الخميس ٣ نيسان (أبريل) ٢٠٢٥
بقلم صالح سليمان عبد العظيم

الجاذبية الفكرية لكلمة «سوسيو»

في أروقة الأوساط الأكاديمية المرموقة وصفحات المجلات العلمية المكتظة، تجذّر اتجاه عميق بين المثقفين: البادئة "سوسيو" المنتشرة في كل مكان. من "سوسيو - اقتصادي" إلى "سوسيو - سياسي"، ومن "سوسيو - ثقافي" إلى "سوسيو- تاريخي"، أصبحت هذه الإضافة المكونة من خمسة أحرف أساسية في قاموس المثقفين، اختصارا يدل على العمق والتعقيد والجاذبية. ولكن ما الذي يجعل البادئة "سوسيو" تأسر العقل المثقف إلى هذا الحد، وكيف يعزز وضعها - وخاصة في العناوين - القيمة المدركة لأعمالهم؟

 جاذبية "سوسيو"

في جوهرها، تشتق كلمة "سوسيو" من الكلمة اللاتينيةsocius ، والتي تعني "رفيق" أو "حليف"، وهي تشير إلى "سوسيو" - الشبكة المترابطة للعلاقات الإنسانية والمؤسسات والسلوكيات. وبالنسبة للمثقفين، يعد هذا المصطلح أداة لغوية متعددة الاستخدامات، مرنة بما يكفي لدمجها مع أي تخصص أو مفهوم تقريبا، مما يوسع نطاقها فورا. فتصبح دراسة الاقتصاد "اجتماعية-اقتصادية"، لا تقتصر على الأرقام والأسواق فحسب، بل تشمل أيضا الحقائق الإنسانية المعقدة الكامنة وراءها. ويتحول التحليل التاريخي إلى "اجتماعي-تاريخي"، مشيرا إلى سردية تثريها القوى الاجتماعية التي تشكل الأحداث. وتمثل هذه البادئة جسرا يربط بين المجرد أو التقني والملموس والجماعي، في إشارة إلى الروح متعددة التخصصات التي تهيمن على الدراسات الحديثة.

وينجذب المثقفون إلى "الاجتماعي" لأنه يرتقي بعملهم من التخصص الضيق إلى ما هو ذي صلة عالمية. إنها مرونة خفية - كطريقة للقول: "الأمر لا يقتصر على تخصصي؛ بل يتعلق بالمجتمع نفسه". ففي عالم تُشكّك فيه الأهمية الأكاديمية كثيرا، يقدم "الاجتماعي" شريان حياة، يربط البحث الباطني بالحالة الإنسانية الأوسع. إنها كلمة تبشر برؤية ثاقبة لكيفية عيشنا، وليس فقط لما ندرسه.

 لعبة العنوان: "اجتماعي" كرمز للمكانة الاجتماعية

عندما تزين كلمة "اجتماعي" عنوان مقال أو دراسة، يتضاعف تأثيرها. العناوين هي لوحة المثقف، أول ما يراه القارئ (وأحيانا الوحيد). كلمة "اجتماعي" في مكانها الصحيح تحول عنوانا عاديا إلى منارة للرقي. قارن بين "الاتجاهات الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين" و"الديناميات الاجتماعية والاقتصادية للقرن الحادي والعشرين". يبدو الأول تقريرا جافا؛ بينما يُلمّح الثاني إلى استكشاف شامل ودقيق للثروة والسلطة والناس. وليس من المستغرب أن تعج المجلات بعناوين مثل "الآثار الاجتماعية والسياسية لتغير المناخ" أو "الأبعاد الاجتماعية والثقافية للإعلام الرقمي" - فهي تنطق بثقة.

هذا التألق في العنوان ليس جماليا فحسب؛ بل استراتيجي. في الساحة الأكاديمية التنافسية، حيث يكون التمويل والاقتباسات والمكانة على المحك، يشير مصطلح "اجتماعي" إلى أن العمل يتجاوز صوامع التخصصات. إنه بمثابة صافرة تحذيرية للأقران والمراجعين، توحي بالدقة والاتساع دون الحاجة إلى إثبات ذلك مسبقا. إن عنوانا مزينا بكلمة "اجتماعي" يمكن أن يجعل المقال يبدو أكثر قابلية للنشر، وأكثر قابلية للاقتباس، وأكثر أهمية. إنه بمثابة تمرين على بناء هوية، يُبرز الكاتب كمفكر يدرك الصورة الأكبر.

 هل يضيف مصطلح "اجتماعي" قيمة - أم مجرد تشويش؟

ولكن هل يعزز هذا الشغف بمصطلح "اجتماعي" التخصص حقا، أم أنه مجرد موقف فكري؟ من ناحية، يعكس هذا توجها مشروعا في البحث العلمي: الاعتراف بأنه لا يوجد مجال قائم في الفراغ. فعلم الاجتماع، في نهاية المطاف، هو دراسة المجتمع، وربطه بمجالات أخرى يقر بترابطها. على سبيل المثال، قد تكشف دراسة "اجتماعية-قانونية" للقانون كيف تشكل التشريعات الأعراف الاجتماعية، وكيف تتشكل من خلالها، مضيفة بذلك طبقات من البصيرة قد يغفلها التحليل القانوني البحت. وبهذا المعنى، يُعدّ "الاجتماعي" أداة للإثراء، تدفع المثقفين إلى التفكير بشمولية.

ومع ذلك، هناك جانب آخر. قد يجادل النقاد بأن "الاجتماعي" أصبح عكازا، أو كلمة طنانة تضاف لتضخيم الأهمية أو إخفاء تحليل هش. فعندما تُصنّف كل مقالة أخرى على أنها "شيء اجتماعي"، يخاطر المصطلح بفقدان قوته، ويتحول إلى مصطلح شامل غامض. هل يُعمّق مصطلح "الاجتماعي-التقني" فهمنا للتكنولوجيا حقا، أم أنه مجرد طريقة مبالغ فيها لوصف "التكنولوجيا والبشر"؟ إن الإفراط في استخدام "الاجتماعي" قد يشوش التركيز، تاركا القراء يتساءلون عما إذا كانت الزاوية الاجتماعية جوهرية أم مجرد واجهة مزيفة.

في النهاية، إن عشق المثقفين "للاجتماعي" سلاح ذو حدين. إنه دليل على طموحهم في ربط أعمالهم، ووضعها في سياقها الصحيح، والارتقاء بها إلى ما هو أبعد من حدود الأبراج العاجية. فعندما يستخدم بذكاء، يضيف قيمة حقيقية، مسلطا الضوء على الخيوط الاجتماعية التي ينسجها كل تخصص. أما عندما يضاف بإهمال، فإنه لا يعدو أن يكون مجرد زينة لغوية، غلافا لامعا لأفكار قد لا نحتاج لها. وكما هو الحال مع أي أداة، تكمن قيمتها في كيفية استخدامها. في الوقت الحالي، لا تزال كلمة "سوسيولوجيا" مفضلة لدى المثقفين - بادئة تشكل، للأفضل أو للأسوأ، عناوين ومسارات البحث العلمي الحديث.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى