الأحد ١٦ آب (أغسطس) ٢٠٢٦
بقلم سليمان عبد الدايم

حين يصبح الانتماء هشًا الإنسان بين الوطن والعالم

لم يعد سؤال الانتماء، في عصرنا، سؤالًا بسيطًا يمكن الإجابة عنه باسم دولة، أو مدينة، أو قرية. لقد أصبح العالم أكثر انفتاحًا، وأكثر حركة، وأكثر قدرة على نقل الإنسان من مكان إلى آخر، حتى بدا وكأن الحدود الجغرافية فقدت شيئًا من صلابتها. ومع ذلك، فإن هذا الانفتاح لم يمنح الإنسان شعورًا أكبر بالاستقرار، بل دفع كثيرين إلى التساؤل: أين أنتمي حقًا؟

كان الوطن، في الماضي، أكثر من مجرد مكان على الخريطة. كان الوجوه التي يعرفها الإنسان، واللهجة التي يتحدث بها دون أن يشرح نفسه، والشارع الذي يحمل ذكرياته، ورائحة الخبز في الصباح، والأصوات التي اعتاد سماعها منذ طفولته.

أما اليوم، فقد أصبح ملايين البشر يعيشون بعيدًا عن أوطانهم، طلبًا للعلم، أو العمل، أو هربًا من الحروب، أو بحثًا عن فرصة لحياة أكثر استقرارًا. ولم تعد الهجرة حدثًا استثنائيًا، بل أصبحت جزءًا من التجربة الإنسانية المعاصرة.

ولعل المفارقة أن الإنسان يستطيع أن يعتاد المكان الجديد، لكنه لا يستطيع دائمًا أن ينقل إليه ذاكرته. فقد ينجح في تعلم لغة جديدة، ويؤسس عملًا ناجحًا، ويكوّن صداقات، لكنه يظل يحمل في داخله شيئًا لا تراه العين؛ شعورًا غامضًا بأن جزءًا منه لا يزال يعيش في مكان آخر، حتى وإن لم يعد قادرًا على العودة إليه.

ومن هنا، يصبح الانتماء أكثر تعقيدًا. فليس كل من غادر وطنه فقد انتماءه، وليس كل من بقي فيه يشعر بالانتماء الكامل. فقد يعيش الإنسان في المدينة التي وُلد فيها، لكنه يشعر بالغربة بين أهلها. وقد يعيش آلاف الكيلومترات بعيدًا عنها، لكنه يحملها في لغته، وعاداته، وذكرياته، وفي الطريقة التي ينظر بها إلى العالم.

وقد ساهمت التكنولوجيا في إعادة تشكيل هذا الشعور. فأصبح المهاجر يتحدث يوميًا مع أسرته، ويتابع أخبار مدينته لحظة بلحظة، ويشارك في مناسباتها وهو في قارة أخرى. وهكذا، لم يعد الغياب كاملًا كما كان في الماضي، لكنه لم يعد حضورًا كاملًا أيضًا. لقد نشأت حالة جديدة، يعيش فيها الإنسان بين عالمين؛ حاضر يصنع فيه حياته، وماضٍ يرفض أن يغادره.

لكن هشاشة الانتماء لا ترتبط بالهجرة وحدها. فحتى داخل الوطن نفسه، يشعر كثيرون بأن الروابط التي كانت تجمع الناس أصبحت أضعف. تغيرت أنماط الحياة، وتسارعت المدن، وانشغل كل إنسان بعالمه الخاص، حتى أصبح الجار لا يعرف جاره، وأصبحت العلاقات أكثر سرعة، لكنها أقل عمقًا. وكأن الإنسان، رغم ازدحام العالم بالبشر، يجد نفسه أكثر وحدة من أي وقت مضى.

ومن أخطر ما يواجهه الإنسان حين يضعف شعوره بالانتماء، أنه يبدأ في البحث عن بدائل تمنحه الإحساس بالأمان. فقد ينتمي إلى جماعة، أو فكرة، أو فريق، أو حتى إلى فضاء رقمي يشعر فيه بأنه مفهوم ومقبول. والانتماء في ذاته حاجة إنسانية مشروعة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول إلى تعصب، أو عندما يصبح قائمًا على رفض الآخرين بدلًا من التواصل معهم.

وربما لهذا السبب، فإن الوطن لا يُبنى بالحدود وحدها، بل بالعدالة، والكرامة، والشعور بأن الإنسان له مكان محفوظ في مجتمعه. فالانتماء لا يُفرض بالقوانين، بل ينمو عندما يشعر الفرد أن صوته مسموع، وأن مستقبله ممكن، وأن اختلافه لا يجعله أقل قيمة من غيره.

ولعل أجمل ما في الانتماء أنه لا يمنع الإنسان من الانفتاح على العالم. فمن يعرف جذوره جيدًا، لا يخاف من التعرف إلى ثقافات أخرى، لأن هويته ليست هشّة. أما من يشعر بأن انتماءه مهدد باستمرار، فإنه قد يرى في كل اختلاف خطرًا، وفي كل جديد تهديدًا لما يؤمن به.

إن العالم اليوم يحتاج إلى إنسان يستطيع أن يحب وطنه دون أن يكره أوطان الآخرين، وأن يعتز بثقافته دون أن يحتقر الثقافات المختلفة، وأن يدرك أن الانتماء الحقيقي لا يُقاس بالشعارات، بل بما يقدمه الإنسان للمكان الذي يعيش فيه، أينما كان.

وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا: هل أصبح الإنسان أقل انتماءً لأن العالم اتسع، أم لأن الروابط التي كانت تمنحه الإحساس بالأمان أصبحت أكثر هشاشة؟ فربما لم تكن المشكلة في أن الإنسان غادر وطنه، بل في أن كثيرين أصبحوا يبحثون عن وطن... حتى وهم يعيشون داخله.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى