الجمعة ٢٥ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم سليمان عبد الدايم

من أدب المقاومة إلى سردية الذاكرة في مواجهة التطبيع

فلسطين في الرواية العربية: من أدب المقاومة إلى سردية الذاكرة في مواجهة التطبيع

دراسة نقدية مقارنة في نماذج مختارة

مقدمة الدراسة

لم تكن فلسطين في الرواية العربية مجرد "موضوع" عابر أو ترف فني، بل مثّلت منذ نكبة عام 1948 المركز الأخلاقي والوجداني الذي تشكلت حوله أسئلة الهوية، والحرية، والمصير العربي المشترك. لقد تحولت فلسطين من "جغرافيا مسلوبة" إلى "بنية سردية" عابرة للحدود، استطاع الروائي العربي من خلالها استنطاق المسكوت عنه في السياسة والاجتماع، وتوثيق صراع الإرادات بين الذاكرة الجمعية ومحاولات المحو الكولونيالي.

تنبثق إشكالية هذه الدراسة من رصد تلك التحولات العميقة التي طرأت على "تمثيل فلسطين" في المتخيل الروائي العربي ضمن إطار زمني ممتد من منتصف القرن العشرين حتى العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. وهي فترة شهدت انتقالات حادة؛ بدأت من صدمة اللجوء والبحث عن الخلاص الفردي، مرواً بظهور البطل المقاوم الذي جسدته أعمال غسان كنفاني، وصولاً إلى المرحلة الراهنة التي تتسم بتعقيدات سياسية كبرى، أبرزها تداعيات "التطبيع" وتراجع المركزية العربية للقضية، مما أفرز نصوصاً روائية تتسم بالتشظي، والانكفاء على الذات، وإعادة قراءة التاريخ بمنظور نقدي جديد.

تتبنى الدراسة منهجاً بنيوياً تاريخياً، يسعى لتفكيك العناصر الفنية للنص الروائي (كالزمن، والمكان، وبنية البطل) وربطها بسياقها التاريخي والسياسي المحيط. وتهدف الدراسة إلى الإجابة عن تساؤلات جوهرية: كيف استجاب السرد الروائي لتغير صورة الفلسطيني من "ضحية/لاجئ" إلى "مقاوم/فدائي"، ثم إلى "مغترب/محاصر"؟ وكيف أثر المناخ السياسي الراهن، بما فيه من تحولات في الموقف الرسمي العربي، على لغة الرواية وبنائها السردي؟

ولتحقيق هذه الغاية، تعتمد الدراسة على عينة من الأعمال الروائية التي تمثل مفاصل زمنية فارقة؛ حيث تتخذ من أعمال غسان كنفاني مرجعاً تأسيسياً لصورة البطل والهوية، ثم تنتقل لتحليل الرواية العربية (غير الفلسطينية) التي تبنت القضية مثل أعمال رضوى عاشور أو إلياس خوري، وصولاً إلى الرواية المعاصرة التي اشتبكت مع واقع ما بعد عام 2000. إن هذا التتبع الزمني يسمح لنا برصد "دينامية التغيير" في الخطاب الأدبي العربي، وكيف ظلت فلسطين هي البوصلة التي تقيس مدى التزام الأدب بقضايا الإنسان والعدالة، رغم كل محاولات التهميش أو التحييد السياسي.

المبحث الأول: فلسطين في السرد التأسيسي ومتلازمة "الذاكرة واللجوء"

أولاً: ثنائية المكان (الفردوس المفقود مقابل جحيم الشتات)
في الرواية التأسيسية والمعاصرة التي تناولت القضية الفلسطينية، لا يحضر المكان كجغرافيا ساكنة أو خلفية للأحداث، بل يتشكل كـ "فضاء نفسي" مشحون بالصراعات الوجودية. إن المكان في هذا السياق هو البطل الحقيقي الذي يحدد مصائر الشخوص ويرسم ملامح هويتهم الممزقة بين ماضٍ مستلب وحاضرٍ قسري.

1 - فلسطين "الغياب الحاضر" في وعي كنفاني

في رواية "رجال في الشمس"، نجد أن فلسطين هي "المركز" الذي تدور حوله كل تطلعات الأبطال، رغم أن النص يبدأ وهم خارجها. المكان هنا ينقسم بنيوياً إلى مستويين متنافرين:

• فلسطين المتخيلة (الأصل/ الفردوس :(تظهر في ذاكرة "أبو قيس" كزمان سعيد مرتهن بشجر الزيتون والبيارات. هي ليست مجرد أرض، بل هي "درع وجداني" يستحضره الأبطال لمقاومة ذل اللجوء. هذا المكان يتسم بـ "الثبات والقداسة"، حيث يمثل الهوية قبل أن ينال منها التشويه. إن كنفاني لا يصف الأرض وصفاً جغرافياً، بل يصف "العلاقة البيولوجية" بين الفلسطيني وأرضه، تلك العلاقة التي انقطعت قسراً فخلفت وراءها كائنات مبتورة تبحث عن بديل زائف في "الكويت".

• المكان الطارئ (الصحراء/ الخزان/ المنفى: (يبرز هنا المكان الجديد كـ "فضاء معادٍ" ووحش لعين. الصحراء في الرواية ليست مجرد رمال وتضاريس، بل هي استعارة لضياع البوصلة وسقوط الهوية. أما "الخزان"، فهو المكان الأكثر قسوة في السرد العربي؛ إنه "الوطن البديل" الذي ضاق حتى أصبح قبراً. الخزان يمثل المكان الذي "يؤمّم" الأنفاس ويصادر الحق في الصراخ. هنا، تتحول فلسطين من أرض واسعة إلى خزان حديدي مغلق، مما يبرز المفارقة التراجيدية بين اتساع الحلم (فلسطين) وضيق الواقع (الشتات).

"-2 الطنطورية": استعادة المكان بالتدوين ومقاومة المحو السردي

تمثل رواية "الطنطورية" لرضوى عاشور قفزة نوعية في السردية العربية المتناولة للقضية الفلسطينية؛ فهي لم تعد تكتفي برصد "أثر" النكبة، بل ذهبت إلى "تفكيك" فعل النكبة نفسه عبر إعادة بناء ما تم هدمه. إذا كان غسان كنفاني قد صوّر صدمة الخروج، فإن رضوى عاشور قد اشتغلت على "أنطولوجيا الوجود" الفلسطيني قبل وبعد الكارثة.

المكان كوثيقة: إعادة بناء القرية سردياً

تعتمد عاشور استراتيجية "الإسراف في التفاصيل" كفعل مقاومة. هي لا تذكر اسم "الطنطورة" كرمز عابر، بل تقوم بعملية "ترميم طوبوغرافي" شاملة. تصف الشوارع، والبيوت بحجارتها، وعائلات القرية (آل الدسوقي، آل المصري، وغيرهم)، وتفاصيل "المضافة" وطقوس الصيد على الشاطئ. إن هذا التفصيل الممل أحياناً هو "واجب نقدي" هدفه مواجهة سياسة "المحو الصهيوني". فالمكان في الطنطورية ليس "مفقوداً" بالمعنى الغيبي، بل هو مكان "مستلب" يتم استرداده بالكلمات. إنها تحول الرواية من مجرد حكاية متخيلة إلى "أرشيف وجداني"، يثبت أن الفلسطيني لم يخرج من "فراغ"، بل خرج من حياة مكتملة الأركان، لها روائحها وأصواتها وخصوصيتها الجغرافية.

سيميولوجيا الأشياء: "المفتاح" و"العقد" كروابط وجودية

في رحلة اللجوء الطويلة للبطلة "رقيّة"، تتجلى عبقرية رضوى عاشور في توظيف "الأشياء الصغيرة" لتحمل دلالات كبرى.

• المفتاح: لم يعد المفتاح في "الطنطورية" مجرد أداة لفتح باب، بل صار "عقيدة مكافحة". بقاء المفتاح مع رقية طوال رحلتها من صيدا إلى بيروت ثم الإسكندرية، هو تأكيد على أن "العودة" ليست مجرد حلم رومانسي، بل هي استحقاق مادي قائم.

• العقد (الخريطة) : عندما تلبس رقية عقداً على شكل خريطة فلسطين، فإنها تمارس فعلاً من أفعال "تجسيد الوطن". الوطن هنا ليس مساحة جغرافية بعيدة، بل هو جزء من زينة الجسد وهويته اليومية. الأشياء في الرواية تعمل كـ "حبال سرية" تربط اللاجئ بمركزه الأصلي، وتمنع انصهاره التام في مجتمعات الشتات.

المرأة كحامية للذاكرة: (رقيّة) مقابل أبطال كنفاني

ثمة فرق بنيوي بين بطل كنفاني (الذي يموت صمتاً في الخزان) وبطلة رضوى عاشور (رقيّة). المرأة في "الطنطورية" هي "سادنة الذاكرة". رقية ليست مجرد لاجئة، بل هي الجسر الذي يعبر عليه الأبناء والأحفاد نحو هويتهم. من خلال "المونولوج الروائي" الطويل لرقية، نكتشف أن "الحكاية" هي السلاح الوحيد الذي لا يصدأ. بينما خسر الرجال المعارك العسكرية (1948، 1967)، وخسروا رهان "الخزان" (عند كنفاني)، فإن رقية تكسب معركة "الاستمرارية". إنها تعيد إنتاج فلسطين في مطبخها، في لغتها، وفي تربية أحفادها (حسن وعبد). البطلة هنا تمثل "الصمود العضوي"؛ فهي التي تجمع الشتات وتحول "الخيمة" ثم "البيت المستأجر" إلى مساحة فلسطينية خالصة.

الزمن السردي: النكبة كـ "حاضر مستمر"

تكسر رضوى عاشور في "الطنطورية" خطية الزمن التقليدي. الزمن في الرواية لا يسير نحو الأمام ليترك النكبة خلفه، بل يدور حولها. كل حدث جديد (اجتياح بيروت، صبرا وشاتيلا، الانتفاضة) يتم قراءته كـ "فصل جديد" من النكبة الأولى. هذا التلاحم الزمني يعزز فرضية البحث بأن الرواية العربية لفلسطين هي "سردية المقاومة بالزمن"؛ أي رفض الاعتراف بأن الزمن كفيل بإنهاء القضية.

المقارنة البنيوية: من الخروج إلى العودة السردية

من خلال موازنة هذين النموذجين، نلحظ تحولاً في "فلسفة المكان" داخل الرواية العربية. ففي المرحلة التأسيسية (كنفاني)، كان المكان "جرحاً" يصرخ، وكان التركيز على "دينامية الهروب" من واقع اللجوء المرير. أما في المرحلة اللاحقة (عاشور وما بعدها)، فقد أصبح المكان "واجباً نقدياً"؛ حيث انتقل الروائي من البكاء على الأطلال إلى "إعادة ترميم الأطلال" سردياً.

هذا التحول يعكس وعياً روائياً بأن الصراع على فلسطين هو في جوهره "صراع على المكان وروايته". فالمكان الفلسطيني في الرواية العربية لم يعد مجرد مسرح للأحداث، بل صار هو "النص" ذاته، وهو الهوية التي تتحدى الشتات والتطبيع والنسيان، محولاً "جحيم الشتات" إلى مختبر لصناعة "أمل العودة"

ثانياً: تحليل البطل (من الموت الصامت إلى صيرورة المقاوم)
يمثل البطل في رواية النكبة الأولى (كنفاني) نموذج "البطل الإشكالي" الذي سحقته الهزيمة.

• أبطال كنفاني )أبو قيس، أسعد، مروان) :هم تجسيد لـ "اللاجئ السلبي" في مراحله الأولى، الذين يهربون من جحيم اللجوء إلى جحيم الغربة بحثاً عن الخلاص الفردي. موتهم داخل "الخزان" هو "موت رمزي" يعلن فشل الحلول الفردية في حل القضية الجماعية.

• بطل "باب الشمس" لإلياس خوري و"الطنطورية" لعاشور: نلحظ تطوراً بنيوياً في شخصية البطل. البطل (مثل "رقيّة" في الطنطورية) ليس مجرد ضحية، بل هو "حارس للذاكرة". هنا يتحول البطل من البحث عن "النجاة" إلى البحث عن "الاستمرار". في "باب الشمس"، نجد "خليل" الذي يحكي القصص ليُبقي البطل الفدائي (يونس) حياً؛ مما يعني أن "الحكاية" نفسها أصبحت أداة مقاومة.

تُعتبر صرخة "أبو الخيزران" في نهاية رواية «رجال في الشمس»: "لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم يقرعوا جدران الخزان؟ لماذا؟"، واحدة من أعمق التكثيفات الرمزية في تاريخ السرد العربي الحديث، وهي تمثل الذروة التراجيدية التي تلخص فلسفة غسان كنفاني السياسية والوجودية.

1- الرمزية السياسية: إدانة الصمت والحل الفردي

يمثل الخزان في هذه اللحظة "شرنقة العجز" أو "السجن الاختياري". كنفاني هنا لا يدين الاحتلال بشكل مباشر، بل يوجه نقدًا لاذعًا للداخل الفلسطيني والعربي. الموت خنقاً داخل الخزان دون مقاومة يرمز إلى:

• ضياع الهوية في البحث عن الرزق : الرجال الثلاثة (أبو قيس، أسعد، مروان) يمثلون ثلاثة أجيال من الفلسطينيين، ركزوا كل جهدهم على "الخلاص الفردي" والبحث عن العمل في الكويت، فكانت النتيجة هي الموت الجماعي الصامت.

• سقوط الرهان على "الآخر" "أبو الخيزران" : (السائق) يمثل القيادات العاجزة أو المخصية (بالمعنى الرمزي والجسدي في الرواية)، والرهان عليه للوصول إلى بر الأمان كان رهاناً خاسراً أدى إلى الاختناق.

2 - البنية السردية: "لماذا" كسؤال وجودي
• تكرار سؤال "لماذا" بصيغة الاستنكار لا يستهدف الموتى، بل يستهدف القارئ (المتلقي العربي). كنفاني ينتقل هنا من رواية الحدث إلى رواية الموقف.

• المفارقة التراجيدية : الرجال لم يدقوا الجدران خشية أن يُفتضح أمرهم ويُقبض عليهم، أي أنهم فضلوا "الخوف من الفضيحة أو الاعتقال" على "الحق في الحياة"، فكان الصمت هو القاتل الحقيقي وليس الحرارة.

• الفعل مقابل الاستسلام: هذه الفقرة هي البيان التأسيسي لمرحلة "المقاومة". كنفاني يقول ضمنياً: إن دق جدران الخزان (المقاومة) حتى لو أدى إلى السجن، هو أكرم من الموت صمتاً في سبيل لقمة العيش.

3- التحليل البنيوي التاريخي

في سياق دراستك لـ "فلسطين في الرواية العربية"، تمثل هذه الصرخة تحولاً في المونولوج الروائي:
قبل هذه الرواية، كان الفلسطيني في السرد يُصوّر غالباً كضحية تستدر العطف.
بعد هذه الصرخة، بدأت الرواية العربية تطرح بطلاً "فاعلاً" لا "مفعولاً به". أصبحت "دق الجدران" استعارة أدبية كبرى لكل فعل ثوري لاحق في الرواية الفلسطينية والعربية، وصولاً إلى روايات مثل "باب الشمس" التي جعلت من "الحكي" نفسه نوعاً من دق الجدران.

تتجلى عبقرية كنفاني في تحويل ’الخزان’ من مجرد أداة تهريب إلى فضاء رمزي يختزل مأساة شعب. إن تساؤل ’أبو الخيزران’ المرير: (لماذا لم يدقوا جدران الخزان)؟ لم يكن تساؤلاً عن فعل ميكانيكي فات أوانه، بل كان إدانة نقدية لبنية الوعي الفلسطيني في تلك المرحلة، التي آثرت السلامة الفردية على المواجهة الجماعية. ومن هنا، انطلقت الرواية العربية لاحقاً لترميم هذا الانكسار، محولةً الصمت إلى صرخة، والموت خنقاً إلى ولادة جديدة عبر الفعل المقاوم."

ثالثاً: سياق الكتابة.. الرواية كمرآة للتحولات السياسية

لا يمكن فصل النبرة السردية في الأعمال المدروسة عن "المناخ العام" الذي عاصره الروائي؛ فالتغير في بنية البطل من (الضحية) إلى (حارس الذاكرة) وصولاً إلى (المغترب) هو انعكاس مباشر لتحولات الصراع العربي-الإسرائيلي.
1- نبرة غسان كنفاني (1963): قلق ما قبل الثورة
كتب كنفاني "رجال في الشمس" في مطلع الستينيات، وهي فترة اتسمت بـ:

• ضياع البوصلة: كانت القضية الفلسطينية في ذلك الوقت تُدار عبر أروقة السياسة الدولية والوعود العربية الرسمية، بينما يعاني اللاجئ في المخيمات من تهميش وجودي.

• اليأس المحفز : نبرة اليأس والموت خنقاً في الرواية لم تكن استسلاماً، بل كانت "صدمة تنويرية". كان كنفاني يتنبأ بأن "الانتظار" والبحث عن "الرزق" فقط سيؤديان إلى تلاشي الهوية الفلسطينية. لذا جاءت الرواية كصرخة تحذيرية سبقت انطلاق الكفاح المسلح الفلسطيني (1965)، فكانت نبرته اليائسة هي الوقود السردي لضرورة التمرد.

– 2 نبرة رضوى عاشور (2010): المقاومة بالذاكرة في زمن الانكسار

لماذا جاءت "الطنطورية" بنبرة توثيقية هادئة وطويلة النفس؟

• مواجهة المحو: في عام 2010، كان المشروع الصهيوني قد قطع أشواطاً في تهويد المكان ومحاولة فرض "رواية المنتصر". هنا، أدركت رضوى عاشور أن التحدي الأكبر هو "النسيان".

• سد الفجوة التاريخية: لم تكن النبرة التوثيقية ترفاً، بل كانت ضرورة لسد الفجوة التي تركتها الهزائم العسكرية. في ظل تراجع العمل الفدائي التقليدي، تحول "القلم" إلى جرافة عكسية تعيد بناء القرى المهدمة. التوثيق هنا هو "فعل صمود" مدني، يثبت أن الحق التاريخي لا يسقط بالتقادم، وهو رد فعل على حالة "الوهن العربي" التي سبقت الربيع العربي مباشرة.

-3نبرة السرد المعاصر (ما بعد 2020): صدمة التطبيع والتشظي

في الروايات التي نُشرت في العقد الأخير، نلاحظ نبرة مغايرة تماماً:

• الاغتراب المزدوج : لم يعد العدو هو "الاحتلال" فقط، بل أصبح البطل الفلسطيني في الرواية المعاصرة يشعر بالغربة داخل المحيط العربي بسبب موجات التطبيع.

• تفكيك السرديات الكبرى : انتقلت الرواية من "نحن" الجماعية إلى "أنا" الممزقة. المحطة التاريخية الراهنة (بعد اتفاقيات أبراهام وتحولات السياسة الإقليمية) فرضت على الروائي سؤالاً مريراً: كيف نكتب عن فلسطين في زمن يتم فيه تهميشها رسمياً؟ لذا نجد الرواية المعاصرة (مثل أعمال ربعي المدهون) تتسم بالسخرية السوداء، أو الحزن الجنائزي، أو البحث عن الهوية في المنافي البعيدة، كنوع من الاحتجاج السردي على الواقع السياسي الراهن.

رابعاً: فلسفة البعد الزمني (جدلية المسافة بين زمن الكتابة وزمن الحدث)

لا يمكن فهم الفوارق الجوهرية بين سردية كنفاني وسردية رضوى عاشور دون تفكيك "البعد الزمني" الذي يفصل بين الروائي وموضوعه؛ فالمسافة الزمنية ليست مجرد عدد من السنين، بل هي "موقف نقدي" يحدد شكل اللغة وبنية السرد.

1- غسان كنفاني: الكتابة تحت ضغط اللحظة (الزمن الضاغط)

• كتب غسان كنفاني في أوائل الستينيات، أي بعد عقد ونصف فقط من النكبة. في ذلك الوقت، كان الزمن بالنسبة للروائي الفلسطيني هو "زمن الطوارئ ."لم يكن هناك متسع من الوقت للرفاهية السردية أو الوصف المطول لجماليات الطبيعة، لأن "الجرح" كان لا يزال نازفاً وحاراً.

• الزمن كمطاردة: في "رجال في الشمس"، يبدو الزمن وكأنه عدو يطارد الأبطال؛ فالتأخير في الوصول إلى الحدود يعني الموت، والانتظار تحت الشمس يعني الاحتراق. هذا "الضيق الزمني" هو الذي فرض على كنفاني أسلوباً برقيّاً، حاداً، ومتقشفاً في اللغة.

• غياب المسافة: كان كنفاني يكتب من داخل "قلب الإعصار"، لذا جاءت رؤيته للزمن رؤية "آنية ومستقبلية"؛ كان يريد تغيير الواقع فوراً، ومن هنا اكتسب النص طابعه "الثوري" الذي لا يقبل التأويل الطويل.

2- رضوى عاشور: الكتابة بعين المؤرخ (زمن الاسترجاع التأملي)
• على الطرف الآخر، نجد أن رضوى عاشور كتبت "الطنطورية" بعد أكثر من ستين عاماً على وقوع النكبة. هذه "المسافة الزمنية الشاسعة" منحت الروائية ما يمكن تسميته بـ "رفاهية النظر إلى الخلف"، ولكنها رفاهية مشوبة بالمسؤولية التاريخية.

• الزمن كترميم : امتلكت عاشور "البعد الزمني" الذي سمح لها بمعاينة مآلات النكبة وتحولاتها عبر ثلاثة أجيال. هذا التراكم الزمني حوّل السرد من صرخة آنية إلى "بانوراما تأريخية". الزمن هنا ليس عدواً يطارد الأبطال كما عند كنفاني، بل هو "وعاء" يجب ملؤه بالتفاصيل قبل أن يتسرب منه التاريخ.

• الزمن كحماية : البعد الزمني مكن الكاتبة من استخدام تقنية "التذكر" الهادئ، حيث لم تعد بحاجة لصدم القارئ بالموت المفاجئ، بل سعت لصدمته بـ "البقاء المستمر". إن قدرة بطلتها "رقية" على تذكر أدق تفاصيل الطنطورة بعد عقود هي "معجزة زمنية" تثبت فشل الزمن في تذويب الهوية.

• التفاوت بين "زمن الفعل" و"زمن الذاكرة"

من خلال تحليل البعد الزمني، نكتشف أن الرواية العربية انتقلت من "زمن الفعل) "محاولة تغيير القدر بالدق على الجدران) إلى "زمن الذاكرة" (محاولة حماية القدر بإعادة كتابة الحكاية(. هذا التفاوت يفسر لماذا تبدو رواية كنفاني "قصيرة ومكثفة كطلقة"، بينما تبدو رواية عاشور "طويلة ومتمهلة كالنهر". كنفاني كان يسابق الزمن ليمنع وقوع الكارثة الكبرى (ضياع القضية)، بينما كانت عاشور تسابق النسيان لتستعيد ما ضاع من الكارثة وتثبته في وعي الأجيال الجديدة.

خلاصة المبحث الأول: الرواية بين مطرقة اللحظة وسندان الذاكرة

إن تأمل المسافة السردية والزمنية بين صرخة غسان كنفاني في "رجال في الشمس" (1963) وبين ملحمة رضوى عاشور في "الطنطورية" (2010)، يكشف عن تحول جذري في وعي الروائي العربي؛ فالاختلاف في "النبرة" لم يكن تبدلاً في الأدوات الفنية فحسب، بل كان استجابة حتمية للمحطات التاريخية وللفلسفة الزمنية التي كُتب فيها كل نص.

فبينما كان كنفاني يكتب تحت "ضغط اللحظة الراهنة" محاولاً استباق الزمن لمنع وقوع الكارثة عبر نبرة يائسة وصادمة، كانت رضوى عاشور تكتب من مسافة "الاسترجاع التأملي" التي سمحت لها بترميم ما هدمه الزمن عبر نبرة توثيقية هادئة تحمي الذاكرة من المحو. هذا التفاوت يثبت أن الرواية العربية انتقلت من "سينما الصدمة" التي تستنهض الهمم، إلى "متحف الذاكرة الحية" الذي يحمي الحقائق.

إن هذا الانتقال من "زمن الفعل" إلى "زمن الذاكرة" هو الذي مهد الطريق للرواية العربية لتواجه التحدي الأكبر في القرن الحادي والعشرين؛ وهو محاولة "تصفية القضية" سياسياً عبر موجات التطبيع. فإذا كانت الرواية قد نجحت في حماية الذاكرة من "النسيان الزمني"، فكيف ستواجه محاولات "الاستلاب السياسي" والتبدل في المواقف الرسمية العربية؟ هذا ما سنعالجه في المبحث القادم عبر رصد تحولات الرواية المعاصرة في مواجهة واقع التطبيع.

المبحث الثاني: فلسطين في مهب التحولات (الرواية العربية المعاصرة وتحديات التطبيع)

أولاً: تراجع المركزية وأزمة "البطل الوحيد" (الاغتراب المزدوج)

في الرواية العربية الكلاسيكية، كان البطل الفلسطيني يُقدَّم بوصفه "أيقونة" أو "رمزاً طهرانياً" يلتف حوله الوجدان العربي بصفته القضية المركزية. أما في الرواية المعاصرة (ما بعد 2020)، فقد شهدنا تحولاً درامياً في بنية الشخصية الروائية؛ حيث انتقل البطل من "حالة الجمع" إلى "حالة الفردانية المأزومة".

• مفهوم الاغتراب المزدوج: يعيش البطل الفلسطيني اليوم اغتراباً مزدوجاً؛ اغتراباً عن أرضه المحتلة التي تتغير معالمها يومياً بالجدار والمستوطنات، واغتراباً عن "المحيط العربي" الذي بدأ يشهد تبدلاً في الخطاب الرسمي (التطبيع). هذا التحول خلق بطلاً روائياً يشعر بأنه "فائض عن الحاجة" في اللعبة السياسية الكبرى. لم يعد البطل يسأل "متى نعود؟" بل أصبح يسأل "من نحن الآن في ظل هذا التبدل؟".

• تفتيت الهوية :نجد هذا التمثل بوضوح في روايات مثل "مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة" لربعي المدهون. هنا، البطل لا يعود لفلسطين كفاتح أو فدائي، بل يعود بجواز سفر أجنبي ليصطدم بواقع "الأسرلة" وتغير ملامح المدن (يافا، حيفا). إن هذا النوع من السرد يكسر الصورة النمطية للبطل "الأسطوري" ويقدم بدلاً منه "الإنسان" الذي تمزقه الهويات المتعددة، وهو انعكاس مباشر لحالة التخلي السياسي التي خلفتها موجات التطبيع.

ثانياً: أثر التطبيع على البنية السردية (رواية الحق مقابل رواية البراغماتية)

هنا نغوص في كيفية استجابة "النص الأدبي" لضغوط "الواقع السياسي". التطبيع ليس مجرد اتفاقية، بل هو محاولة لـ "إعادة صياغة الذاكرة". الرواية العربية المعاصرة وقفت حائط صد ضد هذا التوجه من خلال آليتين:

التوثيق المجهري (السرد ضد النسيان :(رداً على دعوات "تجاوز الماضي" وتصفير الصراع، ذهبت الرواية نحو التفاصيل الدقيقة جداً (رائحة الطبخ تحت القصف، أسماء الأزقة التي هدمت، يوميات الحاجز). هذا السرد المجهري يهدف إلى إثبات أن القضية ليست "ملفاً سياسياً" يمكن إغلاقه، بل هي "حياة يومية" لا يمكن القفز فوقها. الروائي هنا يتصرف كـ "حارس للحقائق" في زمن "ما بعد الحقيقة".

استخدام السخرية السوداء والديستوبيا : لجأ العديد من الروائيين (مثل إبراهيم نصر الله في ثلاثية الأجراس أو ربعي المدهون) إلى السخرية المُرّة من التناقض بين شعارات العروبة القديمة وواقع "البراغماتية" الراهن. السخرية هنا هي أداة نقدية لتعرية زيف الخطاب الرسمي الذي يحاول تجميل الاحتلال تحت مسمى "السلام". إنها "مقاومة جمالية" ترفض القبول بتدجين الذاكرة الفلسطينية في القالب العربي الجديد.

ثالثاً: مواجهة "المحو" في عصر الفضاء الرقمي وعولمة الرواية

في ظل الانفتاح السياسي الراهن، زادت محاولات الترويج للرواية الصهيونية داخل الأوساط العربية تحت ستار "التبادل الثقافي". هنا، طورت الرواية العربية أدواتها للاشتباك مع هذا التحدي:

• تقنية "الميتا-سرد :(Meta-fiction)" بدأت الرواية العربية المعاصرة تكتب عن "كيفية سرقة الرواية الأصلية". نجد نصوصاً تحكي عن باحثين أو روائيين يكتشفون تزوير الوثائق التاريخية. هذا النوع من الكتابة لا يحكي قصة فلسطين فحسب، بل يحكي قصة "الصراع على الرواية" نفسها.

• تحدي "الرواية الكولونيالية:" من خلال مقاربة (أحمد، 2022) السياسية، نجد أن التطبيع يحاول "مساواة الضحية بالجلاد". الروائي العربي المعاصر يواجه ذلك عبر إبراز "الفوارق الأخلاقية"؛ فلا يمكن مساواة السجان بالمسجون مهما كانت لغة الاتفاقيات ناعمة. الرواية هنا تظل هي "المحكمة" التي لا تعترف بتبرئة المحتل، وتصر على إبقاء الجرح مفتوحاً أمام الضمير العالمي والعربي.

رابعاً: تحول الجمهور المستهدف (من العربي إلى العالمي)

لقد أثر التطبيع على "وجهة السرد"؛ فالروائي العربي المعاصر، حين شعر بفتور الحماس في بعض الأوساط الرسمية العربية، بدأ يوجه خطابه إلى "الإنسان العالمي".

• الأنسنة كفعل مقاومة: نلاحظ زيادة في ترجمة الروايات الفلسطينية والعربية التي تتناول فلسطين. السرد المعاصر يركز على "القيم الإنسانية الكونية" (الحرية، العدالة، الكرامة) لانتزاع الاعتراف بعدالة القضية من القارئ في كل مكان، ليكون رداً شعبياً وثقافياً على التحييد السياسي للقضية.

خلاصة المبحث الثاني (أثر التحولات المعاصرة)

نخلص من تحليل المبحث الثاني إلى أن الرواية العربية المعاصرة لم تكن مجرد صدىً سلبي لاتفاقيات التطبيع أو التحولات السياسية البراغماتية، بل تحولت إلى "مختبر نقد سياسي" بامتياز. فبينما كانت السياسة الرسمية تحاول تبريد الصراع وتهميش مركزية القضية، كانت الرواية تعيد تسخين الذاكرة عبر "التوثيق المجهري" وسردية "الأنا المأزومة". إن بطل الرواية المعاصرة -رغم تشظيه واغترابه المزدوج- قد نجح في كشف زيف الخطابات التي تحاول مساواة الضحية بالجلاد، مؤكداً أن الفجوة الأخلاقية بين الحق الفلسطيني والمشروع الصهيوني هي فجوة وجودية لا تردمها المعاهدات. وبذلك، تظل الرواية هي "الحصن الأخير" الذي يمنع ذوبان الهوية الفلسطينية في بحر المتغيرات الإقليمية، محولةً العزلة السياسية إلى قوة سردية عابرة للحدود.

الخاتمة النهائية

في ختام هذه الدراسة النقدية التي تتبعت تمثلات "فلسطين في الرواية العربية" عبر رحلة زمنية ممتدة من نكبة 1948 حتى تعقيدات العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، يمكن استخلاص النتائج الجوهرية التالية:

تحول الهوية السردية: انتقلت فلسطين في المتخيل الروائي من كونها "فردوساً مفقوداً" يستوجب الرثاء واللجوء، إلى "مشروع هوية" يُبنى عبر المقاومة، وصولاً إلى كونها "رواية وجودية" تواجه محاولات المحو السياسي والثقافي.

دينامية البطل: رصدت الدراسة تطور شخصية البطل الروائي من "الضحية الصامتة" عند غسان كنفاني، إلى "حارس الذاكرة" عند رضوى عاشور وإلياس خوري، وصولاً إلى "المغترب المحاصر" في الرواية المعاصرة، مما يعكس بدقة نبض الشارع الفلسطيني والعربي وتفاعله مع الانكسارات والانتصارات.

المكان بين الجغرافيا والرمز: أثبت البحث أن المكان الفلسطيني في الرواية العربية هو مكان "مقاوم" بطبعه؛ حيث تحولت البيارات والمدن المهدمة من معالم جغرافية إلى "وثائق سردية" تدحض الرواية الصهيونية وتثبت الحق التاريخي للأجيال المتعاقبة.

الرواية كفعل سياسي مضاد: أكدت الدراسة أن الرواية العربية المعاصرة وقفت حائط صد منيع ضد موجات التطبيع، رافضةً تدجين الذاكرة أو تهميش القضية، بل إنها طورت أدواتها الفنية (كالسخرية السوداء والميتا-سرد) لتعرية الواقع السياسي الجديد وإبقاء الجرح الفلسطيني حياً في الوجدان الإنساني العالمي.

إن هذه الدراسة تخلص إلى أن الرواية العربية لم تكن يوماً تابعة للسياسة، بل كانت دائماً سابقة لها بوعيها القومي والإنساني. فإذا كانت الاتفاقيات السياسية قابلة للتغيير والتبدل، فإن النص الروائي يظل وثيقة "أبدية" غير قابلة للتفاوض، تحفظ لفلسطين مكانتها كبوصلة أخلاقية للأدب العربي المعاصر.

أولاً: قائمة المصادر والمراجع (References)

أولًا: المصادر الروائية (الأولية)

عاشور، رضوى. (2010). الطنطورية. القاهرة: دار الشروق.
كنفاني، غسان. (1963). رجال في الشمس. بيروت: دار الآداب.
المدهون، ربعي. (2015). مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة. أبو ظبي/بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
خوري، إلياس. (1998). باب الشمس. بيروت: دار الآداب.

ثانيًا: المراجع الثانوية (الدراسات والنقد)

أحمد، قاسم علوان. (2022). اتفاقيات التطبيع العربي مع إسرائيل وأبعادها السياسية على القضية الفلسطينية. مجلة قضايا سياسية، جامعة النهرين – كلية العلوم السياسية، العدد (25)، 263–288.
حسيني، عبد الله، وصفري، روح الله. (2016). صورة البطل في أعمال غسان كنفاني الروائية: قراءة في (رجال في الشمس) و(ما تبقى لكم) أنموذجًا. مجلة مركز دراسات الكوفة، العدد (42).
نصر الله، إبراهيم. (2021). رواية فلسطين: حوارات حول الكتابة والمقاومة. بيروت: الدار الأهلية للنشر والتوزيع.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى