الخميس ١٥ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦
بقلم سليمان عبد الدايم

الذين يعيشون في الصور ولا يعودون

هناك لحظة غريبة تحدث لنا حين نعثر، مصادفةً، على صورة قديمة. قد نكون نبحث عن شيء آخر، أو نفتش في درج لم نفتحْه منذ سنوات، أو نجلس بين أفراد العائلة بينما يتنقل ألبوم قديم من يد إلى أخرى. وفجأة، يتوقف كل شيء عند وجه نعرفه جيدًا، لكنه لم يعد موجودًا بيننا. نقترب من الصورة، نتأمل الملامح، ونحاول أن نستعيد من خلف الورق شيئًا يتجاوز ما تراه العين: صوتًا، وضحكة، وطريقة في الكلام، وربما لحظة عادية لم نكن نعرف، حين عشناها، أنها ستصبح يومًا ذكرى نبحث عنها بكل هذا الشوق.

للصور قدرة عجيبة على إيقاف الزمن، لكنها لا تملك القدرة على إعادته. تحتفظ بملامح الذين نحبهم كما كانت في لحظة بعينها، ولا تخبرنا بما حدث بعد التقاطها بدقائق، ولا بما قاله صاحبها حين انتهى التصوير، ولا بما كان يشغله في ذلك اليوم. قد نرى ابتسامة على وجه شخص رحل منذ سنوات، فننسى للحظة أنه غائب، ثم نعود إلى الحقيقة حين نمد أيدينا إلى الصورة فلا نجد وراءها يدًا أخرى. عندها نفهم الفارق بين أن نرى الإنسان وأن يكون حاضرًا؛ فالصورة تمنحنا الأول، لكنها تعجز عن منحنا الثاني.

ومع ذلك، نحتفظ بالصور. نضع بعضها في إطارات على الجدران، ونترك بعضها الآخر في ألبومات قديمة، ونحمل صورًا صغيرة داخل هواتفنا، كأننا نخشى أن تنقطع صلتنا بمن رحلوا إذا ابتعدت وجوههم عن أعيننا. وربما لا نفعل ذلك لأننا نعتقد أن الصور تعيدهم، بل لأننا نحتاج إلى شيء ملموس يطمئننا إلى أن ما عشناه معهم لم يكن حلمًا بعيدًا. نريد دليلًا صغيرًا على أن تلك الأيام حدثت فعلًا، وأن الأشخاص الذين نفتقدهم كانوا هنا ذات يوم، يجلسون معنا إلى المائدة، ويعبرون الغرف، وينادون أسماءنا، ويشاركوننا تفاصيل لم نكن نتصور أننا سنشتاق إليها يومًا.

فنحن لا نفتقد الأحبة في اللحظات الكبيرة وحدها. أحيانًا نفتقدهم في أكثر التفاصيل عادية: في مقعد ظل خاليًا، وفي طبق لم يعد أحد يفضله بالطريقة نفسها، وفي عبارة اعتدنا سماعها حتى لم نعد ننتبه إليها، ثم اكتشفنا بعد الغياب أن تكرارها كان جزءًا من طمأنينتنا. لا نعرف دائمًا ما الذي يجعل تفصيلة بعينها قادرة على إيقاظ الحزن، لكننا نعرف أن الذاكرة لا تعمل وفق ترتيب منطقي؛ فقد تمر سنوات دون أن نبكي، ثم تعيدنا رائحة مألوفة أو صورة باهتة إلى يوم كنا نظن أننا تجاوزناه.

وربما يكون أصعب ما في الفقد أننا لا نخسر الشخص وحده، بل نخسر أيضًا شكلًا من أشكال الحياة كان ممكنًا بوجوده. نشتاق إلى أنفسنا حين كنا نجلس بقربه، وإلى البيت كما كان قبل أن يتغير، وإلى شعور قديم بأن هناك من يعرفنا دون أن نشرح أنفسنا كثيرًا. بعض الأشخاص يمنحوننا، بمجرد وجودهم، إحساسًا بأن العالم أقل قسوة مما يبدو. وحين يغيبون، لا يصبح العالم مختلفًا بالضرورة، لكننا نراه من مكان آخر، ونتعلم أن الطمأنينة التي حسبناها أمرًا عاديًا كانت في بعض الأحيان هدية يقدمها لنا شخص بعينه.

هناك أشخاص لا تقتصر علاقتنا بهم على صلة القرابة أو عدد السنوات التي قضيناها إلى جوارهم. إنهم يشاركون في تكويننا، ويتركون فينا من طباعهم وأفكارهم وطرقهم في التعامل مع الحياة ما لا نستطيع فصله عن أنفسنا. يربوننا، أو يحمون طفولتنا، أو يمنحوننا شعورًا بأننا نستحق الحب حتى في الأيام التي لا نكون فيها على ما يرام. ثم نكبر، ونمضي في حياتنا، ونظن أننا أصبحنا أشخاصًا مختلفين، قبل أن نكتشف، في موقف عابر، أننا نكرر جملة قالوها، أو نتصرف بالطريقة التي اعتادوا التصرف بها، أو نخاف على شخص نحبه بالطريقة نفسها التي خافوا بها علينا.

ولعلني أفهم هذا المعنى أكثر حين أفكر في جدتي، رحمها الله؛ تلك المرأة العظيمة التي كان لها الدور الأكبر في تربيتي. لا أريد أن أختصر أثرها في كلمات عن الشوق، ولا أن أضع تجربتي معها في حكاية مغلقة لا تخص سواي. لكنني أعرف أن بعض الأشخاص يتركون فينا ما هو أبعد من الذكريات التي يمكن سردها؛ يتركون طريقة ننظر بها إلى العالم، وأشياء نعدّها بديهية لأننا نشأنا عليها، وقيمًا ربما لا نتذكر متى تعلمناها بالضبط، لكننا نكتشف أنها صارت جزءًا من تكويننا. وحين نعود إلى صورهم، لا نرى فقط ما كانوا عليه، بل نلمح أيضًا شيئًا مما أصبحنا عليه بفضلهم.

إن الذين يربوننا لا يغادروننا بالطريقة نفسها التي تغادر بها الأشياء. قد تختفي أصواتهم من البيت، وقد تصبح الأماكن التي جمعتنا بهم أقل ألفة، لكن أثرهم يواصل حياته فينا. يظهر أحيانًا في قرار نتخذه، أو في حنان نقدمه لشخص آخر، أو في صبر لم نكن نعرف أننا نملكه. وربما لا ندرك ذلك إلا بعد رحيلهم، حين نحتاج إلى نصيحة اعتدنا أن نجدها عندهم، أو نواجه موقفًا نتمنى لو كانوا معنا فيه، ثم نكتشف أننا نستطيع أن نستعيد شيئًا من حكمتهم لأنهم تركوه لنا قبل أن يرحلوا.
لهذا، لا أظن أن علاقتنا بصور الراحلين تقتصر على الرغبة في استعادة الماضي. نحن نبحث فيها عن صلة بين ما كان وما أصبحنا عليه، وعن دليل على أن المحبة لا تنتهي بالضرورة حين يتوقف حضور أصحابها. لكن الصور، مهما كانت عزيزة، لا تستطيع وحدها أن تحفظ الإنسان كاملًا. فهي تحتفظ بوجهه، بينما تبقى تفاصيله موزعة في ذاكرة الآخرين؛ في حكاياتهم، وفي الكلمات التي يتذكرونها، وفي اختلاف رواياتهم عن المواقف نفسها. وربما لهذا يصبح الحديث عن الراحلين فعلًا من أفعال الوفاء: أن نروي عنهم، لا لنمنع غيابهم، بل حتى لا تختصرهم صورة واحدة أو تاريخ مكتوب على ظهرها.

ومع مرور الوقت، تتغير علاقتنا بالصور. قد نتوقف عن النظر إليها كل يوم، وقد تمر أشهر دون أن نفتح ألبومًا قديمًا، لكن ذلك لا يعني أن أصحابها صاروا أقل حضورًا. فالحزن نفسه يتغير، وكذلك الشوق؛ لا يبقيان دائمًا في صورتهما الأولى، ولا يظلان بالحدة نفسها. نتعلم أن نعيش مع الغياب، وأن نضحك دون أن نشعر بأن الضحك خيانة للذاكرة، وأن نستعيد موقفًا جميلًا دون أن تنتهي كل ذكرى بالدموع. وربما تكون هذه إحدى الطرق التي نواصل بها حب من رحلوا: أن نسمح لما تركوه فينا بأن يمنح حياتنا شيئًا من الضوء، بدلًا من أن نجعل الغياب وحده هو ما نتذكره.

ومع ذلك، تظل هناك مسافة لا تستطيع السنوات إغلاقها. فمهما تعلمنا أن نحمل الراحلين داخلنا، فإننا نعرف أن استعادة أثرهم ليست هي استعادة وجودهم. لن تعود الصورة إلى الحياة إذا أطَلْنا النظر إليها، ولن يخرج صاحبها من إطارها ليجلس في مكانه القديم. وقد يكون قبول هذه الحقيقة واحدًا من أصعب دروس المحبة؛ أن نعرف أن بعض ما نحب لا يمكن الاحتفاظ به كما كان، وأن الوفاء لا يعني إنكار الغياب، بل الاعتراف به دون أن نسمح له بمحو ما سبقه.

في النهاية، ربما لا تكون الصور نوافذ نطل منها على الماضي بقدر ما تكون مرايا نرى فيها ما بقي منه داخلنا. ننظر إلى وجه قديم، فنستعيد شخصًا غاب، ثم نكتشف أننا لم نخرج من تلك العلاقة كما دخلناها؛ لقد أخذنا معنا شيئًا منها، حتى حين لم نكن نعرف أننا نفعل. وربما لهذا نتوقف طويلًا أمام صورة لا تقول شيئًا، ونشعر رغم صمتها أن وراءها حكاية كاملة، وأن الشخص الذي يسكنها لم يعد قادرًا على العودة، لكنه لم يختفِ تمامًا.

هناك أناس لا يعودون، مهما احتفظنا بصورهم، لكنهم يواصلون العيش فينا بطرق لا تلتقطها الكاميرات. فيما علمونا إياه، وما منحونا من حب، وفي الأشياء الصغيرة التي نفعلها دون أن نتذكر من أين جاءت. وحين نغلق الألبوم ونمضي، لا نكون قد تركناهم خلفنا تمامًا؛ فنحن نحملهم معنا، لا بوصفهم صورًا معلقة في الماضي، بل بوصفهم جزءًا من الحاضر الذي صنعوه فينا، ومن الحياة التي لا تزال تمضي، وفيها شيء منهم لا يزال حيًا.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى