الأربعاء ٣١ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٢٥
بقلم صالح مهدي محمد

الحلم الأخير

(1)

في مدخلِ المفترق
يتعثّرُ الوقتُ بنفسه،
وتنتظرُ الأحلامُ من يلمسها.

(2)

ليس الحلم ما نراه حين نُغمِض أعيننا،
بل ما يفتحها في داخلنا،
ويجعل الواقع يرتبك قليلًا
كي يسمح للغائب أن يتكلّم.

(3)

كان المفترق في أطراف المدينة، حيث تتقاطع خمسة طرقٍ قديمة، لا تؤدّي إلى أماكن بقدر ما تعيد من يسلكها إلى نفسه.

أرضه متصدّعة كذاكرةٍ مهملة، وفي مركزه عمودٌ حجريّ مائل، كأنه بقايا ساعةٍ توقّفت عن عدّ الزمن.

هنا جمعهم المكان، لا مصادفةً ولا قصدًا، بل كما تجمع الأحلام شخوصها حين تقرّر أن تُروى.

جاءوا واحدًا بعد آخر، دون أن يعرف أحدهم لماذا توقّف هنا تحديدًا، لكن أقدامهم كانت تعرف.

جلس الأوّل عند نافذةٍ مهجورة في بنايةٍ نصف مهدّمة، الزجاج فيها لم يعد يعكس شيئًا سوى الفراغ. نظر إلى الآخرين وقال بصوتٍ كأنه يخرج من بئر:

— أرى وجهي في كل حلم، لكنه لا يشبهني… كأنني ضيفٌ في ملامحي.

سكت لحظة، ثم أضاف:

— أأنا من يحلم، أم أن الحلم هو من يتذكّرني؟

اقترب الثاني من عمود المفترق المتصدّع، وضع يده عليه كما لو كان يتأكّد من واقعيته، وقال موجّهًا حديثه إليهم:

— كلما صعدتُ درجة، شعرتُ أنني أهبط داخلي. الذاكرة تصعد بي، وأنا أتآكل تحتها.
توقّف قليلًا، ثم همس:

— أحيانًا أريد الرجوع، لا لأن الطريق خطأ… بل لأنني لم أعد أعرف من أكون في نهايته.

أما الفتاة الأولى، فجلست على حافة الرصيف، فتحت دفترها العتيق، وكانت صفحاته شبه شفّافة، كأنها كُتبت بأنفاس لا بحبر. قالت وهي تمرّر أصابعها على الورق:

— لا أكتب كي أتذكّر، بل كي لا يضيع الخوف داخلي.

رفعت رأسها نحوهم وأضافت:

— الدفاتر لا تتكلّم… لكنها تحفظ ما نعجز عن احتماله.

اقتربت الفتاة الثانية، ورسمت بإصبعها دوائر على تراب المفترق، كانت كل دائرة تهتزّ قليلًا، كأن الهواء يستجيب لها. قالت بهدوء:

— الأحلام لا تسكن فينا، نحن من نعبرها.

ثم نظرت إليهم واحدًا واحدًا:

— من يجرؤ على الوقوف هنا، يترك أثره، حتى لو لم يتحرّك.

أما الخامس، فوقف قرب نافذة صدئة تطلّ على شارعٍ منسي، يتسلّل منها الضوء كخيطٍ متعب. قال بصوتٍ بدا كأنه يأتي من مكانٍ أبعد منه:

— الحلم الأخير لا يخيفني… لأنه لا يُنهي شيئًا.

توقّف، ثم تابع:

— هو فقط يفتح بابًا لما لم نسمّه بعد.

ساد صمتٌ خفيف، لكنه لم يكن فراغًا؛ كان امتلاءً غير مرئي. بدأت أحلامهم تتشابك دون أن تتداخل، كأن لكلّ واحدٍ منهم نغمةً مختلفة، لكنها تنتمي إلى اللحن نفسه.

صارت الكلمات أقل، والإيماءات أصدق، والهواء نفسه بدا كأنه يحتفظ بما قيل.

في ذلك المفترق، حيث لا بداية ولا نهاية، صار المكان شاهدًا لا موقعًا، وصارت الخطوات اعترافات، والوقوف مشاركة خفيّة في حلمٍ واحدٍ متعدّد الوجوه.

وحين غادروا — أو حين ظنّوا أنهم غادروا — لم يخرج أحد كما دخل.

بقي الحلم الأخير معلّقًا فوق المفترق، لا يُرى، لكنه يُشعَر، ينتظر من يجرؤ أن ينظر إلى داخله دون خوف،
وأن يعترف بأن بعض الطرق لا تقود إلى مكان…

بل تكشف من نكون.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى