أفريقيا التي لا نراها
أفريقيا التي لا نراها من سنواتي في كينيا إلى الحكايات التي لا تختصرها الأخبار
حين أستعيد سنواتي في كينيا، التي عشت فيها أكثر من اثني عشر عامًا، لا أتذكر مكانًا واحدًا أو ثقافة واحدة، بل أتذكر وجوهًا ولهجات وعادات مختلفة، وتفاصيل من الحياة اليومية جعلتني أكتشف بالتدريج أن أفريقيا التي نعرفها من الأخبار ليست بالضرورة أفريقيا التي نعرفها حين نعيش بين أهلها. فالقارة التي تظهر كثيرًا في نشرات الأخبار بوصفها مسرحًا للحروب والأزمات، هي نفسها التي يستيقظ أهلها كل صباح للعمل والدراسة، ويحتفلون بمناسباتهم، ويحافظون على لغاتهم، ويحاولون أن يصنعوا لأنفسهم حياة تستحق أن تُروى.
في كينيا، لم يكن التنوع بالنسبة إليّ فكرة أقرأ عنها أو عبارة أستخدمها في وصف القارة، بل تجربة عشتها على امتداد سنوات. تعرّفت إلى عادات ولهجات وطرق مختلفة في النظر إلى الحياة، واكتشفت أن ما يبدو متشابهًا من بعيد يخفي تفاصيل كثيرة لا تظهر إلا بالاقتراب من الناس. ومع الوقت، أصبحت أقل ميلًا إلى الحديث عن أفريقيا باعتبارها كتلة واحدة، وأكثر اهتمامًا بما يميز مجتمعاتها من تجارب وثقافات وذاكرات مختلفة. لقد علّمتني الإقامة هناك أن معرفة مكان ما لا تبدأ من الصور المتداولة عنه، بل من القدرة على الإصغاء إلى أهله وملاحظة حياتهم كما يعيشونها.
ومن بين الأماكن التي احتلت مكانة خاصة في قلبي معسكر داداب للاجئين. لم يكن بالنسبة إليّ مجرد اسم يتكرر في التقارير الإنسانية، ولا موقعًا جغرافيًا على الحدود الكينية الصومالية؛ لقد ارتبط عندي بأناس وحكايات وتجارب جعلتني أرى اللجوء من زاوية أكثر قربًا. أحببت داداب، لا لأن الحياة فيه سهلة، ولا لأن المعاناة يمكن تجميلها بالكلمات، بل لأن المكان جعلني أقترب من حيوات أشخاص لا تكشف التقارير، مهما كانت دقيقة، كل ما مروا به وما يحملونه معهم من ذكريات وآمال ومخاوف.
ما زلت أتذكر العجوز الصومالي الذي قابلته في داداب. حكى لي عن الحرب في الصومال، وعن التشرد والجوع، وكانت كلماته تفتح أمامي بابًا إلى تجربة لا يمكن اختصارها في خبر أو تقرير. كنت أعرف أن الحرب دفعت أناسًا كثيرين إلى مغادرة بيوتهم، لكن الاستماع إلى شخص عاش آثارها جعل المسألة أقرب إليّ من مجرد معرفة عامة بما يحدث في بلد بعيد. هناك فرق بين أن نقرأ عن حرب اندلعت في مكان ما، وأن نلتقي إنسانًا يخبرنا عن أثرها في حياته؛ فرق بين أن تمر أمامنا كلمة «الجوع» في تقرير، وأن نسمعها ممن عرف قسوتها، وبين أن نعرف أن الناس نزحوا من بيوتهم، وأن ندرك أن النزوح قد يقتلع الإنسان من تفاصيل الحياة التي اعتادها ومن إحساسه بأن له مكانًا ينتمي إليه.
لم أتعامل مع ذلك الرجل باعتباره حكاية عن المعاناة فحسب. ما بقي معي من اللقاء هو إدراكي أن كلمة «لاجئ» لا تخبرنا إلا بالقليل عن صاحبها؛ فهي لا تحكي لنا عن حياته قبل النزوح، ولا عمّا فقده، ولا عن الأشياء التي يحاول الاحتفاظ بها رغم كل ما مرّ به. وراء هذه الكلمة إنسان له تاريخ وذاكرة، وحياة لم تبدأ عند وصوله إلى المخيم. وقد يختصر وصف واحد سنوات طويلة من التجربة، لكنه لا يستطيع أن يحيط بما عاشه الإنسان أو بما تبقى منه بعد كل تلك الخسارات.
لهذا ارتبط داداب في ذاكرتي بأكثر من صورة المخيم الذي يستضيف أشخاصًا اضطروا إلى الفرار من أوطانهم. أحببت المكان من خلال الناس الذين عرفتهم والحكايات التي سمعتها فيه، لا لأن ظروف اللجوء يمكن تجميلها أو لأن المعاناة تصنع صورة رومانسية عن أصحابها، بل لأن الاحتكاك بالحياة هناك جعلني أرى الإنسان خارج التصنيفات التي تُلصق به. لقد كان داداب مكانًا قاسيًا في ظروفه، لكنه لم يكن خاليًا من العلاقات والذكريات ومحاولات الاستمرار. فالحياة لا تتوقف تمامًا حين يفقد الإنسان بيته، وإن كان استمرارها في ظروف صعبة لا يعني أن تلك الظروف مقبولة أو أن الحاجة إلى الأمان والاستقرار قد انتهت.
ومع مرور السنوات، لم يعد بإمكاني أن أفصل ما عرفته في كينيا عن الطريقة التي أقرأ بها أخبار أفريقيا. لا أريد تجاهل الحروب والنزاعات والفقر، ولا أرى في الحديث عن التنوع الثقافي بديلًا عن مواجهة الأزمات. لكنني أرفض أن تتحول المعاناة إلى تعريف وحيد لشعوب كاملة، وأن يصبح الحديث عن القارة مرادفًا تلقائيًا للأزمات الإنسانية والسياسية. فالأخبار تخبرنا بما حدث، لكنها لا تمنحنا دائمًا فرصة لفهم كيف يعيش الناس بعده، وكيف يحاولون استعادة يوم عادي في عالم فقد كثيرًا من عاداته المألوفة.
لقد علمتني تجربتي أن الاقتراب من مجتمع مختلف يحتاج إلى شيء من التواضع؛ أن نصغي قبل أن نحكم، وأن ننتبه إلى ما لا نعرفه، وأن ندرك أن سنوات الإقامة نفسها لا تمنحنا حق الادعاء بأننا فهمنا كل شيء. لكنها تمنحنا فرصة لمراجعة الصور الجاهزة، ولرؤية ما قد يغيب عنا حين نكتفي بمشاهدة المجتمعات من بعيد. وربما كان هذا أحد أهم ما بقي معي من سنواتي في كينيا: أن المعرفة الحقيقية لا تتشكل من المعلومات وحدها، بل من اللقاءات التي تجعلنا نعيد النظر في أفكار ظننا أننا نفهمها جيدًا.
لا أكتب عن أفريقيا لأنني أريد تقديم صورة مثالية عنها، ولا لأنني أتجاهل ما تواجهه شعوبها من حروب ونزاعات وأزمات. أكتب عنها لأن سنواتي في كينيا جعلتني أعرف أن الصورة أوسع من الأخبار، وأن فهم المجتمعات يبدأ من الإصغاء إلى أهلها، لا من الاكتفاء بوصفهم من بعيد. وحين أتذكر كينيا وداداب، أتذكر تنوعًا ثقافيًا عشته، وأشخاصًا تركوا في نفسي أثرًا، ومن بينهم ذلك الرجل الصومالي الذي حكى لي عن الحرب والتشرد والجوع. لا أستطيع أن أختزل حكايته في مشهد واحد، كما لا أستطيع أن أختزل أفريقيا في أزمة واحدة.
ربما لا تحتاج أفريقيا إلى صورة مثالية، بقدر ما تحتاج إلى أن نراها كاملة: بتنوعها وتناقضاتها وأزماتها، وبحياة أهلها التي تستمر رغم كل شيء. أما داداب، فسيظل بالنسبة إليّ أكثر من اسم على خريطة اللجوء؛ سيظل مكانًا ارتبط في ذاكرتي بأشخاص وحكايات، ومكانًا تعلّمت فيه أن وراء كل تصنيف حكاية إنسانية تستحق أن تُسمع، وأن الإنسان، مهما ضاقت به الأرض، يظل أكبر من المحنة التي مر بها.
