المفاتيح الضائعة
الصباحاتُ العادية فخاخٌ منصوبةٌ للتفاصيل.
تبدو مطمئنةً وهي تفتح أبوابها للضوء، لكنها تُخفي في جيوبها اختباراتٍ صغيرة لا يلتفت إليها أحد. يكفي أن يختلَّ موضعُ شيءٍ مألوف، حتى يميل النهار كلُّه قليلًا، كعابرٍ فقد توازنه فجأة على أرضٍ مألوفة. الأشياءُ لا تغادرنا دائمًا؛ أحيانًا يسبقها انتباهُنا إلى الغياب، فيكبر الفراغ أكثر من الشيء نفسه.
في جيبِ آدم فراغٌ مباغت. يدٌ تتحسسُ القماشَ مرتين، ثم ثالثة، والشارعُ يتسعُ كشبهة. لم يكن الفقدُ غيابًا لمعدنٍ صغير، بل خيطًا خفيًا أمسك بالنهار كلِّه وأخذ يشدُّه إلى الوراء.
يتوقفُ عند أول عابر، يسأله، فيجيبه الغريب بجفاء:
–لا أرى شيئًا على الرصيف.
–ربما سقطت قبل دقائق.
–الأشياء لا تختفي بهذه السرعة.
يمضي آدم بابتسامةٍ خفيفة؛ تلك الابتسامة التي نخيطها على وجوهنا كلما انكشف نقصٌ لا نعرف كيف نفسره.
عند زاوية الساحة، كانت ليلى تقرأ التوتر المختبئ في التفاتته، وفي الحيرة التي لا تجد مكانًا تستقر فيه. اقتربت منه بهدوء متسائلة:
– ما الذي تبحث عنه؟
– مفاتيحي... كانت هنا قبل قليل.
– هل أنت متأكد من المكان؟
– المكان واضح، لكنني لا أستطيع الإمساك به.
– إذن، لنعد الطريق خطوةً خطوة.
يمشيان معًا. هي تتبع أثرًا لا يُرى؛ خطواته المتلعثمة، الوقفة القصيرة عند الرصيف، والتردد الذي يتركه الجسد حين ينسى ما تحفظه عاداته.
– هل وقفت هنا؟
– ربما... لا أتذكر، لكن جسدي يتذكر.
– إذن، من هنا نبدأ.
كان سلمان، الجالس على المقعد القريب، يراقب المشهد كأنه يرى حبرًا يتحرك فوق صفحة بيضاء. فتح دفتره، وألقى سؤاله في الهواء:
– هل يستطيع شيءٌ صغير أن يقود يومًا كاملًا؟
أجابه آدم، وهو ما يزال يحدق في الأرض:
– نعم... فما نفقده يعيد ترتيب ما حولنا.
كتب سلمان جملةً قصيرة، ثم شطب نصفها، وتمتم:
– الكتابة تتأخر دائمًا عن الحدث.
التفتت إليه ليلى:
– هل رأيت مفاتيح هنا؟
قال:
– رأيت رجلًا يلمس جيبه أكثر من مرة، ثم ينظر إلى الأرض. هذا كل ما رأيته.
ابتسمت ليلى:
– أحيانًا، يكفي هذا.
ومن طرف الساحة جاء حازم، لا يحمل سوى تلك النظرة التي تبحث عن النظام داخل الفوضى.
– ماذا يحدث؟
قال سلمان:
– مفاتيح ضائعة.
ابتسم حازم ابتسامةً هادئة:
– الأشياء المفقودة تكشف طرق أصحابها أكثر مما تكشف نفسها. هل توقفت عند البائع؟
– نعم، للحظة.
– فلنبدأ من هناك.
اتجهوا نحو البائع، كأنهم يتتبعون نغمةً انفلتت من لحنها.
– هل وجدت مفاتيح؟
هزَّ الرجل رأسه:
– لم أر شيئًا.
قال سلمان:
– ربما لم تسقط أصلًا.
رفع حازم عينيه إلى جيب آدم وقال بهدوء:
– فتش مرةً أخرى.
مرر آدم يده ببطء، كأنه يتعلم اللمس من جديد. توقف. أخرج حلقةً معدنيةً صغيرة، وحدق فيها طويلًا، كما لو أنه يتعرف إلى وجهٍ رآه في حلم.
– كانت هنا... طوال الوقت.
ضحك سلمان:
– إذن، لم يكن الضياع إلا تأخرًا في الانتباه.
وأضافت ليلى:
– أو تبدلًا في طريقة النظر.
وقال حازم:
– المهم أننا عرفنا المسار.
مرت نهى بمحاذاتهم، والتقطت آخر الكلمات.
– انتهى البحث؟
قال آدم:
– وجدتها... كانت أقرب مما ظننت.
ابتسمت ابتسامةً عابرة:
– أحيانًا، يحتاج القريب إلى مسافةٍ كي يُرى.
ثم مضت، واختفت عند الحافة، كأنها لم تمر إلا لتترك هذه الجملة وراءها.
ظل سلمان يراقب ابتعادها، وكتب في دفتره جملةً جديدة، ولم يشطب منها شيئًا.
اقتربت ليلى من آدم وهمست:
– ماذا تغيّر؟
قال:
– لا شيء... سوى أنني صرت أرى ما كنت أمرُّ به كل يوم دون أن أراه.
تفرقوا ببطء، لا لأن الحكاية انتهت، بل لأن الخيط الذي جمعهم ارتخى، وعاد إلى صمته الأول.
عاد كلٌّ إلى مداره.
آدم نقل المفاتيح إلى جيبٍ آخر، كأنه يعيد ترتيب صلته بالأشياء الحميمة.
ليلى احتفظت بالمشهد، لا بوصفه حادثة، بل بوصفه صورةً لا تحتاج إلى اسم.
أغلق سلمان دفتره، مدركًا أن ما كتبه ليس القصة، وإنما ظلُّها.
أما حازم، فاكتفى بملاحظةٍ قصيرة، وتركها بلا خاتمة.
في المساء...
مرَّ آدم بالمكان نفسه.
كان الشارع ساكنًا، والظلال أطول من النهار.
وضع يده على جيبه مرةً واحدة.
لم يكن يتأكد من وجود المفاتيح، بل من حضوره هو.
ومضى...
وقد أدرك أن ما ضاع في الصباح لم يكن المفاتيح، بل انتباهه إليها.
وأن ما استعاده عند المساء لم يكن قطعةً من المعدن، وإنما الطريقة التي يرى بها العالم.
