الاثنين ٢ آذار (مارس) ٢٠٢٦
بقلم نوزاد جعدان جعدان

الخرافة الشعبية موروث ثري وكنز متنوع يستحق التأمل

تعد قصص الخرافات الشعبية رفيقة لذاكرتنا لاسيما في مرحلة الطفولة، كثيرا ما كنا نرويها قرب المدفأة في ليالي الشتاء آناء الليل أو حول النار أثناء التخييم وبالتالي كانت تضفي جوا من الحميمية بعيدا عن البيئة العائلية والمدرسية المقيدة والمحافظة، كما ساهمت هذه القصص في الحفاظ على التراث الشعبي وتوثيق الحياة الاجتماعية في الماضي، خاصة في ظل قلة وسائل الإعلام المكتوبة آنذاك وفي ظل عدم ارتفاع نسبة القراءة كانت الروحانيات من أهم مكونات المعيشة والبدء بحلقات النقاش في المجالس. كما تعتبر جزءا هاما من الأدب الشعبي والمعتقدات وطريقة لصيانة التقاليد من العادات الغريبة.

وهذه القصص غالبا ما كانت تروى في مجالس السمر، سواء في البادية أو المدن، لتُمثل بيئة خصبة لذلك، ولتصبح جزءًا من الذاكرة الجمعية للمجتمع. فقد كانت تزرع الخوف من الأخطار وتحذر من السلوكيات المرفوضة، كالتجوال ليلًا أو الاقتراب من الأماكن المهجورة، أو التعامل مع الغرباء. مثلا في شخصية أم الدويس والتي هي امرأة جميلة من الجن، يشاع أنها ذات جمال أخاذ ورائحة زكية وجميلة تلاحق الرجال في الليل وتجعلهم يفتتنون بجمالها، وما إن يفتتوا بها ويلاحقوها حتى تقتلهم وتأكلهم. ويشاع أنها تخاف النساء وتظهر فقط للرجال، وهي من القصص التي ظهرت لدى الأجداد في دول الخليج بشكل عام ودولة الإمارات بشكل خاص.

وحسب أهالي قرية المدام الواقعة في المنطقة الوسطى بإمارة الشارقة يشيرون أن أم الدويس روح أنثوية تتميز بعيني قطة، ويدها منجل، و يُقال أنها تتمتع بجمال خلاب، رائحة عطرة وجميلة، تقوم بمطاردة الرجال في الليل وتفتنهم بجمالها، وحينما ينبهرون بها ويطاردونها تقوم بقتلهم وأكلهم، ويقول منتقدو الخرافة أن هذه القصة اختلقت لإخافة الرجال من الافتتان بالنساء الغريبات أو لإخافتهم لإبعادهم عن عصيان الله والوقوع في الزنا.

وتختزن الذاكرة الشعبية الكثير من الإشارات الدالّة على هوية المكان وعلى الموروث الشعبي الثري والمتنوع بالإمارات. فمثلا يروي أهل البحر أن بابا درياه كائن من الجن، كان يتسلل إلى مراكبهم في الفترة ما بين صلاة العشاء وأذان الفجر ويختطف أحد البحارة ليأكله أو ليقتله، وكان يعبث في السفينة ليتلفها فتغرق، لذا فإنهم يجعلون في كل سفينة "نوبة للحراسة" بها اثنان أو أكثر، فإذا سمع الحراس صوت بابا درياه تصايحوا (هاتوا المشارة والجدوم) المنشار والفأس فإذا سمعهم هرب. وقيل أيضاً إنه كان يظهر على شكل إنسان مخيف الخلقة، ويسمعون صياحه في البحر وكأنه غريق فإذا أنقذوه ســـرق طعامهم وربما أتلف شيئا من السفينة. ولذلك يأخذون الحيطة والحذر منه، ويقومون بقراءة سور من القرآن الكريم والأدعية التي تبقيه بعيداً عن سفنهم.

وفي اعتقادي أن قصة بابا دريا وجدت لحض البحارة على الصلاة إضافة لحماية الأطفال من ارتياد البحر أو الاقتراب منه لاسيما أن المنازل المأهولة في حي الشويهين بالشارقة كانت تقابل البحر، لذا تم ابتداع قصة بابا دريا وهو مصطلح هندي أعتقد بمعنى أبو النهر أو البحر وتندرج ضمن قصص الجدات بصحبة أولاد الأسرة.

وكذلك لمنع الأطفال الخروج وقت الظهيرة تم ابتداع قصة حمارة القايلة معناها حمار وقت الظهيرة، وهي أسطورة شعبية تقال لمن يكثر السير والتجوال في وقت الظهيرة، ومن لا ينام في قيلولة الصيف خاصة الأطفال. والأسطورة شبيهة جدا بالغول والغولة الذين يملكون رأس إنسان وأرجل حمار وجسم آدمي ويقال إنه وحش مخيف يأكل الأولاد الصغار الذين يخرجون في وقت الظهيرة، وقد تناقلت الجدات قصصها وحذّروا أطفالهم من الخروج وقت الظهيرة لشدة حرارة الصيف.
ولا تقتصر الذاكرة الشعبية على الهوية العامة فقط بل تتعداها لتشمل الأماكن أيضا على سبيل المثال حي المريجة في إمارة الشارقة، ابتدع منه جني المريجة، السكيك، خاصة أن كل سكة فيها لها حكاية يرويها الناس حتى اليوم، ومنهم من شاهد خرافات خطاف رفاي الذي كان يخرج في سكيك المريجة، وأبو الصناقل الذي كان يخرج ويسجن في خرابة بجانب المسجد، فكانت منبعاً لكثير من الحكايات، والأحاديث التي كانت تدور في المجالس، خاصة الخرافات لدرجة أن المصائب والحوادث التي كانت تقع في الماضي، دائماً ما كانت تعزى إلى تلك الخرافات بسبب الحديث فيها بين الناس، وكان الناس يصفونها بأنها تتجسد على هيئة إنسان، وقالوا إن حجمها صغير وتشبه الطفل، ودائماً تظهر عارية، ولها شعر كثيف جداً، ودائماً عيناها طوليتان وليستا عرضيتين، وساد اعتقاد بوجودها بصورة دائمة في كل مكان بالمريحة ولا تؤذي أهلها، لكنها تتعمد إسقاط أذاها على الناس من خارجها، ولا تسمح بدخول الغرباء .

وعلى صعيد آخر، هناك الكثير من الخرافات التي تأخذ صبغة عالمية مثل التشاؤم من رقم (۱۳)، وقد رأينا الكثير من أفلام هوليوود على هذا الغرار على سبيل المثال فيلم الجمعة 13 و أيضا الغرفة 13 وإلى ذلك، وهو رقم قد ارتبط بصلب المسيح، فقد كان عدد تلاميذ المسيح الذين اجتمع بهم قبل صلبه ( ۱۲ ) تلميذا، وان العدد الكامل حينما يضاف المسيح اليهم هو ( ۱۳ )، وهكذا ربط الناس بين هذا الرقم وبين الكوارث باستمرار، ووصل الحد ببعض الفنادق في الدول الغربية ان اغفلت هذا الرقم، فالحجرة رقم ( ۱۲ ) تليها الحجرة رقم ( ١٤ ) مباشرة، بعداً عما يجره رقم ( ۱۳ ) من تشاؤم قد يدفع الى عدم النزول في الغرفة المرقمة بهذا الرقم المنحوس.

وشبيه بذلك الخرافة العالمية الشائعة التي تحدث عنها الكاتب الإسكتلندي السير جيمس فريزر في كتابه (الغصن الذهبي) والتي تقوم على مبدأ (الشبيه ينتج الشبيه) وتتمثل في المحاولات التي يقوم بها بعض الناس لإلحاق الأذى بالآخرين عن طريق ايذاء أو تدمير صورهم، اعتقادا بأن ما يلحق بالصور يلحق بصاحبها. وقد استمرت هذه الخرافة آلاف السنين الكثير من دول العالم.

وما تزال بقايا من الخرافات الشعبية عالقة بالمجتمعات الانسانية حتى الآن بين الكبار أيضا وهي في أصولها الأولى ربما محاولة للاطمئنان والراحة النفسية بحيث يستريح الانسان إليها حينما يعجز عن حل مشكلة معينة. وليس من شك في أن الخرافات تتعدد وتختلف كلما مرت الجماعة من الناس بفترات تتعقد فيها المشاكل وتصبح الحياة أكثر صعوبة بحيث ينتشر الاحساس بالقلق وعدم الاطمئنان. فتلجأ هذه الجماعة الى التعليل الذي يتفق وعقليتها، والذي يدفع الاطمئنان إلى نفسها.

وأخيرا عزيزي القارئ وأنت تقرأ هذه المادة هل التفتَ إلى يمينك أو إلى خلفك.. ربما.. لكن يمكن القول إن الخرافات الشعبية، على الرغم من طابعها الخيالي، لعبت دورًا محوريًا في توفير منصة للتواصل بين الأجيال. فكل خرافة هي انعكاس لمخاوف وآمال الناس في الماضي، وهي وسيلة لفهم تجاربهم وطريقة تعاملهم مع ما لم يكن لهم قدرة على تفسيره علميا. ومع مرور الزمن، قد تتحول هذه القصص من وسيلة للترهيب إلى كنز ثقافي يستحق التأمل والتقدير. لكن ألا ترى معي أن الإنتاج العربي مقصر جدا من ناحية الإنتاج السينمائي في تحوير هذه القصص إلى دراما تقدم على الشاشة تماما كما فعلت هوليوود مع قصص أدغار آلان بو أو ستيفن كينغ أو على أقل تقدير أو كما فعلت السينما اليابانية مع أسطورة هاناكو..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى