الاثنين ٥ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦
بقلم هاني غيلان عبد القادر

مضى مع الله

جلس أحمد في آخر القاعة، وفي يده ورقة بيضاء.

كانت زوجته نور — التي كان يناديها «رحمة» في أوراق المحكمة — أمامه بمقعدين، ترتدي الحجاب الأسود، وتضع حقيبتها السوداء إلى جوارها. لم تلتفت إليه منذ دخلت.

كان القاضي يقلب أوراق الملف بملل الموظف الذي رأى الحكاية نفسها مئات المرات، وإن اختلفت الأسماء. كان صوت تقليب الأوراق أوضح من أي شيء آخر في القاعة؛ ورقة تُرفع، وأخرى تُقلب، ثم صمت قصير يشبه انتظار حكم يعرف الجميع أنه قادم.

رفع القاضي عينيه وقال:

— هل ما زلت مصرًّا على رفض الطلاق؟

رفع أحمد عينيه إلى نور.

للمرة الأولى منذ أشهر، التقت عيناهما.

لم يجد في وجهها المرأة التي أحبها، بل المرأة التي ظل يطاردها في المحاكم. وجه متعب، يائس، كأن السنوات الأخيرة مرّت عليه دفعة واحدة. ظل ينظر إليها لحظة أطول مما ينبغي، كأنه يبحث في وجهها عن شيء ضاع منه منذ سنوات.

قال:

— لم أعد مصرًّا على شيء.

رفع القاضي رأسه مستغربًا:

— ماذا تقصد؟

وضع أحمد الورقة أمامه وقال بصوت هادئ:

— موافق على الطلاق يا سيادة القاضي... ولكن أستأذنك أن تبلّغها هذه الورقة لتقرأها قبل تنفيذ القرار. أو أن تسمح لي بقراءتها.

قال القاضي:

— تفضل. اقرأ وأوجز.

نظر أحمد إلى الورقة.

ارتجفت أصابعه قليلًا.

ثم بدأ:

«زوجتي نور،

تعلمت مؤخرًا أن الخسارة الحقيقية هي أن يعتقد الإنسان أنه واقع في حب امرأة، ثم لا يكتشف إلا بعد فوات الأوان أنه لم يكن يحبها بقدر تعلقه بانعكاس صورته في مرآتها.

أظن أنني كنت واحدًا من هؤلاء.

حتى اكتشفت أننا لا نفقد الأشياء لأنها غابت، بل نفقدها حين نكفّ عن رؤيتها بقلوبنا.

أحيانًا يمر بنا الوقت كأنه نهر هادئ، يجر معه أجزاءً صغيرة منا دون أن نشعر. نتطلع إلى الوراء، فنكتشف أن ما أردنا الاحتفاظ به لم يكن الأماكن ولا الأسماء، بل تلك اللحظات البسيطة التي كنا فيها حاضرين بكل جوارحنا.

ولعل القوة الحقيقية لا تكمن في الصخب والضجيج، بل في ذلك السكون الذي يأتي بعد أن نفهم.

زوجتي نور؛

عندما عرفتك في الجامعة، لم أحبك وحدك؛ أحببت صورتك التي كانت تشبهني.

كنتِ تحفظين ما أحفظ، وتقرأين ما أقرأ، وتفكرين كما أفكر، وتتحمسين للأشياء نفسها. كنت أراكِ فأرى نفسي أكثر وضوحًا، وكان ذلك أكثر ما أعجبني فيكِ.

كنت أظن أنني وجدت امرأة تفهمني، ولم أنتبه إلى أنني وجدت امرأة توافقني فقط.

كانت الجامعة في ذلك الوقت تبدو أصغر من أن تتسع لكل أحلامي.

في المساء، كنت أجتمع مع مجموعة من الإخوة في غرفة صغيرة نسميها «حلقة»: سجادة عريضة، مصاحف موضوعة فوق بعضها، إبريق ماء، فاكهة، كتب دينية، وستارة بيضاء تتدلى من مسمار صدئ.

كنا في الحلقة نقرأ ونضحك ونتنافس ونتعارك ونتناقش. كانت الغرفة تضيق برائحة عرقنا أحيانًا، فنفتح النافذة، ويدخل منها هواء المساء وأصوات المارة في الشارع، ثم نعود إلى حديثنا كأن العالم كله خارج تلك الغرفة لا يعنينا.

هناك حفظنا القرآن، وتدارسنا كتب الشيوخ، ورتبنا الزيارات، وخرجنا في أنشطة كثيرة. كنا نشعر أننا نملك أشياء لا يملكها الآخرون. لم نكن نسميها غرورًا؛ كنا نسميها هداية أو يقينًا.

كنتِ يا نور تأتين إلى الغرفة المجاورة، «حلقة الأخوات»، أحيانًا مع أخيك الأصغر، وأحيانًا مع مجموعة الطالبات.

في أول مرة سألتكِ عن كتابين كنتِ تحملينهما، قلتِ لي:

— هل قرأتهما؟

أجبت:

— النصف.

فضحكتِ وقلتِ:

— إذن لم تقرأهما.

فضحكت وأنا أقول:

— الصدق أنني لم أقرأهما بعد.

كانت تلك أول مرة نضحك فيها معًا.

أذكر ضحكتك أكثر مما أذكر الكتابين.

بعدها صرت أراقب حضورك وأتحين الفرص للالتقاء بك. أعرف المقعد الذي تجلسين عليه في الجامعة. أعرف أنك لا تطيقين الكذب، ولا تطيقين رائحة السجائر. أعرف أنك تشربين الشاي بلا سكر، وأنك حين تختلفين مع أحد تخفضين صوتك ثم تنسحبين.

كنت أرى في تلك التفاصيل الصغيرة علامات أنكِ «مناسبة»، ولم أسأل نفسي يومها: هل أنا أيضًا مناسب؟

تزوجنا بعد سنوات قليلة.

مرت شهور جميلة لم تكن بيننا خلافات. كنا نتحدث عن الكتب والأصدقاء والسياسة والأهل والأولاد، ونخطط للمستقبل كما لو أن العالم ينتظرنا.

كنت أظن أننا متشابهان إلى الحد الذي يجعل اختلافنا مستحيلًا.

ثم جاء اليوم الذي تغير فيه كل شيء.

اعتُقلت ذات ليلة.

جاءوا بعد منتصف الليل.

ضربة قوية على الباب.

ثم أخرى.

ثم ارتجاف المقبض.

أتذكر صوتكِ وأنتِ تصرخين:

— زوجي! زوجي!

ثم الأرض.

ثم الضرب.

ثم الباب وهو يُصرَع.

في السجن، اكتشفت أن الإنسان يستطيع أن يعتاد أشياء كان يظن أنه سيموت إذا حدثت له: التعذيب، الألم، الجوع، الظلام، الازدحام، الرطوبة.

في الأيام الأولى كنت أعدّ الأيام.

بعد ذلك صرت أعدّ الجروح.

ثم لم أعد أعدّ شيئًا.

لكن الشيء الذي لم أستطع الاعتياد عليه كان السؤال الذي بدأ يأكلني من الداخل:

لو كنا على الحق، فلماذا يحدث هذا؟

ثم صار السؤال:

لو كان هذا الدين هو الحق، فلماذا يحدث هذا؟

صرت لا أفكر إلا في الانتقام، وكأن التعذيب كان يوقظ في صدري وحشًا.

كلما كرهت العالم ازداد شعوري بأنني مؤمن، وكلما ازداد تطرفي وعداوتي للعالم ازداد شعوري بأنني على صواب.

كنت أظن أن الغضب نار الإيمان.

ولم أفهم يومها معنى قوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾. لم أفهم أن نار الانتقام كانت تحرقني أنا قبل العالم.

بعد سنتين خرجت من السجن لا كما دخلت.

كان ذلك الوحش هو الشيء الوحيد الذي ربيته معي.

وعند خروجي وجدتك تنتظرينني أمام المعتقل.

احتضنتك طويلًا وبكينا.

لم أسألكِ كيف عشتِ، ولم تسأليني ماذا حدث لي.

ظننت أن البيت سيعيد ترميمي.

لكن الأشياء التي تنكسر في الداخل لا تعود إلى أماكنها بمجرد العودة.

مرت الأسابيع ثقيلة وباردة، والجدار بيننا يتسع، حتى جاء يوم وقفتِ فيه أمامي وقلتِ بصوت منكسر:

— أريد الطلاق يا أحمد... لم أعد أحتمل هذا الجفاف. هناك شخص آخر دخل حياتي حين كنتُ وحيدة ومحطمة.

كان وقع الجملة أشد عليّ من كل ما مررت به في السجن.

شعرت أن الحصن الأخير سقط فوقي.

لم أطلقكِ وقتها، ولم أكرهكِ؛ لأنني كنت ممتلئًا بالكراهية أصلًا، وكل ما كنت أفتقده هو الحب.

رفضت الطلاق لأنني خرجت بقلب يريد أن يمسك بأي شيء كي لا يهوي، فأمسكت بكِ. وكنتِ أضعف من أن تستندي عليّ، أو أستند عليكِ.

ثم بدأنا نذهب إلى المحكمة.

جلسة وراء جلسة.

وسنة وراء سنة.

كنت أقول إنني أحبك ولن أسمح لأحد أن يأخذكِ مني، كأن «لا» يمكن أن تكون اسمًا آخر للحب.

بينما كنت في الحقيقة لا أحبك بقدر ما أحاول ألا أعترف بهزيمة أخرى.

لو كنت أحبك فعلًا، لما جعلت سنواتك الأخيرة امتدادًا لمعاناتي وسجني.

الذي يحب لا يؤذي، ولا يجرح، ولا يضع قيدًا على من يحبه.

اكتشفت شيئًا آخر، أخطر:

كنت أظن أنني أحب ديني وأحميه، لكنني ربما كنت أحمي صورتي المثالية فقط.

أنا الأفضل.

الأتقى.

الأذكى.

ولم أنتبه إلى أن «الأنا»، وإن ارتدت ثوب قديس، تظل في الحقيقة «أنا».

ورأيت كيف يمكن للقمع أن يحوّل الإنسان إلى وحش.

رأيت من خرج من السجن وهو يلعن الدين ولا يريد أن يسمع اسم الله، ومن خرج وهو يريد أن يحرق العالم كله باسم الله.

وبين الاثنين كنت أرى نفسي.

كنت أريد أن أكون على حق وصاحب رسالة، أكثر مما كنت أريد أن أكون إنسانًا.

والآن يا نور...

لم أعد أريد لا هذا ولا ذاك.

أريد فقط أن أتعلم كيف أحب الأشياء كما هي؛ وأن أحب شيئًا فلا أحوّله إلى مرآة لي.

أعتذر لكِ أمام الجميع؛ ربما لم أفهم الحب يومًا.

ربما لم أحبكِ يومًا.

فمن يحب بصدق لا يحتاج إلى إخضاع أحد كي يثبت ذاته، ولا إلى قتال أحد ليثبت قوته.

نور...

أنتِ حرة.

أنتِ طالق.

ليس لأنني أكرهك، بل لأنني بدأت أفهم الفرق بين الحب الحقيقي الذي أمر به الدين الحنيف، وبين حب السيطرة والسلطة والتملك.

سامحيني.

سامحتك.

﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾

من الآن أنتِ حرة.

في أمان الله.»

سمعت نور الرسالة حتى نهايتها.

لم تفرح.

لم تحزن.

بقيت عيناها المغرورقتان بالدموع معلقتين بالأرض طويلًا، ثم طوت معاملاتها وأوراقها ببطء، وحملت حقيبتها ورحلت بصمت، كما لو أنها تطوي معها عمرًا كاملًا لم تعد تعرف كيف ينتهي.

رفع القاضي عينيه نحو أحمد، ثم إلى الملف.

وقال بصوت حزين:

— انتهت الجلسة.

خرج أحمد من المحكمة.

كان الهواء في الخارج أخف مما توقع.

تنفس بعمق، وبهدوء لم يعهده منذ سنوات.

شعر بأنه لم يمنح نور حريتها فحسب؛ كان هناك شيء آخر انفتح في داخله، شيء لم يعرف له اسمًا.

مشى بين الناس بثبات وسكون.

لا زوجة يطاردها.

لا قضايا.

لا جماعات تحتكر الله.

لا خصوم يقتتل معهم.

كانت المدينة تمضي حوله كعادتها: سيارات، باعة، أصوات، وجوه عابرة.

وللمرة الأولى لم يشعر أنه في مواجهة معها.

ابتسم لفقير مرّ إلى جواره، وأعطاه مئة ريال.

ثم أخذ يلعب مع طفل كان يحمل كرة.

ثم تابع سيره.

قال في نفسه:

لا عدو بعد الآن.

لا شيء يستحق.

الحياة قصيرة.

واصل المشي.

كان خفيفًا على نحو غريب، كأن شيئًا ظل مربوطًا إلى صدره سنوات طويلة ثم انقطع أخيرًا.

ولأول مرة منذ زمن، لم يكن يبحث عن أحد ليحاربه، ولا عن أحد ليقنعه، ولا عن أحد ليملكه.

كان يبتسم فقط.

وحين رفع رأسه إلى السماء، لم يطلب شيئًا.

لأول مرة، شعر أن بينه وبين الله مسافة أقل من أي وقت مضى.

ومضى، مع الله.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى