رقصة المهرج
أرقصُ كي لا يتسلّل الغضبُ إلى صدري، وكي لا يتحوّل وجعي إلى حجرٍ يثقل روحي. أرقصُ رقصةَ العفريتِ الماكر، لا لأنني سعيد، بل لأنني أعرف أن الضحكة قد تكون أحيانًا آخر ما ينجو من حطام القلب.
أرتدي قبعتي الحمراء الفاقعة، وحذائي الأبيض الكبير، وربطةَ عنقي الصفراء، وأرسم على وجهي ابتسامةً عريضة، ثم أمضي بين الأطفال، أتعثر عمدًا، وأبالغ في حركاتي، وأدعهم يضحكون من هيئتي، ومن ثيابي، ومن عينيَّ الجاحظتين، ومن كل ذلك الجنون الجميل الذي يزرع في قلوبهم فرحًا عابرًا... لكنه قد يبقى في ذاكرتهم عمرًا كاملًا.
أرقصُ لكم، أيها المرفوضون، والمنبوذون، والتائهون، والخاسرون، و الضائعون... أرقصُ لكل من أرهقته الحياة حتى ظنّ أن الفرح لم يُخلق له، ولكل من أغلق الألمُ في وجهه النوافذ، حتى نسي أن للشمس موعدًا يتكرر كل صباح.
أرقصُ لأنني أؤمن أن ضحكةً واحدة قد تفتح بابًا أوصدته الحياة، وأن ابتسامةً صادقة قد تعيد إلى القلب نبضَ الأمل، وأن لحظةً من الفرح قد تمنح إنسانًا القوة ليكمل الطريق، ولو بخطوةٍ واحدة.
أرقصُ لأرى أبواب الحظ مشرعةً أمامكم، ولأرى في عيونكم غدًا أكثر إشراقًا، لينبت في دروبكم بصيصُ نورٍ يكبر كل يوم، حتى يصير فجرًا يبدّد عتمة الليالي، و يقودكم إلى حياةٍ تليق بأحلامكم.
وما دمتُ قادرًا على الرقص، فسأظل أرقص؛ حتى أرى أحلامكم تمشي على الأرض بعد أن كانت معلّقة في السماء، وحتى تزهر أمنياتكم كما تزهر الأشجار بعد شتاءٍ طويل، ويغدو كل ما حولكم أخضر بالحياة.
وسأبقى أرقص ما دام في صدري شهيقٌ وزفير، لأنني أؤمن أن شمعةً صغيرة تستطيع أن تتحدّى ليلًا طويلًا، وأن ابتسامةً واحدة قد تهزم ألف دمعة.
فإذا رأيتموني أرقص، فلا تظنّوا أنني لا أعرف الحزن؛ بل اعلموا أنني أرقص لأنني أعرفه جيدًا... وأرفض أن أدعه ينتصر.
