كمثل الأحمق/ يبدو أنه لا توجد أدوار لا قيمة لها /لكن وظيفتي أن أخرم التذاكر /وأصنع دوائر صغيرة../ثقوبا للدرجة الأولى /ثقوبا للدرجة الثانية /مزيدا من الثقوب /أصغر.. ثقوبا صغيرة/أكثر.. دائما ثقوب/ ثقوب صغيرة/دوائر/أنا مُثقّب التذاكر في "ليلاس"/كشخص أصم في أوبرا/من محطة "Invalides" إلى محطة أوبرا / أحيا في قلب هذا الكون الدائري/ وهناك سيرك من قصاصات الورق في رأسي يدور/تتبعني من العمل إلى السرير /عندها أحدّق في سمائي الخزفية /لا نجوم فيها /فقط أضواء مصابيح القطارات المتقاطعة/مرة أحلم.. وأحيانا أخرّف وعقلي يدور في الماء /أرى دوائر الأمواج/ وفي خضم الضباب عند الميناء ترنو لي سفينة/ تأتي للبحث عني/لأجل إخراجي من هذه الحفرة/ التي أحفر فيها ثقوبا مدورة صغيرة/ثقوبا.. ثقوبا.. ثقوبا/صغيرة.. أصغر.. ثقوبا دائما/ثقوب /لكن القارب يغيّر وجهته ويعود إلى البحر/عندها يدور عقلي مرة أخرى ويعود إلى مساره/لأبقى في هذه الحفرة/ أحفر ثقوبا ثقوبا.. ثقوبا.. صغيرة.. أصغر.. مزيدا من الثقوب /أنا قاطع التذاكر في "ليلاس"/ من محطة " Arts et Metiers " المتجهة فورا إلى لافالوا /متعبٌ واكتفيت /لقد اُستهلكتُ/وأنا أكدح في هذا الكهف/بودي أن أكسر هذا القفص وأطير /لأترك بدلة هذا القرد ورائي /وسيأتي /سيأتي ذلك اليوم عندما تحتضني الطبيعة /مهما كان الثمن الذي سأدفعه /سأعبر إلى ذلك الطريق السريع العظيم /وإذا نفذ الوقت /سأرحل فقط من هنا /سأرحل ولو مستلقيا من هذه الحفرة /التي أصنع فيها الثقوب /ثقوبا صغيرة /لا يزال هناك الكثير من الثقوب /ثقوب صغيرة دائما /ثقوب /هذا العمل، أدار رأسي نحو هذا المنعطف/حتى دفعني لأضع مسدساً في رأسي /لعمل ثقب فيه /ثقب صغير /ثقب أخير /بعدها، سأرقد في حفرة كبيرة /ويتوقف الحفر /حيث لا ثقوب أخرى /ولا أذن تصغي ولا عين ترى /تلك الثقوب الصغيرة /الثقوب الصغيرة /ثقوب
وبين نزيف الوطن ونزيف القلب تحيا الأغاني، تُكتبُ وتبقى لعلها تحرث في عيون القادمين بعض الأماني

