الخميس ٨ آذار (مارس) ٢٠٠٧
بقلم جميل حمداوي

قراءة في لوحات سهام حلي

الفنانة التشكيلية الأمازيغية

تنظم الفنانة التشكيلية الأمازيغية سهام حلي معرضا تشكيليا في قاعة النادي البحري بمدينة الناظور( المغرب) تحت عنوان" واقع وإيحاء 2" من 23 فبراير إلى 09 مارس من السنة الجارية ( 2007 م). وقد عرضت في هذا المعرض سبع عشرة لوحة تشكيلية بإطارات هندسية مختلفة الأبعاد والأشكال والمنظورات.

ومن المعلوم أن سهام حلي من مواليد الناظور سنة 1978م ، وهي خريجة المعهد العالي للفنون الجميلة بتطوان. وقد حصلت على الإجازة في الفنون التشكيلية بامتياز. وقد انفتحت على كثير من التجارب والمدارس الفنية في مجال الرسم والتشكيل. وأقامت كثيرا من المعارض الفنية داخل الوطن( شفشاون، وتطوان، وطنجة، والرباط)، وخارجه ( مدريد والرباط). وتذكرنا حلي سهام بالفنانة التشكيلية الأمازيغية الرائدة مريم مزيان التي أمتعتنا بلوحاتها التشكيلية الرائعة وصارت مرجعا في عالم الرسم والتجسيد البصري.

وعليه، تنطلق سهام حلي من عالم البيئة الذي يحيط بوجود الإنسان من جميع جوانبه ويشكل حياته وكينونته الحقيقية في العيش والبقاء، بل يرسم حتى ثقافته وهويته الحضارية والفنية. وتحضر الطبيعة ضمن هذا العالم بتجلياتها المتناقضة وملامحها التشخيصية تعبيرا وانطباعا وتمثلا. ومن هنا نجد تأثرا فنيا كبيرا بالرومانسية في رصد الطبيعة في ألوانها الضوئية المشعة وعواطفها الإنسانية وخاصة تصوير ملامح الغروب والانعكاس الشمسي الجميل الذي يحيل على الحب والحياة والانتشاء والافتتان بالعواطف الإنسانية وتجسيدها بكل رمزية تشكيلية وتجريد ميتافيزيقي .
وتنطلق الفنانة حلي سهام من التصور السوريالي الذي يتجاوز الواقع إلى ماوراء الواقع التجريدي الغيبي لاقتناص إيحاءاته ودلالاته النفسية الشعورية واللاشعورية. وإذا كانت الرؤية الدادائية حاضرة في لوحات الفنانة من خلال فلسفة تعرية الواقع البيئي وفضح سلوكيات الإنسان التي تسعى إلى تخريب الطبيعة وتحطيم مقومات البيئة الإنسانية وإثارة الرعب والبشاعة في عالم النقاء والصفاء، فإن الفنانة تميل إلى تشخيص الطبيعة بطريقة سوريالية قائمة على استدعاء الأحلام واللاوعي واستنطاق المكبوتات والتمرد عن العقل والمنطق والوعي وكل قواعد الحضارة وأسسها المادية.

ونقرأ في لوحات الفنانة روح التشاؤم في بداية سجلها التشكيلي وألبومها التصويري من خلال استحضار خراب البيئة وتمزقها كينونيا وسيميائيا وذكر جروحها وندوبها الحزينة من خلال الضغط على النغمة البكائية وسوداوية المنظور، إلا أن الفنانة سرعان ما تغير اتجاه الإيقاع البصري لتنقلنا إلى عالم التفاؤل والألم والانفتاح على الحياة كما تشير إلى ذلك الألوان الضوئية الطبيعية المشرقة وخاصة الأصفر والأزرق والأخضر. وتتخذ الأشجار بفروعها وغصونها تموجات من الأحلام المتداعية والمتدفقة التي ترسم أحاسيس الفنانة ومشاعرها المتيقظة وأملها في الحياة الحاضرة والمستقبلية. وفي نفس الوقت تثور فيها على واقعها المتردي ومجتمعها العابث الذي يخرب كل شيء ويقتل أعز مايملكه ألا وهو الوجود الطبيعي. ومن ثم نسجل كثرة التناقضات اللونية والضوئية وتقاطع الدلالات البصرية والمعنوية لتنسج لنا عالما سيكولوجيا تتداخل فيه المشاعر الباطنية والعواطف الذاتية لترسم لنا عالما يسوده الحب والكراهية ، والبناء والهدم، والموت والحياة. كما أن نزوع الفنانة إلى الحلم واللاشعور والرؤيا النفسية والهلوسة الذاتية تعبير عن التمرد والثورة على الواقع وتقاليده ونواميسه ومواضعاته الهشة التي تعمل على التخريب والتحطيم والهدم لكل مقومات الحياة البشرية الطبيعية والثقافية والحضارية.

ويحضر داخل هذه اللوحات التشكيلية التي رسمتها ريشة سهام حلي المذهب السوريالي باتجاهه الحقائقي من خلال تصوير مشكل تدهور البيئة وتفريط الإنسان في طبيعته والعمل على تحطيمها وتلويثها كما يظهر ذلك من خلال الأضواء الحزينة كاللون البني و اللون الأحمر واللون الرمادي. ولا تقف الفنانة عند حدود الواقع المشخص والمحاكى، بل تتجاوزه إلى اتجاه التجريد المطلق القائم على اللاوعي السوريالي عبر رسم أحلام وردية مشرقة وتقديم رؤية تفاؤلية تتدفق بالخصوبة والحياة والانتشاء الوجودي . أي إن الفنانة تميل إلى التجريد وتحول لوحاتها إلى رموز تعبيرية سيكولوجية لترجمة عالمها الداخلي الشعوري واللاشعوري. ومن ثم ، يحضر الخطاب التناصي في هذه اللوحات التشكيلية عن وعي أو لاوعي من خلال الحوار والتفاعل الذهني والجمالي مع لوحات مجموعة من الفنانين السورياليين كالألماني ماكس إيرنيست Max Ernest والبلجيكيين روني ماغريت René Magritte و بول ديلفوPaul Delvaux ؛ و الإسباني سالفادور دالي Salvador Dali و الألماني ماك زيميرمان Mac Zimmermann و الإسباني خوان ميرو Juan Miro و الأمريكي إيف تانغي Yves Tanguy و والفرنسي أندري ماسون André Masson.

وعليه، فلوحات سهام حلي تجسد الطبيعة بصفة خاصة والبيئة بصفة عامة في أشكالها الفنية المتناقضة التي تلتقي كلها عند ثنائية الظلمة والنور، والمعاناة والأمل، والطبيعة والثقافة، والفساد والنقاء، والتردي والصفاء، والعبث والحياة. ويالتالي، تطغى لوحات الغروب الرومانسي على المعرض بمعطياتها التجريدية التي تنبثق منها شمس الغد والمستقبل الفاضل الذي يعيد للحياة الإنسانية الداخلية رونقها وتوازنها النفسي والاطمئنان الروحاني.

وتتكئ الفنانة على استعمال أدوات طبيعية مستمدة بحرفيتها من الواقع والبيئة المحيطة بالإنسان ولاسيما الأمازيغي ، مع اعتماد تقنية الكولاج collage والمكساج البصري، إذ تتحول لوحاتها القماشية بإطاراتها الخشبية إلى ساحة فنية واقعية حقيقية لاحتضان الطبيعة بكل مكوناتها كأوراق الزهور وحبات الأشجار والزرع وأصباغ الطبيعة بكل خصوبتها ودوالها اللونية والمادية . وتتحول هذه الرموز والأشياء الواقعية إلى رموز مستقاة من اللاشعور واللاوعي قصد التنديد بالواقع ومخلفات الحضارة التي لاتعرف سوى تعليب الإنسان واستلابه وتشييئه وتكعيبه في أشكال مادية ومنظورات رقمية تتنافى مع إنسانية الإنسان وفطريته الداخلية وعالمه النفسي الوجداني والعرفاني. ومن هنا نلاحظ هيمنة الألوان الطبيعية على اللوحات التشكيلية بالمقارنة مع الألوان الضوئية الاصطناعية.

وتشغّل الفنانة سهام حلي في مستنداتها البصرية والتقنية والإبداعية الخشب والقماش والخلفيات التشكيلية التي تجسد الفراغ أو الامتلاء أو العمق البصري والذي بدوره يعبر عن الشحنات العاطفية والصراع الداخلي والأمل النفسي. وتجنح الفنانة إلى الصباغة الطبيعية بكل تلقائية وعفوية لتشخص عالمها الحلمي الذي يتمرد عن قتامة الواقع ورتابته وإيقاعه الحنائزي المميت. ويطغى اللون الأصفر على اللوحات البصرية بشكل لافت للانتباه ليرسم لنا عالما مشرقا بالحرية والسعادة مليئا بالأمل والحياة الرومانسية الرائعة.

ويحضر في المعرض الإرث الأمازيغي في لوحة الجرة التي تحيل على الهوية الأمازيغية، كما تعيدنا اللوحة إلى ذاكرة الماضي والانشراح الحضاري والمرأة الريفية التي ترتبط بالجرة ارتباطا شعوريا ولاشعوريا مبنيا على الانعتاق والتحرر والسيادة داخل المجتمع الأمازيغي الأموسي الذي يقدر المرأة أيما تقدير ويبجلها احتراما وإجلالا. كما تحيل الجرة على سيمياء الماء والخصوبة والعطاء والحياة في إثراء العلاقات الإنسانية في منطقة الريف وبنائها على أساس الحب و تقديس الطبيعة و إرساء أسس التواصل الحقيقي بين الأنا والآخر. كما تحضر الرؤية الإسلامية في لوحات الفنانة من خلال تشكيل الاسم الرباني وتجسيده فنيا عبر الحرف المقدس والتشكيل الرؤيوي العرفاني الذي يعبر عن الاسترواح النفسي والأمل الشعوري.

ويبدو لنا من خلال هذا التحليل الانطباعي الوجيز أن سهام حلي رائدة الفن التشكيلي في منطقة الريف إلى جانب الفنانة القديرة مريم مزيان من خلال تبنيها للتصور اللاشعوري و البعد الذاتي في التعبير عن البيئة والطبيعة الرومانسية والهوية الحضارية الأمازيغية والكينونة الإسلامية مع الانفتاح على مجموعة من التجارب التشكيلية وخاصة التجربة السوريالية للتعبير عن نفسية المبدعة الحالمة التواقة إلى الحرية والحياة والبقاء والبناء والإخصاب في عالم يسوده الحب والسلام والعطاء والبناء والاحترام للهوية والاختلاف.

الفنانة التشكيلية الأمازيغية

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى