شجرة الذاكرة
لم يكن المطر يهطل بقدر ما كان يهمس.
همسٌ خفيف أيقظ في صدرها شيئًا لم تسمّه من قبل، كأن الصباح لم يأتِ ليبدأ يومًا، بل ليوقظ أثرًا نائمًا في المكان. فتحت عينيها ببطء، ولم تكن متأكدة إن كانت تستيقظ… أم تُستدعى.
القرية بدت ساكنة أكثر من اللازم، كأنها تحبس أنفاسها. البيوت المتلاصقة تشبه صدورًا متعبة تحفظ أسرارًا لا تُقال، والساحة الخالية بدت كذاكرة تُركت عمدًا دون شاهد. كانت تعرف الوجوه، لكنها لم تكن تعرف ما تختبئ خلفه.
خرجت تمشي، لا لتصل، بل لتبتعد عمّا تعرفه. الأرض كانت رطبة، تتنفس تحت قدميها، والهواء محمّل برائحة شيء قديم… شيء يشبه الحنين حين يتخفّى. مرّت بأمكنة حفظتها ذاكرتها دون وعي، ثم انفتحت الطريق فجأة على صمتٍ أعمق.
هناك، حيث لا أحد ينتظر، وقفت الشجرة.
لم تكن عالية بقدر ما كانت عميقة، متجذّرة في ما لا يُرى. جذعها ملتف كحكاية لم تُكمل جملتها، وأغصانها منحنية كأنها تحرس سرًا لا يُقال بصوتٍ عالٍ. شعرت أن الشجرة تعرفها، أو لعلها تتذكرها من زمنٍ لم تعشه بعد.
عند الجذور، كان هناك أثرٌ صغير، نصفه مطمور، كأن الأرض حاولت نسيانه ثم تراجعت. انحنت، أزاحت التراب، فتنفّس الخشب القديم. صندوقٌ لا يُفتح بيد، بل بنيّة. وحين فُتح، لم يخرج منه شيء… سوى الوقت.
دفتر، ورسالة بلا صوت.
كلمات مرتعشة، لا لأنها ضعيفة، بل لأنها نجت من النسيان بصعوبة. لم تحكِ عن أسماء، بل عن نوايا. عن أيدٍ وضعت أحلامها هنا ثم انسحبت بهدوء، عن رغبة في أن يجدها أحد، لا ليعرف، بل ليكمل.
جلست تحت الشجرة، ولم تشعر بثقل جسدها. الصفحات كانت تنبض. امرأة تترك دفئها بين السطور، رجل يصلح عطش المكان بصبر، طفل يكتب عن شجرة تكبر حين يُصدقها أحد. لم تكن حكايات… كانت أنفاسًا محفوظة.
شيء ما تحرّك داخلها. لم يكن حزنًا ولا فرحًا، بل اعترافًا خفيًا بأنها ليست وحدها. أن ما عبر هنا لم يذهب، بل انتظر.
حين عادت، لم تكن الطرق كما كانت. الجدران صارت ألين، والوجوه أقل غيابًا. حملت ما قرأت كمن يحمل نارًا صغيرة لا تؤذي، لكنها تُرى. طرقت الأبواب لا لتخبر، بل لتترك أثرًا. وكل باب فُتح، فتح معه ذكرى.
تحت الشجرة، اجتمع الضوء على هيئة بشر. لم يتكلموا كثيرًا، فالأشياء كانت تفهم نفسها. العيون قالت ما عجزت عنه الكلمات، والصمت صار لغة مشتركة. هناك، وُلد شيء يشبه الوعد.
ومنذ تلك الليلة، لم تعد الشجرة شجرة.
صارت ذاكرةً تتنفس، وكل من اقترب منها، ترك جزءًا منه… ومضى أخفّ.
أما القرية، فلم تكبر،
لكنها اتّسعت بما يكفي
ليحتملها القلب.
