السبت ٥ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم سليمان أحمد عبد الدايم

المنفى كخيال علمي

المنفى كخيال علمي: ماذا لو لم يعد الوطن موجودًا؟

في أفلام الخيال العلمي، لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى مغادرة الأرض كي يصبح منفيًا. أحيانًا يكفي أن يستيقظ في عالم لم يعد يشبه العالم الذي عرفه، أو أن يكتشف أن المكان الذي كان يسميه «وطنًا» لم يعد موجودًا إلا في الذاكرة.

لهذا تبدو علاقة الخيال العلمي بالمنفى أكثر عمقًا مما قد توحي به أفلام الفضاء والروبوتات والكواكب البعيدة. فالخيال العلمي، في جوهره، فن السؤال عمّا يحدث للإنسان عندما تتغير شروط وجوده. والمنفى هو أحد أكثر هذه الشروط قسوة: أن يتغير المكان، واللغة، والزمن، والهوية، بينما يبقى الإنسان مطالبًا بأن يكون هو نفسه.

في » أطفال الرجال (Children of Men) «لا نرى لاجئين بالمعنى التقليدي فحسب، بل نرى عالمًا فقد قدرته على تخيل المستقبل. البشر لم يعودوا قادرين على الإنجاب، والمجتمع يعيش انتظارًا لنهاية لا يعرف موعدها. وسط هذا الخراب، يصبح اللاجئون أكثر من مجرد جماعة مطاردة؛ إنهم صورة لإنسان فقد حقه في الانتماء إلى المستقبل.

وهنا تكمن المفارقة: في عالم الفيلم، لا يصبح الإنسان غريبًا لأنه جاء من مكان آخر فقط، بل لأن العالم نفسه لم يعد قادرًا على منحه مكانًا.

هذه الفكرة تجعل الفيلم قريبًا من تجربة المنفى أكثر مما تبدو عليه قصته السياسية المباشرة. فالمنفي لا يفقد المكان وحده، بل يفقد أحيانًا الإحساس بأن هناك مستقبلًا يمكن العودة إليه.

وفي «Arrival» يصبح الأمر أكثر تعقيدًا. فالغريب هنا ليس اللاجئ، بل الكائن القادم من خارج الكوكب. اللغة هي الحاجز الأول بين الطرفين، والخوف يبدأ من عدم القدرة على فهم الآخر. لكن الفيلم يقلب المعادلة التقليدية: بدل أن يكون الاختلاف سببًا للحرب، تصبح اللغة وسيلة لاكتشاف واقع آخر.

اللغة في «Arrival» ليست مجرد أداة للحوار؛ إنها طريقة لرؤية العالم.

وهذه النقطة شديدة الأهمية في تجربة المنفى. فالإنسان عندما ينتقل إلى بلد جديد لا يغيّر عنوانه فقط؛ أحيانًا يضطر إلى إعادة بناء علاقته بالكلمات نفسها. اسم الشارع، نبرة التحية، معنى الصمت، وحتى طريقة النظر إلى الآخرين، كلها تصبح علامات تحتاج إلى ترجمة.

ومن هنا يمكن النظر إلى المنفى باعتباره نوعًا من الخيال العلمي الداخلي: يعيش الإنسان في العالم نفسه، لكنه يشعر كأنه وصل إلى كوكب آخر.

أما «Blade Runner 2049» فيذهب أبعد من ذلك، إذ يجعل سؤال الهوية نفسه سؤالًا عن الوطن. من هو الإنسان إذا كانت ذاكرته قابلة للزرع؟ وما الذي يجعل حياة ما «أصلية» وحياة أخرى «مصطنعة»؟

الشخصية الرئيسية في الفيلم تتحرك داخل مدينة مستقبلية باردة، ضخمة، ومضيئة بالنيون، لكنها في الوقت نفسه مدينة بلا دفء. العمارة هنا ليست خلفية للأحداث؛ إنها جزء من الحالة النفسية. الأبراج الهائلة والشوارع الممطرة والمساحات الخالية تجعل الإنسان يبدو أصغر من أن يمتلك مكانًا.

وهذا ما تفعله السينما أحيانًا بصورة لا تستطيع المقالات السياسية فعله: تحوّل الشعور بالغربة إلى مساحة يمكن رؤيتها.
في لوحات إدوارد هوبر، مثلًا، تبدو الشخصيات محاصرة داخل الأماكن رغم وجودها فيها. وفي أفلام الخيال العلمي الحديثة، تتطور هذه الفكرة: لم يعد الإنسان منعزلًا داخل غرفة أو مقهى، بل داخل مدينة كاملة.

الصورة نفسها تصبح منفى.

وهنا يمكن مقارنة «Blade Runner 2049» بـ«Children of Men» .في الأول، يبدو المستقبل موجودًا لكنه غير إنساني؛ وفي الثاني، يبدو المستقبل نفسه مهددًا بالاختفاء. كلاهما يقدم عالمًا لا يستطيع الإنسان أن يجد فيه علاقة مستقرة بالمكان. لكن الفرق أن «Blade Runner» يسأل: هل أنا إنسان؟ بينما يسأل «Children of Men»: هل ما زال هناك مستقبل يمكن أن أنتمي إليه؟

وهذان السؤالان يلتقيان في تجربة المنفى.

فالمنفي قد يقضي سنوات طويلة في مدينة جديدة، يتعلم لغتها، يعمل فيها، يعرف شوارعها، وربما يحبها. ومع ذلك يظل هناك جزء من حياته عالقًا في مكان آخر؛ مكان قد يكون قد تغير، أو دُمر، أو لم يعد موجودًا أصلًا.

وهنا تصبح الجملة الأكثر رعبًا ليست: «ممنوع عليك العودة»، وإنما »حتى لو عدت، فلن تجد المكان الذي تتذكره. «ربما لهذا يبدو الخيال العلمي مناسبًا جدًا للحديث عن المنفى. كلاهما يعرف أن الإنسان لا يخاف دائمًا من المجهول لأنه بعيد؛ أحيانًا يخاف منه لأنه كان مألوفًا ذات يوم.

في النهاية، لا تسألنا سينما الخيال العلمي فقط: ماذا سيحدث للبشر في المستقبل؟

إنها تسأل سؤالًا أكثر إيلامًا:

ماذا لو أصبح الماضي هو الكوكب الذي لم يعد بإمكاننا الوصول إليه؟


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى