الأربعاء ٢ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

العين الثالثة

عند أطراف المقاطعة الأخيرة، حيث تتكئ الأبنية على أشباحها الخافتة ككائناتٍ هرِمة تحفظ سرّها في تصدعاتها القديمة، كان مقهى النافذة يستيقظ قبل انبثاق الفجر بقليل، يستدرج الصباح استدراجًا خفيًا. هناك، تتخثّر الأحاديث في الهواء: الشعر، وانبثاق الصورة من العتمة، وصنعة السياسة، وغموض الافتتان في حضور المرأة، وعِلّة الوجود؛ وكلّ فكرة تترك أثرًا كندبةٍ في الجدران.

كانا يتقاطعان يوميًا في زاويةٍ لا يطالها الضجيج كاملًا؛ خطّان لا يلتقيان إلا ليختلفا.

رافد، الذي يكتب كما لو أنه يخفي شيئًا لا يريد له أن يُفهم سريعًا، يترك الكلمات تنضج في ملاذها المظلم، كأنها تحتاج أن تعمى قليلًا قبل أن تُبصر. وسامي، الذي يرى العالم فائضًا عن حدّه، فيحاول أن يلتقطه قبل أن يتبدّد، كأن الأشياء لا تتوضح إلا إذا صارت أثرًا مرئيًا.

بينهما مسافةٌ غائرة تتسع كلما ظنّا أنها تضيق.

في مساءٍ لم يختلف عن سواه، مدّ سامي يده إلى كراسة رافد، كمن يلامس شيئًا قد ينفلت منه. قال إنه يريد أن يرى ما لا يُرى. لم يكن السؤال مباشرًا، ولا الجواب كذلك؛ كان بينهما مراوغةٌ شفافة: القصيدة ليست نافذة، لكن العالم كلّه قابل لأن يُرى من ثقبٍ صغير، وبعض الثقوب لا تُفتح إلا من الداخل.

بعد أيام، حمل سامي معه لوحة، نصبها أمام رافد حجةً قاطعة لا تقبل النقض. كان طريقًا ممتدًا، واضحًا أكثر مما ينبغي، ينتهي إلى بابٍ معلّقٍ في العدم.

قرأ رافد من كراسته:

أمشي

ولا أبلغ الخطوات،

كأن الطريق يبدّل مكانه كلما اقتربتُ منه.

توجّه اعتراضه إلى ما ثبّتته اللوحة. الطريق في النص ينفلت، يتراجع، يتبدّل؛ أما هنا فقد أُمسك به، وصار شيئًا يمكن الإشارة إليه. سامي أقرّ بأن التثبيت نفسه فعلُ رؤية. لكن رافد يرى أن ما يُثبَّت يُفقد، وأن المعنى حين يُحاصر يفقد قدرته على التواري.

ومن هناك، بدأ التباعد يتخذ شكلًا.

تحوّل النقاش بينهما إلى انكشافٍ لطريقتين في إدراك الشيء ذاته: واحدٌ يكتب ليُبقي الباب مفتوحًا للرأي، وآخر يحاول أن يفتح الباب حتى لو لم يكن موجودًا.

وفي اليوم التالي، ظهرت في اللوحة امرأة عند ضفاف بحرٍ معتم، تمسك زمنًا مكسورًا بيدها.

قرأ رافد:

لم تكن تنتظر أحدًا،

كانت تنتظر اللحظة التي يسقط فيها الانتظار من قلبها.

هذه المرّة تركّز اعتراضه على التجسيد؛ الكلمة التي بدت عابرة في القصيدة تحوّلت إلى جسد. سامي يمنح الغموض هيئةً، بينما رافد يحاول أن ينزع عن الهيئة يقينها.

الصمت الذي تلا ذلك كان امتلاءً بشيء لم يُقَل.

اقترح أبو رائد، بصوته الذي يشبه حافةً ملساء، أن يذهبا إلى يوسف؛ الرجل الذي يكتب ليترك ما يكتبه يضيع، كأن الفكرة عنده لا تنضج إلا حين تفلت من صاحبها.

عند يوسف، لم تُحسم المسألة، بل تغيّر موضعها؛ انتقل الاهتمام من تحديد المخطئ والمصيب إلى البحث عن المنطلق الذي يبدأ منه المعنى حين يُترك.

قال يوسف، دون أن يرفع نظره كاملًا:

إن ما يكتبه الأول ليس له بعد أن يُكتب، وما يراه الثاني ليس له قبل أن يراه.

وبين الفقدين، يتكوّن شيء لا يخصّ أحدًا.

بدت الجملة أزاحت مركز النزاع دون أن تحلّ شيئًا.

في الغداة، جاءت اللوحة الثالثة: حلقة سوداء، وفي قلبها بياض صغير، كأن الدكنة تترك ثقبًا تتنفس منه.

قرأ رافد:

في آخر الليل

لم أجد نجمة،

وجدت ثقبًا صغيرًا

يتنفس في العتمة.

هذه المرّة، بحث عن الأثر وتجاوز الاختلاف. شيءٌ ما في اللوحة لم يشرح القصيدة، ولم يخالفها؛ كان يلامسها من جهةٍ لا تُرى. ولأول مرة، غابت عنهما رغبة الانتصار.

حين افترقا، غاب الاتفاق وحلّ محلّه إدراكٌ جازم بأن كليهما يرى شيئًا ما، وأن هذا الاختلاف نفسه هو ما يسمح للرؤية أن تستمر.

بقي يوسف وحده؛ اعتاد أن يرى الأشياء وهي تغادر أصحابها. نظر إلى اللوحة، ثم إلى الكلمات التي لم تعد تخصّ كاتبها، وتمتم بشيء لم يُسمع كاملًا، كأن المعنى نفسه لم يُرد أن يُقال.

في صباحٍ آخر، عاد رافد بنصٍّ آخر، وكان سامي قد سبقه بلوحةٍ لم تتضح معالمها بعد. جلسا ليتركا المسافة تعمل، دون تحاور. وبينهما، كان يوسف يقلّب فنجان قهوته ببطء، كأن في قاعه ما لا يُرى، أو كأن الرؤية الثالثة تتخلّق في الصمت وتُستدرج استدراجًا خفيًا.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى