

الغربة والحنين في الشعر الفلسطيني
سنوات غربة الفسطيني امتدت، وتلتها الأعوام والأيام والشهور...، غربة تمثلت بحنين إلى وطن يشكل له جذور متأصلة بأرضه، وحكايات سمعها من أهله، أو ربما عاشها بنفسه، ولكنها تبقى بعدا عن الوطن في كل الحالات، فقد جاء في المعجم الغني" غُرْبَةٌ – (غ ر ب). (مص. غَرُبَ). 1."عَاشَ زَمَناً طَوِيلاً فِي الغُرْبَةِ" : فِي بِلاَدِ النُّزُوحِ وَالْهِجْرَةِ. 2."وَجَدْتُهُ فِي غُرْبَةٍ" : فِي وَحْشَةٍ. 3."طَالَتْ غُرْبَتُهُ" : طَالَ بُعْدُهُ عَنْ وَطَنِهِ وَأَهْلِهِ."
فجأة، وجد الفلسطيني نفسه وحيدا، بعيد عن أحبابه وأقاربه وقريته التي لعب فيها، منسلخ عن مجتمعه المحبب وذكرياته- إلى غربة من نوع آخر- لم يخترها بنفسه، ولم يفكر للحظة واحدة أنها سترافقه العمر كله.
يرتبط الحنين ارتباطا وثيقا بالغربة في الشعر الفلسطيني، فعندما يبتعد الإنسان عن مكان ما، يشعر بحنين إليه، ويشتاق لكل ما فيه...وهذا ما حصل مع الشاعر الفلسطيني الذي فجر سنين غربته بأشعار ينضح فيها الحب والحنين.
فها هو الشاعر محمود الحوت، يتذكر الوطن، فتتمثل له ساعات الصفاء والجمال، فيناجيه ملتاعا، ذارفا دموع الألم والغربة، متجرعا كأس الليالي الخوالي من غيره. فيتساءل كيف ينسى تلك الأرض التي يعتبرها جنة الله على الأرض! وهل هناك من لم يعرفها!
يا رعى الله موطني يوم كانتتنبض الأرض بالحياة الطروبويموج المدى البعيد ويزهوبرطيب من المروج لعوبوالبساتين والحدائق غلباحاليات بكل ثوب قشيبتتنادى بها العصافير شتىمن شروق النهار حتى الغروبهل أتاك الحديث عن جنة اللهوعن خلدها الطليق الرحيبتلك أرضي وما ترى في يمينيحفنة من تراب أرضي السليب
يبكي الشاعر هارون رشيد ما أصاب شعبه وبلاده بعد اغتصاب أرضه من قبل العدو الصهيوني، فهوى وطنه بين ليلة وضحاها، وتفرق الناس كل في مكان، وأصبح مأواهم الخيام البالية، ومرت السنوات وتلتها الأعوام وهم في الغربة، والوطن ينتظر الغياب ولكن لا حياة لمن تنادي، فأصبحوا ذكرى تمر في البال كلما ذرفت العين مدامعها.
كانت لنا أرض نفيء بظلهاوعلى أيادينا تدور وتثمرفإذا بها في ليلة مشبوبةأهوى بشامخ عزنا المتجبروإذا بنا مزق وراء عنائنانمشي فيقتلنا الشقاء ويقبركم في الخيام مدامع هتانةان مرت الذكرى تمور وتقطرفلرب أم ودعت أبناءهايوم انتضوا سيف الكفاح وأشهرواومضوا وما عادوا سوى ذكرى لهممحزونة في كل عين تذكر
تتذكر فدوى طوقان العيد في يافا، ويشدها الحنين والألم، فهناك كانت تلعب بأرجوحتها، وتمسك الجديلة بالعقدة الحمراء، وتركض في البلد الحبيب فرحة مبتهجة، ولكنها الآن تمسك بذكرياتها وأيامها الماضية باكية متألمة، فكل شيىء تغيير ولم يعد لها سوى الحزن والذكريات المرة في غربة تكاد تقتلها.
أترى ذكرت مباهج الأعياد في يافا الجميلة؟أهفت بقلبك ذكريات العيد أيام الطفولة؟إذ أنت كالحسون تنطلقين في زهو غريروالعقدة الحمراء قد رفّت على الرأس الصغيروالشعر منسدل على الكتفين، محلول الجديلة؟إذ أنت تنطلقين بين ملاعب البلد الحبيبتتراكضين مع اللّدات بموكب فرح طروبطورا إلى أرجوحة نُصبت هناك على الرمالطورا إلى ظل المغارس في كنوز البرتقالوالعيد يملأ جوكن بروحه المرح اللعوب؟واليوم ماذا اليوم غير الذكريات ونارها؟واليوم، ماذا غير قصة بؤسكنّ وعارهالا الدار دار لا ولا كالأمس، هذا العيد عيد
يعبر الشاعر ناصر ثابت عن غربته وحنينه من خلال قصيدته" يا وطني" بمنتهى الصدق والصراحة، بكلمات تمس الوجدان، سهلة اللغة لا تحتاج إلى زخرفة، صادرة عن مشاعر مفعمة بالحنين والعذابات المعتقة برسائل الورد والحناء والدموع.
في غربتي الصماءْينتابنيشوقٌ عظيم جارفٌ إليكْورغبةٌ في الحزنِ والبكاءْ.ينتابني..شوقُ العذابات التي تطرزُ الرسائلَ المعتقة..بالوردِ..والدموعِ..والحِنَّاءْ...شوقُ الخريفِ للتجلي في متاهات القمرْوشوقُ لحظةِ الفراق للولوج في مشاعر البشرْولهفةُ القلوبِ إذ تستقبلُ الدماءْينتابنيشوقٌ كشوقِ العاشق الصوفي للسماءْ
تنقلب المعادلة عند محمود درويش، فتشعر الأرض باشتياق إلى حبيبها المفقود الذي رحل عنها منذ سنوات طويلة، ولكنها تكابر الغياب والبعد، لأنها لم تتعود أن ينساها للحظة، إلا أنها لا تستطيع المكابرة أكثر فتبتعد لتراه، وهو يفكر فيها، لأنها بالنهاية أنثى.
لا أَنام لأحلم قالت لَهبل أَنام لأنساكَ. ما أطيب النوم وحديبلا صَخَب في الحرير، اَبتعدْ لأراكَوحيدا هناك، تفكٌِر بي حين أَنساكَ/لا شيء يوجعني في غيابكَلا الليل يخمش صدري ولاشفتاكَ...أنام علي جسدي كاملا كاملالا شريك له،لا يداك تشقَّان ثوبي، ولا قدماكَتَدقَّان قلبي كبنْدقَة عندما تغلق الباب
لا يعاني الشوق إلا من كابده، ولا يشعر بالغربة والحنين إلا من عاشها وتجّرع لحظاتها، ولا يحس بالألم إلا من تذوق مرّ ضرباته وطعاناته، لذلك لن يشعر أحد بما يقاسيه شعراء فلسطين، وهم يعانون الغربة والحنين بعد ستين عاما على نكبتهم.
قدمنا لكم بعضا من صور الغربة والحنين، ولكن يبقى ما خفي أكبر وأعظم، فمع كل لحظة تكبر الغربة وتزداد أنات الحنين، فالوطن ما يزال مسلوبا، والساعات تسير وتسير.
مشاركة منتدى
1 كانون الأول (ديسمبر) 2016, 11:09, بقلم عباس يوسف احمد
اللغة العربية هي لغة الفرسان
لغة البطولات لغة الكتاب المقدس
لكنها اسيرة بيد الطغاة حكام العرب الظالمين
لن يسمح لشاعر او كاتب او ادبب تجديد اي شيء الا لمدحهم
فتبا ياحكام