ما تحت الأرصفة
أعتقد أن الطريق يُستهلك بالسير، وأن الأرصفة مجرد مساحات صماء لا تحتفظ بشيء. لكن في أحد الصباحات، وحين لامست قدمه حجراً صغيراً عند حافة الشارع، أحسّ بصدعٍ خفي ينفتح في أعماقه.
توقّف.
بدا الحجر رمادياً باهتاً، تشوبه زرقة مطفأة كعين ميت، ومشروخاً من خاصرته. ثمة نتوء فيه يهمس بأنه غريب عن هذا الموضع، كأن جوف الأرض ضاق به، فلفظه لتوّه إلى السطح. دسه في جيبه، ومضى يجرّ خلفه تساؤلاً صامتاً.
في تلك الليلة، جافاه النوم. غرقت المدينة في صمت مطبق، ومع ذلك، يعتمل في صدره إحساس بحركة خافتة تمور تحت هذا السكون؛ كأن طبقة خفية من العالم تنزلق ببطء ومكر تحت القشرة المرئية التي نتحرك فوقها. وقبل أن يختطفه النعاس بلحظة، تبلورت في دهاليز عقله عبارة بلا صوت، لكنها حادة كشفرة: "لم تنتهِ بعد".
استيقظ في الغد مثقلاً بوجلٍ مبهم يعزّ على التفسير.
وفي الأيام التالية، بدأت لوحة الواقع تنحرف عن خطوطها المألوفة. غدت الأزقة أقصر مما عهدها، وتمددت الظلال مشوهةً لتفوق أبعاد الأجساد الحقيقية. جدارٌ عتيق، مرّ به آلاف المرات دون أن يلتفت إليه، استوقفه بغتة؛ إذ ظهر عليه نقش دائري غريب يتوسطه شق رفيع، كجرح قديم يرفض الالتئام.
أخرج الحجر من جيبه، وأولجه في ذلك الشق.
في تلك الليلة، لم يرتجف الجدار.. بل ارتجف الهواء نفسه!
ومنذ ذلك اليوم، انفتحت في كونه فجوة عبرت منها أصوات ما لم يكن يُفترض لها أن تُسمع. أصوات تتسرب من مسامات الإسفلت، ومن شقوق الجدران، ومن الفراغات المهجورة الواقعة بين الكلمات. لم تعد نداءات واضحة، بل بقايا أصداء مشوهة، كأن المدينة تخبئ تحت درعها الإسمنتي حديثاً قديماً، معلقاً، لم تكتمل فصوله بعد.
تلاحقت الخيالات وخُرق حجاب المألوف؛ رأى امرأة تعبر الطريق بملامح هلامية ممسوحة، وحين التفت ليتحقق منها، ذابت بين الحشود كفص ملح. لمح باباً غامضاً في زقاق ضيق، وحين عاد إليه في الغد، وجد جداراً مصمتاً لا أثر فيه لمقبض.
وعلى الرصيف المقابل، أبصر طفلة ترسم بطباشيرها دوائر حلزونية لانهائية، وحين اقترب منها، تلاشت تماماً تاركةً وراءها خطوطاً مشعة تأكلها الظلمة ببطء.
ولم يجد نفسه وحيداً في هذا التيه. عرف من النظرات الشاردة لبعض المارة، ومن إنصاتهم الطقسي لما لا يُسمع، أن ثمة آخرين يحملون في جيوبهم أحجاراً تشبه حجره. وشيئاً فشيئاً، بدأت تلك الأصوات المبعثرة تتقارب؛ همسات متناثرة تتجاذب في الفضاء، تبحث عن بعضها لتركيب جملة واحدة أخيرة.
ومع اقتراب تلك الأحجية من التجسد، هبط على المدينة ثقل ميتافيزيقي هائل، يكاد يخنق الأنفاس. عندها فقط، أدرك -بوعي مرعب- أن ما يختبئ تحت الأرصفة ليس كنزاً دفيناً، ولا مدينة منسية من أساطير الأولين.. بل هو "شيء مؤجّل". تاريخ مكبوت لقرون، بات مجرد ظهوره إلى العلن خطراً يهدد بهدم كل الحقائق المستقرة، وزلزالاً يبيد ما اعتادته الأشياء.
في صباح باهت بلون الرماد، جثا على ركبتيه عند أسفل جدار مائل. حفر التراب بأصابع مرتجفة، ودفن الحجر في أعماق العتمة.. ثم انتظر.
حبس أنفاسه.. لكن لم يحدث شيء.
وظل الناس يعبرون الطرقات بآليتهم المعهودة، وفتحت الدكاكين مصاريعها، واستأنفت المدينة دورتها الرتيبة كأن شيئاً لم يكن.
لكنه، منذ ذلك الصباح، كلما وطئت قدمه أرضاً، شعر بها أكثر ليونة وهشاشة مما يُفترض؛ كأنها سجادة رقيقة تخفي تحتها ركاماً من الكلام الحبيس الذي لا يزال يتقلب ويغلي في الظلام.
وأحياناً، حين يخلو الشارع تماماً من المارة، ويسود الصمت، يعود إليه الصوت ذاته.. بعيداً، مشوشاً، كأنه آتٍ من قرار سحيق تحت الأرصفة: "لم تنتهِ بعد".
هامش:
كلمة لا بد منها:
أكتب كي أُجرّب وجوها وأشكالا، مدنا محفوفة بالخفايا والأسرار، وعلامات أو شواخص قد تفهمني حقا وقد لا تفهمني.
غاية جهدي أن يظل ما أكتبه منضبطا؛ لا يرتد متقهقرا، بل يخرج مُعافى باحتمالات تَسكب المغايرة في كؤوس قابلة بطبيعتها لإعادة الاستخدام.
ورغم أني أميل إلى التجريب وتشذيب ملامح المألوف، إلا أنني في الوقت ذاته أطرق المساحات الفارغة، وأقتنص المتخفي حتى لو كان قابعا بين الركام. أنقب، وأصطنع الدهشة؛ ربما أصرخ بلا ألم، وربما أضحك وأنا جائع. المهم أن مساحتي طليقة كالهواء، لا تختنق أمام إشارة تَستوقفني وأنا أحاول اتباع الطائر.

مشاركة منتدى
٢ تموز (يوليو), ١٠:٠٢, بقلم محمود سلامه الهايشه
تحت الأرصفة: عندما يتحول الواقع إلى غلافٍ هشٍّ لغابة الذاكرة
بقلم:
محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com
تنتمي قصة "ما تحت الأرصفة" للكاتب صالح مهدي محمد إلى أدب السرد الرمزي ذي النزعة الميتافيزيقية. فبدلاً من نسج قصة خيالية عن حجر غامض عثر عليه بطل القصة، يتجاوز الكاتب هذه الفكرة البسيطة، محاولاً طرح تساؤل حول العلاقة بين ما يُرى وما لا يُرى، بين الواقع الذي ندركه يومياً وطبقاته الخفية.
منذ بداية النص، يُقدّم الكاتب للقارئ مفارقة دلالية: فالأرصفة، التي تبدو مجرد فضاء خامد خالٍ من أي شيء، تتحول فجأة إلى كائنات حية تخفي شيئاً ما في داخلها. في هذه الحالة، يكمن الإطار الفكري للنص في المفهوم الأساسي القائل بأن العالم المرئي ليس إلا غلافاً خارجياً لعالم آخر يكمن تحته.
في الواقع، يعتمد الكاتب على حدث بدائي نوعاً ما: العثور على حجر صغير على حافة الطريق. مع ذلك، يُشكّل الحدث المذكور نقطة انطلاق إلى عالم خيالي يتسع اتساعًا. تجدر الإشارة إلى أن الحجر ليس مجرد جسم مادي عادي، بل هو رمز، مفتاح يفتح ثغرة في الإدراك البشري قبل أن يُحدث شرخًا في الجدار. يضفي هذا النهج طابعًا رمزيًا على النص، إذ يصبح الحجر تجسيدًا موضوعيًا للمعرفة المحظورة أو الحقيقة المؤجلة التي يتجنب الناس معرفتها.
يُذكر أن الكاتب نجح في خلق جو من الرعب النفسي دون اللجوء إلى عناصر حبكة مثيرة. في الواقع، لا يوجد رعب مباشر في القصة، بل رعب وجودي ينبع من أدق التفاصيل، كالظلال الممتدة، والجدران المنحوتة، والأبواب التي تظهر وتختفي، والأصوات المتسربة من شقوق المدينة. لا يخشى الناس ما يرونه، بل ما يدركونه حتى دون رؤيته.
إضافةً إلى ذلك، يُوظّف النص المكان ببراعة كشخصية فاعلة، لا مجرد موقع للأحداث. في هذه الحالة، لا تُشير المدينة إلى مدينة مُحددة، بل إلى كيان ضخم يُخفي في طياته ذاكرة سرية. فالأرصفة والجدران والأزقة والإسفلت، كلها أعضاء في جسد حيّ، تُخفي في أعماقها تاريخًا مكبوتًا. وباستخدام هذه اللغة، يُصبح المكان استعارةً للوعي الجمعي الذي يدفن حقائقه، لكنه لا يستطيع التحرر منها.
من أبرز سمات القصة تصاعدها التدريجي المُحكم. تبدأ القصة بمشهد يومي عادي، ثم تنتقل إلى اضطراب الإدراك، وأخيرًا إلى سلسلة من اختراقات الواقع، لتنتهي بإدراك أن ما يكمن تحت الأرصفة ليس كنزًا ولا أسطورة، بل "شيء مؤجل" - تاريخ، أو حقيقة، أو ذكرى، مدفونة في مكان ما في الأعماق، لكنها لم تمت. تُصبح هذه العبارة ذروة النص الفكرية، إذ تُضفي على القصة بُعدًا إنسانيًا واسعاً يتجاوز حدود الحكاية نفسها.
أما الأسلوب اللغوي المُستخدم في هذا النص فهو كثافة لغوية شعرية. يستخدم الكاتب العديد من الاستعارات والتشبيهات التي تُوحي بالأحلام، كتشبيه الحجر بـ"عين رجل ميت" أو الحديث عن أصوات تتسلل "من الفراغات بين الكلمات". وبينما يخدم هذا الأسلوب اللغوي أغراضًا جمالية، فإنه يؤدي أيضًا وظيفة حيوية في خلق جوٍّ حالمٍ يُهيمن على هذا العمل الأدبي. مع ذلك، قد يُصعّب هذا الميل إلى الشعرية فهم بعض الأجزاء على من يتوقع سردًا واضحًا. لكن يبدو هذا مقصودًا ومتأصلًا في الأسلوب التجريبي للنص، حيث لا يسعى الكاتب إلى إجابات جاهزة، بل يطرح تساؤلات فقط.
علاوة على ذلك، تتناغم النهاية تمامًا مع فلسفة القصة ككل. فالدفن لا يعني إغلاق الباب إلى الأبد، بل يعني فقط استمرار وهم الاستقرار. ومرة أخرى، يردد الصوت الغامض: "لم ينتهِ الأمر بعد". في هذه الحالة، ينجح الكاتب في تجنب خلق نهاية مغلقة، ويُظهر أن الحقائق الخفية لا تفنى، وأن الأشياء المؤجلة لا تختفي بالضرورة، بل هي نائمة تحت الأرض، تنتظر استيقاظها.
وخلاصة القول، يمكن الاستنتاج أن قصة "ما تحت الأرصفة" تُقدم للقراء قصة استثنائية تجمع بين عناصر الخيال والرمزية والفلسفة. لا يمكن القول إنها تتحدث عن حجر غامض أو مدينة مليئة بالأسرار، بل يمكن القول إنها تتحدث عن الذاكرة المنفية، عن الحقائق المدفونة التي لم تنطفئ أبدًا، وعن هشاشة الواقع الذي نعتقد أنه ثابت لا يتغير، بينما يكمن تحت أقدامنا عالم كامل من الأصوات المؤجلة. ولهذا السبب، يخرج القارئ من النص بنفس السؤال الذي تركه المؤلف في النهاية: ماذا لو أن ما ندفنه تحت أرصفة حياتنا لم ينته بعد؟
٢ تموز (يوليو), ١٧:٣٦, بقلم محمود سلامه الهايشه
لسّه ما انتهِتش || أغنية
أغنية بالعامية المصرية مستوحاة من قصة "ما تحت الأرصفة" بقلم/ صالح مهدي محمد، والمنشورة بموقع ديوان العرب، الثلاثاء ٢٣ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم:
محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com
"موال"
يا ناس يا ماشية فوق السكة
فاكرين الأرض دي ساكتة؟
ده تحت الحجر وتحت الرصيف
حكايات مدفونة ومخبّية
واللي اتدفن في جوف السنين
لسّه بينده... ولسّه حيّ
المقطع الأول
كنت ماشي في شارع عادي
زي أي يوم وعدّى عادي
لمست رجلي حجر صغير
واقف كأنه مستنّي ميعاد
شِلته وخبّيته في جيبي
والفِكر سهرني ليالي
حسّيت الدنيا مش زي ما هي
وحاجة بتناديني من بعيد
اللازمة
لسّه ما انتهِتش... يا ولاد
لسّه الحكاية تحت الرماد
تحت الأرصفة كلام محبوس
وتحت السكوت عايش عناد
لسّه ما انتهِتش... يا ناس
مهما يداروا الأثر وينداس
بكرة الحقيقة تطلع تاني
زي النور لو طال الاحتباس
المقطع الثاني
شفت الحيطان بتتكلّم
والظل يتمدّد ويتألّم
وشفت باب في آخر حارة
لما رجعت له ما لقيتوش
وبنت صغيرة فوق الرصيف
بترسم دواير بلا توصيف
قربت منها... غابت فجأة
ولا حتى عرفت أسألها ليه
اللازمة
لسّه ما انتهِتش... يا ولاد
لسّه الحكاية تحت الرماد
تحت الأرصفة كلام محبوس
وتحت السكوت عايش عناد
المقطع الثالث
لقيت ناس زَيّي في الزحمة
شايلين أحجار من نفس النغمة
عيونهم سارحة في المجهول
وسامعين همس ما يتقالش
والصوت كان بيكبر جوّه
زي موجة طالعة من الهوّة
بيقول: اللي اتخبّى سنين
يوم يرجع... ما يتمنعش
الكوبليه الأخير
حفرت الأرض بإيديا المرتعشة
ودفنت الحجر في قلب العتمة
قلت يمكن يسكت النداء
وترجع الأيام لطبيعتها
عدّى النهار وعدّى الليل
والناس على حالها في الترحال
بس كل ما أخطو فوق الأرض
أحسّها أرقّ من الخيال
كأن تحتها بحر أسرار
وتاريخ مكتوم من أعمار
وساعة ما يسكت صوت الدنيا
أسمع النداء من تحت الجدار
الخاتمة "موال"
يا ناس يا ماشية فوق التراب
مش كل ظاهر يبقى الجواب
في كلام مدفون تحت السنين
وفي وجع ساكن خلف الأبواب
وإن سألتوني إيه الحكاية؟
أقول: دي حكاية عمرها ما غابت
صوت بيطلع من جوف الزمان...
"لسّه ما انتهِتش...".