سبحةٌ من تراب الذاكرة
سبحةُ جدّي
ما تزالُ
تتدلّى من ذاكرة البيت
كقنديلٍ
تركته يد الضوء
في عتمة الأيام.
كل حبّةٍ فيها
كانت حكايةً:
قريةً تنام على كتف التلال،
أو طريقاً يقود إلى بئر عتيقة،
أو اسماً لشهيد
مرّ خفيفاً
وترك صوته في طين البلاد.
حين كان جدّي
يمرّرها بين أصابعه،
كانت الصحراء تجلس إلى جواره،
ويخرج البدوي من سيرة الكلام
ممتطياً صهيل الثأر،
يحمل تاريخ القبيلة
كجرحٍ مفتوح
لا ينام.
كان يقول:
الدم لا يشيخ،
والقهوة المرة تحفظ أسماء أصحابها،
والنار التي توقدها النساء
ليست للدفء وحده،
بل لتذكير الليل
بأن لنا حقاً
في هذا الضوء.
سبحةُ جدّي
كانت ميزان الحكاية،
كلما انفرطت حبّة،
نهض اسم من الغبار،
وكلما اكتمل الدعاء،
ابتدأت رواية أخرى.
والقدس..
تنوء بما حمّلها الراحلون،
بخطى الأنبياء،
بدموع الأمهات،
بصمت الذين عبروا
ولم يعودوا.
القدس
ثقيلة كقلب الأرض،
خفيفة كدعاء طفل،
بعيدة كنجمة،
قريبة كنبض اليد.
وأنا..
كلما أضعتني الطرق،
أفتّش في سبحة جدّي
عن حبّة تشبه النجاة،
عن دعاء
يعيد ترتيب هذا الخراب.
سبحةُ جدّي
ما تزال تعدّنا
واحداً.. واحداً،
كي لا يضيع اسمٌ منا
في زحام الغياب،
وكي تبقى الحكاية
معلّقة
بين الدعاء
والوطن.
