يوم عدنا من الحرب
لم تكن المدينةُ في انتظارنا
كانت قد أغلقت نوافذَها على آخر نفسٍ لنا
وتركت في الشوارع غبارَنا
كي تظنَّ الريحُ أننا مررنا من هنا.
عدنا بلا حرب.
هذه أولُ كذبةٍ قالها لنا الطريق.
كانت الحربُ قد سبقتنا إلى البيوت
جلست على الأرائكِ
شربت ماءَنا
قلّبت صورَ العائلةِ
ثم نامت في سريرِ أصغرِنا
بكلِّ هذا الهدوءِ الذي يليق بالقتلة.
أما نحنُ فكنّا نمشي خلفَ ظلالِنا
كلما التفتَ أحدُنا
وجدَ خوذتَهُ تمشي وحدها
وحذاءَهُ يعرجُ في الجهةِ الأخرى من العالم.
كان معنا رجلٌ أصابَهُ المَسُّ في المعركة،
حتى نَسِيَ اسمَهُ
فناديناهُ بأسماءَ كثيرةٍ حتى تعبنا.
قال: لا بأس،
يكفيني أن تتذكروا أنني كنتُ هنا.
لكن أحداً لم يعرف أين كان "هنا".
كان هنا بين طلقةٍ وأخرى،
بين قبرينِ لم يتعرّفا على بعضِهما،
بين دقيقةٍ تأخرت عن موعدها وساعةٍ عطِبة.
كان أيضاً معنا جنديٌّ يحمل في جيبِهِ مفتاحاً صدئاً.
سألناه: لأيِّ باب؟
قال: لا أعرف.
قلتُ: ربما لبابِ البيت.
فابتسم وقال: البيوتُ لا تحتاجُ إلى مفاتيحَ
بعد أن تعرفَ الحربُ طريقَها إليها.
ثم وضعَ المفتاحَ في فَمِهِ وسكت.
منذُ ذلك اليومِ وأنا أسمعُ الحديدَ حين يتكلمُ في الظلام.
يوم عدنا من الحرب
كانت أمي قد كبرت سنةً واحدةً وعشرين عاماً.
فتحتِ البابَ،
نظرت إلى وجوهنا
كما تنظرُ امرأةٌ إلى صورٍ خرجت من حريق.
لم تصرخ كعادتها.
قالت فقط: اغسلوا أيديَكم قبل أن تأكلوا.
ولم تسأل: من مات؟
لأن المائدةَ كانت تعرف.
وضعتِ الخبزَ أمامنا،
ثم أخذت تعدُّ الرغيفَ تلو الآخرِ كأنها تعدُّ أبناءَها.
رغيف.
رغيف.
رغيف.
وعندما وصلت إلى العددِ الأخيرِ توقفت.
كان هناك رغيفٌ زائد.
أكلناه جميعاً ولم نشبع.
في تلك الليلةِ عرفنا أن الجوعَ ليس في المعدة،
وأن بعضَ الموتى يعودون إلى البيتِ على هيئةِ شهية.
نمنا.
لكن الحربَ لم تنم.
كانت تحت الوسائدِ،
في أنفاسِنا،
في صوتِ الماءِ داخل الأنابيب،
وفي كلِّ شيءٍ لا يجرؤُ على أن يصمت.
