أثرٌ من الذاكرة
قراءة نقدية في عمل الفنان التشكيلي فائق العبودي
ليست كل الأشياء التي نحتفظ بها في ذاكرتنا متشابهة؛ بعضُها يأتي من طفولة بعيدة، وبعضها من كتب قرأناها، وبعضها من أمكنة مررنا بها، وبعضها لا نعرف حتى متى استقر في داخلنا. ومع مرور الزمن، تختلط هذه الأشياء بعضها ببعض، فلا تعود الذاكرة صندوقًا مرتبًا، بل تصبح مساحة تتجاور فيها أزمنة مختلفة، وصور متباعدة، وأصوات فقدت سياقها الأول. أمام هذا العمل للفنان فائق العبودي، أشعر أنني أقف أمام ذاكرة من هذا النوع.
فهو عمل يبدو، للوهلة الأولى، كأنه بقايا شيء قديم: ألواح متجاورة، سطح متآكل، كتابة غامضة، وألوان أصابها الزمن. لكن العين كلما اقتربت تكتشف شيئًا آخر لا علاقة له بالخراب وحده.
تكتشف اللون، وتكتشف اللعب، وتكتشف أن الماضي، مهما بدا بعيدًا وثقيلًا، يمكن أن يحتفظ في داخله بطفل لم يغادره تمامًا.
وهنا تبدأ فرادة العمل: ليس أثرًا واحدًا، بل ذاكرة من شظايا. التكوين نفسه يقوم على فكرة التجاور.
ليست أمامنا كتلة واحدة مغلقة، وإنما مجموعة من الأجزاء تبدو كأنها تجمعت بعد انفصال طويل.
جزء في اليسار، وآخر في اليمين، ولوح صغير في الأعلى، ومساحة لونية في الأسفل، وكل جزء يحمل شخصيته الخاصة، ومع ذلك، لا تبدو هذه الأجزاء غريبة عن بعضها. كأن بينها تاريخًا مشتركًا، وهذا ما يجعل العمل قريبًا من الذاكرة أكثر من قربه من الصورة التقليدية. فالذاكرة لا تحتفظ بصورة واحدة متصلة؛ إنها تجمع الشظايا: صورة هنا، كلمة هناك، لون من طفولة بعيدة، أثر من حضارة قديمة، ثم فجأة تتجاور الأشياء التي لم يكن من المفترض أن تلتقي، وهذا بالضبط ما يحدث في هذا العمل.
إن فائق لا يبني سطحًا متجانسًا، بل يبني ذاكرة مرئية.
الكتابة التي لا تريد أن تُقرأ
في أعلى العمل تظهر مساحة ذات لون أصفر باهت تحمل علامات تشبه الكتابة القديمة.
لكن هذه الكتابة لا تتقدم إلينا بوصفها نصًا ينبغي فكّه؛ إنها أقرب إلى أثر الكتابة، وهذا فرق مهم. فحين نعجز عن قراءة العلامات، لا نشعر بالضرورة أنها صامتة؛ على العكس، قد نشعر بأنها تتحدث بطريقة أخرى. إنها تقول لنا إن أحدًا كتب هنا، وأن يدًا بشرية تركت أثرها، وأن هناك رسالة كانت موجودة حتى لو لم يعد بإمكاننا الوصول إليها. وهكذا تصبح الكتابة في العمل ذاكرة للغة نفسها؛ ليست الكلمات هي التي بقيت، وإنما شكل الكلمات.
وكأن الفنان يقول لنا إن الإنسان قد يفقد القدرة على قراءة ماضيه، لكنه لا يفقد تمامًا الرغبة في البحث عنه.
نحن نرى العلامات، ونحاول أن نتخيل ما وراءها، وربما هذا هو دور الفن أيضًا: أن يعيد إلينا الأسئلة التي لم يعد لدينا مفاتيح لإجابتها.
ثم يأتي اللون. في أسفل العمل، وسط هذا العالم الترابي المعتق، تظهر مجموعة من المربعات الصغيرة الملونة. وهنا تحدث المفاجأة؛ فالعمل الذي كان يمكن أن يظل أسيرًا لأجواء الأثر والقدم والخراب، يفتح فجأة نافذة على عالم آخر.
ألوان صريحة، متجاورة، تكاد تستعيد في العين شيئًا من ألعاب الطفولة ودفاتر التلوين وألعاب التركيب. وهذا العنصر ليس تفصيلًا ثانويًا؛ إنه في رأيي قلب العمل الخفي؛ لأن الفنان يضع الطفولة بجوار الأثر.
اللعب بجوار الكتابة، اللون بجوار التراب، والحاضر بجوار الماضي، كأن الذاكرة الإنسانية لا تعرف الحدود التي نفرضها نحن عليها.
فالطفل الذي كان يلعب بالألوان قد يكبر ليقف أمام آثار الحضارات القديمة، لكنه لا يتخلى تمامًا عن ذلك الطفل. وهكذا تصبح المربعات الملونة أكثر من عنصر زخرفي؛ إنها الجزء الذي ما زال حيًا داخل الذاكرة.
بين اللوح واللعبة
وهنا يمكن أن نصل إلى واحدة من أجمل مفارقات العمل.
الشكل العام يذكرنا بالألواح القديمة، لكن ترتيب الألوان في الأسفل يمكن أن يستدعي في الوقت نفسه لعبة أو لوحة تعليمية أو مربعات طفولية. وهذا التجاور يجعلنا نسأل: أين ينتهي التاريخ وتبدأ الطفولة؟
ربما لا ينتهي أحدهما. فالإنسان الذي كتب على الطين أو الحجر كان طفلًا في وقت ما، والإنسان الذي يلعب بالألوان اليوم هو نفسه الذي سيترك أثرًا غدًا، وبين الاثنين تتصل الحكاية.
من هنا يبدو العمل وكأنه يضع الحضارة والطفولة في مستوى واحد: كلاهما يبدأ بمحاولة الإنسان أن يترك علامة.
الطفل يرسم خطًا، والإنسان القديم يحفر علامة، والفنان يفعل الشيء نفسه، لكن بأدوات عصره.
ثلاثة أزمنة، وفعل واحد: أن تقول «كنت هنا».
السطح كجسد عاش طويلًا
لا يمكن النظر إلى هذا العمل من دون التوقف عند ملمسه.
السطح خشن، كثيف، ومحمّل بآثار تشبه التآكل. لا يبدو كأنه جلد ناعم تُعرض عليه الألوان، بل كأنه مادة عاشت طويلًا قبل أن تصل إلينا.
وهذا يمنح العمل حضورًا يتجاوز الصورة؛ نحن لا نرى فقط، بل نشعر تقريبًا أننا نستطيع أن نلمس. وهذه الخشونة تؤدي دورًا أساسيًا؛ لأنها تجعل الأثر يبدو ماديًا وحاضرًا.
فالزمن في هذا العمل ليس موضوعًا مرسومًا، وإنما مادة.
إنه موجود في خشونة السطح، وفي اختلاف الطبقات، وفي الحواف غير المنتظمة، وفي الطريقة التي يبدو بها اللون كأنه علق بالمادة بدل أن يستقر فوقها.
وهذا ما يجعل العمل مقنعًا في استحضاره لفكرة القدم؛ إنه لا يقول: «انظروا إلى شيء قديم»، بل يجعلنا نشعر أننا أمام شيء مرّ عليه الزمن.
الجزء الأبيض: المساحة التي لم تكتب بعد
في الجهة اليمنى مساحة فاتحة تكاد تخلو من العلامات مقارنة ببقية العمل.
وهذه المساحة مهمة بقدر أهمية المناطق المزدحمة.
ففي حين تتراكم العلامات والآثار والكتابة والألوان في أجزاء أخرى، تترك هذه المساحة شعورًا بالصمت، كأن هناك جزءًا من الذاكرة لم يُكتب بعد، أو جزءًا منها مُحي، أو صفحة تركها الفنان عمدًا خارج الحكاية. وهذا الفراغ النسبي يمنع العمل من أن يتحول إلى سطح مكتظ لا يسمح للعين بالتنفس، لكنه يؤدي وظيفة أعمق أيضًا: يذكّرنا بأن ما لا نعرفه عن الماضي أكبر مما نعرفه.
هناك دائمًا مساحة بيضاء في الذاكرة، شيء لا نستطيع استعادته، شيء حدث، ثم اختفى، ولم يترك وراءه علامة كافية.
العمل لا يعيد الماضي، بل يضع الأزمنة جنبًا إلى جنب
قد يكون من الخطأ أن نبحث في هذا العمل عن زمن واحد؛ إنه لا ينتمي إلى الماضي وحده.
فيه ما يستدعي الحضارات القديمة، وفيه ما ينتمي إلى الحس المعاصر، وفيه شيء من عالم الطفل. وهذه الأزمنة لا تتصارع، بل تتجاور، وهذا التجاور هو أحد أسباب قوة العمل.
فالفنان لا يقول إن الماضي أفضل من الحاضر، ولا إن الطفولة أجمل من النضج، ولا إن الحضارة القديمة ينبغي أن تعود. إنه يفعل شيئًا أكثر تعقيدًا وأقل مباشرة: يجعل الأزمنة تعيش في اللحظة نفسها. وهذه، في النهاية، طبيعة الذاكرة؛ فالماضي لا يعيش خلفنا تمامًا، إنه يعيش معنا. قد يظهر في لون، أو كلمة، أو لعبة، أو رائحة، أو شكل لا نعرف لماذا يبدو مألوفًا.
الحجر ليس ميتًا
ثمة شيء آخر يلفت النظر في طريقة تقديم العمل: إنه قائم على قاعدة حجرية، وكأن القطعة نفسها خرجت من الأرض ثم توقفت فوقها. وهذا يمنح العمل علاقة جميلة بين الشيء وقاعدته، كأن الأثر يستند إلى الأرض التي جاء منها.
لكن المفارقة أن القاعدة ليست مجرد حامل للعمل؛ إنها تكمل معناه. فالعمل يبدو كشيء نجا من الأرض، ثم وُضع أمامنا لكي نراه. وهنا تتحول القاعدة إلى امتداد لفكرة الذاكرة: الأرض تحفظ، والفن يستخرج ما حفظته.
ما الذي يقوله الفنان لنا؟
ربما ليس من الضروري أن نسأل ماذا أراد الفنان أن يقول؛ لأن العمل الأقوى هو الذي يتجاوز نية صاحبه إلى ما يوقظه فينا. لكن إذا أردنا أن نستخرج من هذه التجربة سؤالًا مركزيًا، فقد يكون:
كيف نحتفظ بما نحن عليه بينما تتغير الأشياء من حولنا؟
الطفولة تتغير، المدن تتغير، اللغات تتغير، الحضارات تتغير، حتى وجوهنا التي نعرفها تتغير. لكن شيئًا ما يبقى؛ قد يكون لونًا، أو علامة، أو لعبة، أو كلمة لم نعد نفهمها، أو مجرد إحساس غامض بأننا رأينا هذا الشيء من قبل.
والفن، في هذه الحالة، لا يكون مجرد صناعة صورة جميلة، وإنما يصبح وسيلة لاستعادة ذلك الشيء الغامض الذي كدنا نفقده.
حين تصير الذاكرة لعبة
ربما أجمل ما في العمل أن فائق لا يتعامل مع الذاكرة بوصفها شيئًا حزينًا فقط.
ثمة في اللوحة خراب، نعم. لكن ثمة أيضًا ألوان، وثمة لعب، وثمة حياة، وهذا ما ينقذ العمل من الوقوع في رثاء الماضي.
فالماضي ليس مقبرة، إنه أيضًا مكان كانت فيه حياة، وكان فيه أطفال، وكانت فيه ألوان، وكان فيه إنسان يرسم، ويحفر، ويكتب، ويلعب.
ولهذا فإن المربعات الملونة في أسفل العمل لا تبدو دخيلة على الأثر القديم، كما قد توحي النظرة الأولى، بل ربما تكون هي الجزء الذي يكشف معناه الحقيقي. إنها تذكرنا بأن الحضارة نفسها بدأت ذات يوم من فعل بسيط يشبه اللعب: إنسان وضع علامة إلى جوار علامة، ولونًا إلى جوار لون، ثم اكتشف أنه يستطيع أن يصنع عالمًا.
خاتمة: نحن أيضًا آثار مؤجلة
في النهاية، يبدو هذا العمل أقل تعلقًا بالماضي مما يبدو في البداية؛ إنه يتحدث عن حاضرنا أيضًا. فنحن جميعًا نعيش بين أشياء تركها السابقون، ونترك وراءنا أشياء سيأتي آخرون ليراها. كل كلمة نكتبها، وكل صورة نصنعها، وكل لون نضعه في مكانه، قد يتحول يومًا ما إلى أثر. وهكذا يصبح العمل أكثر من تأمل في الحضارات القديمة.
إنه تأمل في مصير الإنسان نفسه.
ماذا سيبقى منا حين تذهب التفاصيل؟ ربما لا يبقى إلا أثر صغير، لون، علامة، جزء من صورة، شيء لا يعرف من يعثر عليه قصته كاملة، لكنه يشعر، بطريقة ما، أن وراءه إنسانًا كان هنا. وهنا تلتقي الكتابة باللون، والطفولة بالتاريخ، واللعب بالأثر.
فكلها محاولات مختلفة لمقاومة الاختفاء، ولهذا لا أرى هذه اللوحة بوصفها مجموعة من الأجزاء المتجاورة، بل بوصفها ذاكرة واحدة تكسرت ثم أعادت ترتيب نفسها.
ذاكرة لا تريد أن تستعيد ما كان كما كان، وإنما تريد أن تقول إن ما مضى، رغم انكساره، لم يختفِ تمامًا.
وفي أسفل كل هذا الثقل التاريخي، تحت الكتابة والطبقات والسطوح المعتقة، تظل المربعات الملونة الصغيرة حاضرة. كأن طفلًا ما، بعد آلاف السنين، ما زال يملك قلمًا.
وما زال يرسم. وما زال يقول لنا: كنت هنا.
