يمنٌ واحدٌ.. مستقبلٌ واعد
أخذَكَ الزمنُ إلى محرابِ الغيابِ رهيناً،
فأخرستَ البيانَ ساعةَ النداء.
لكنّكَ وثبتَ... لا تلينُ لكَ قناةٌ، ولا تنحني هامةٌ،
تُخاصمُ الدهرَ وتُغالبُه،
وتناطحُ الخطوبَ وتقهرها... فتتحطّمُ على أعتابِكَ لا عليك.
يَدٌ تُعطي من عَدَمٍ فتُخجلُ الغمام،
وقلبٌ يتّسعُ للنازحِ والمغتربِ قبلَ القريب.
أنتَ حيٌّ فينا؛
إن سكنّاكَ... مِتنا جوعاً في حشاك،
وإن هجرناكَ... مِتنا شوقاً إلى ترابك.
هنا... دمعةُ أُمٍّ حضرميةٍ تحترقُ على خدِّ وطنٍ خذلها،
وما خذلَتهُ يوماً.
ولستَ تراباً يُقاسُ بميزانِ الساسةِ وصغارِ الطموح،
أنتَ نخلةٌ تهاميةٌ صلبة، أصلُها في صخرِ التاريخِ راسخٌ،
وفرعُها في كبدِ السماءِ لا يُطال.
وفي شبوة... أنتَ ذهبٌ مصفّى في كفِّ صائغٍ حاذق،
وإن حَسِبَكَ الجاهلُ غُباراً، فالعيبُ في عينهِ لا في تِبرِك.
وفي سماءِ البيضاءِ لا يضيقُ بكَ نجمٌ طالع،
ولا رجاءٌ مؤجّلٌ في غيبٍ عصيّ،
مذ سألتْ بلقيسُ الهدهدَ عن ملكٍ أعظمَ من ملكها.
أنتَ زرعُ ذمارَ الطيَّب،
يُثمرُ في سنينِ الجدبِ العِجاف،
ويُظلّلُ في الهواجرِ على الظمأ،
ويُعلّمُ الصبرَ أن يكونَ شجرةً لا تميلُها الرياح والعواصف.
والسلالمُ المعلّقةُ في إبّ... معارجُ أرواحٍ ارتقتْ
على أكفِّ الغيمِ... قبلَ الحديدِ والأسمنت.
بابُ صنعاءَ القديمةِ لو نطقَ لَأخبرك
كم عبرتْ قوافلُ اللبانِ من تحتِ أقواسهِ العتيقةِ وهي محملةٌ بالتاريخ.
وبحرُ عدنَ الطهورُ يغسلُ أوجاعَ الدنيا ثمّ يعودُ نقياً فراتاً،
يومَ كانتِ السُّفُنُ تؤمُّهُ من كلِّ فجٍّ عميق.
وفي جبالِ تعزَ... حيث غرستَ الأعلامَ والناسُ تشدو لأيوب،
وفي أسواقها سَمِعتَ الباعةَ يهتفونَ بالحياةِ من تحتِ الرماد ويرقصون،
فعرفتَ أنّ الصوتَ الحيّ لا تموتُ نبرتُهُ برصاصة.
أما حصونُ حجةَ وشبامَ وكوكبانَ... فَسِجِلٌّ نُقِشَ بعرقِ الأولين،
يومَ كانتِ القلاعُ تُشادُ بعبقريةٍ تزدري المستحيلَ وتطأُ السحاب.
فأَيُّ خطبٍ دهى هذه البلدةَ الطيبة؟
حتى غدتِ الحربُ حرفةَ العاطل،
والمواطنةُ مِنّةً تُمنُّ على من دفعَ العمرَ مهراً:
استبدَّ الخوفُ بالأمنِ فتوارى خجلاً،
وبِيعتِ الألفةُ في مزادِ الخصام،
فأمسى القربُ ريبةً، والبعدُ نجاة.
يا شجرةَ دمِ الأخوينِ العجيبةِ في سقطرى، ويا أشجارَ المهرةِ الوارفة،
إن أردتَ مستقبلاً يغسلُ عارَ هذا الحاضر،
فانْهَضْ بالنشءِ بالعلمِ... لا بحبرِ الورقِ والخطابات،
وأقمِ الميزانَ بكفٍّ عادلةٍ يرتعدُ منها الظالم.
أعدِ المشفى قُبلةَ حياة،
لا مقبرةً مؤجلةً على سريرِ الانتظار.
وليعدِ الرزقُ سيلاً يفيضُ من أوديةِ صعدة المعطاءة،
بِكراً... قبلَ أن يتقاسمهُ اللصوص.
فإن لم يعدْ زمنُكَ "سعيداً" كما رُوِيَ في غابرِ الأزمان،
فكنْ أنتَ اليمنيَّ الذي لا ينكسر،
كما لم ينكسرْ سدُّ مأربَ إلا حينَ خانتهُ السواعدُ... لا المياه.
فوقَ أرضِ سبأ وحمير، حياةٌ تُحتَمَلُ بكرامةٍ،
أبقى من حياةِ الرغد في منافٍ باردةٍ بعيدة.
كنْ جذعاً في أرضكَ يُقطعُ ولا ينحني،
ولا تكنْ غصناً في أرضِ غيرِكَ... يُثمرُ لسواك.
اليمنُ أنتَ... فإن قمتَ، قامَ بك واعتدل،
وإن غفا يوماً...
فسيوقظهُ صوتُ طفلٍ عدنيٍّ،
يقول لأمّهِ بحب: "غداً نضحك يا أمي... غداً نحتفل".
