

عائشة بوسنينة شاعرة التحدي و الصمود
إذا كانت المرأة المبدعة في الشعر الأمازيغي في منطقة الريف غير محددة الملامح إبان المرحلة الشفوية، ولم تكن تحضر بصورتها الفردية وباسم علمها الشخصي، فذلك لأن الشعر الأمازيغي في تلك الفترة كان شعرا جماعيا يعتمد على الرواية الجماعية والذاكرة المتسلسلة التي كانت تساهم في نقل الشعر من جيل إلى آخر عن طريق الحفظ والترديد الذي تختلط فيه الأسماء الفردية مع الإنشاد الجماعي، فيذوب المبدع سواء أكان ذكرا أم أنثى داخل النسق الجماعي الذي كان لايؤمن بالإبداع الفردي وأصالة الخلق.
بيد أن المرأة الريفية كانت تقول الإيزري وتشارك في شعر العيطة وخاصة في الأفراح والأعراس وفترات الحروب. وقد ذكرها الشعر الأمازيغي القديم موضوعا يدور حولها الإيزري، وذاتا مبدعة تنظم الشعر إبان موسم الحصاد أو تصف العروس أوتمدح العريس أوتحفز المجاهدين على مواصلة الحروب أو ترثي القتلى أو تعبر عن معاناتها الذاتية والموضوعية ولاسيما بعد هجرة الأزواج واغترابهم.
بيد أن الأصوات الأنثوية في مجال الموسيقا والغناء كانت حاضرة بكثرة في منطقة الريف بعد الاستقلال كميمونت سلوان، وميلودة وفريدة الحسيميتين، وفاطمة ومليكة الناظوريتين، ويامنة الخمارية.
ومع سنوات التسعين من القرن العشرين، ستظهر مجموعة من الأصوات الشعرية النسائية بدواوينها المكتوبة المدونة كعائشة بوسنينة بديوانها "عاذ ءاخافي ثارزوذ/ ستبحث عني"، وفاطمة الورياشي: "ءيسرماذايي واوار/ علمني الكلام" الذي صدر سنة 1998م، ومايسة رشيدة التي تعد أكثر إنتاجا بديوانين شعريين وهما "ءيوشايي ثارجيت ءينو/ أعطاني حلمي" سنة 2000م، وديوان "أصهينهين ءيزوران/ صهيل الجذور" سنة 2004م.
ولدت الشاعرة الأمازيغية بوسنينة عائشة في مدينة الناظور بالمغرب الأقصى، وهي ريفية الأصل من تمسمان. نشأت في أسرة محافظة كريمة وشهمة ومضيافة. وهي امرأة عصامية كونت نفسها بنفسها. وقد أصدرت أعمالا قصصية وحكايات وأشعارا بأمازيغية الريف. كتبت للكبار كما كتبت للصغار، وتعيش الشاعرة الآن ببني أنصار قرب مليلية المحتلة.
ومن أعمالها الإبداعية مجموعتها الحكائية: "ثيحوجا نالريف"، ومجموعتها القصصية " ثقصيصين ناريف ءينو"، وديوان "عاذ ءاخفي ثارزوذ/ ستبحث عني".
هذا، وقد صدر هذا الديوان الشعري الأول للشاعرة عن مطبعة بن عزوز بالناظور سنة 1998م، وهو من الحجم المتوسط، مكتوب بالخط العربي، وقد تولى الطابع تصميمه من الناحية الخارجية والتشكيلية، كما قام الدكتور جميل حمداوي بكتابة مقدمته النقدية التصديرية، ويقع الديوان في 29 صفحة، ويضم 14 قصيدة شعرية.
يتضمن ديوان "عاذ ءاخفي ثارزوذ/ ستبحث عني" لبوسنينة عائشة مجموعة من التيمات الدلالية التي تشكل رؤية الشاعرة للعالم ومنظورها الخاص للوجود والكون الإبداعي، وتنبني هذه الرؤية على التحدي والصمود والمقاومة والتشبث بالهوية والدفاع عن الكينونة الأمازيغية والهروب من عالم الكبار نحو عالم الطفولة والبراءة. ونستحضر من بين هذه التيمات:
1- تيمـــــة الهويـــة:
تدافع الشاعرة كثيرا في ديوانها الشعري عن الهوية الأمازيغية والكينونة الأنطولوجية للإنسان الأمازيغي من خلال تغنيها بالوجود الأمازيغي والدعوة إلى التشبث باللغة المحلية وكتابة تيفيناغ. وتصرخ الشاعرة جهارا مدافعة عن الخصوصية الثقافية الأمازيغية، وتدعو لتمثلها على مستوى الممارسة والتجسيد اليومي لهذه الكينونة التي ينبغي الحفاظ عليها وعدم التفريط فيها؛ لأنها أس وجودنا وميسم حضارتنا وثقافتنا.
وتعبر الشاعرة في قصيدة "ثمازيغت ناغ/ أمازيغيتي" عن حبها للغتها الأمازيغية التي تسكن قلبها وحياتها، وأنها لاتستطيع أن تتخلى عنها أو تفرط فيها مادامت تشكل وجودها وأناها الكينوني والوجودي:
ثمازيغت ءاناغ ءاتريغ س ءوفوس ءينوءاتريغ ذي زران سي ذامان ءينوءاتريغ خاثوريقت حاما وتانتتوءاتاريغ خ ثموث مارا ثوزاغ ءاتزيزوثمازيغت ناغ زيناداق ييرس ءينو[1]
وتبحث الشاعرة عن لغتها الأصلية ليلا ونهارا، وتتعهد بأن تتحمل المحن والمصائب من أجل أن تصل إليها لتجعلها قلادة لها، هذه اللغة التي يبكيها الكل، وتحزن الطبيعة من أجلها، وتهون الحياة أمام جمال ألفاظها وجزالة عباراتها وقوة مفرداتها، ويسهل الموت أمام قيمة لغة الأجداد والأحفاد التي ارتبطت عبر التاريخ بالأنفة والكرامة وشهامة التحدي وعزة الصمود والمقاومة والبطولات الملحمية الخارقة:
خام ءيسيغ رمحايان مغارنت ءام ءيذورارخام ءييارزوغ جيرث ذ نهارخام ءورينو ياذعاق ياگا ءاضيصيارخام حازنانت ثبحار ءوگينت ءاذسغميينت نوارخام ءيمام ءوجانا ياگا ذيواث ءونزار[2]
ولا تكتفي الشاعرة بالتغني بلغتها الأمازيغية المحبوبة، بل تطالب اللغة العربية أن تكون صديقة وفية للأمازيغية، لغة مغرب الأجداد والأسلاف، وتعاتبها الشاعرة المتسامحة عتابا شديدا لمّا تركت الأمازيغية وحيدة تندب حظها التعيس في جبال الريف، تكابد ألم العزلة وأسى الغربة الذاتية والمكانية. لذا، تدعو الشاعرة العربية والأمازيغية معا إلى الوحدة والتلاؤم مادام الله قد وحدهما في بوتقة دينية مصيرية واحدة:
ثسماح ذايي وتشما ثاجايي غا وحذيخ ءيذورار ناريف ياتصودايي ءوباحريعماس وثاسقسي وسثاني مانّي تيريءاخمي واذايثسين ذواشماش زيمارمييسموناناغ دين ءيدياجا سيضاربي[3]
يبدو أن الشاعرة عائشة بوسنينة كثيرة التسامح مع العربية تقدر الآخر العربي وتكن له كامل المودة والحب والاحترام، وتدعو إلى التعايش والأخوة والوحدة الوطنية والقومية من خلال التشبث بالدين والعقيدة الإسلامية السمحة.
2- تيمــــة الأرض:
تتغنى الشاعرة عائشة بوسنينة بأرضها وتتشبث بها هوية ولغة وكتابة ومصيرا، وتتلذذ بها معاناة وثورة واستشرافا للمستقبل المعسول الذي يتجاذب ألما وأملا. ومن القصائد التي عبرت فيها عن حبها للأرض ومدى تشبثها بها حبا وعشقا نستحضر قصيدة "ءادريوش/ بلدة دريوش" التي تندب فيها الشاعرة بلدة دريوش بصفة خاصة والريف بصفة عامة، تلك البلدة النائية التي تركها أهلها تراقص الغبن والتهميش والإقصاء والتسيب حتى تحولت إلى جحيم لايطاق:
ءاسعقانتاث زيثامزي ماش غاثاگ ءاتمغاروازاياس ثارضيم ثجيمتاث غاييرارءاتاريم خاس ثاقاصيصت وثاسينام مينتاعناثانيم خاس ءاوار ماشحار تيماناناتاث زوگامي ثادار ذگحاوار ءانييماس ثافارثغذرامتاث غاثمارث ثعجنام خاس س ءوظارثقذاماس ثيماسي ءاريماث ناس ثافارثقذاماس ءاتماث عاماس ءاتظهار[4]
بهذه المأساوية المفعمة بالموت والانتظار وترقب الذي يأتي ولا يأتي، تنظر الشاعرة الحساسة إلى بلدتها الكئيبة التي حولها أهلها إلى فضاء جدب يائس لا حياة فيه ولا حركة، يعانق الصدى الأجوف والخراب المميت.
3- تيمــــة الوطن:
تتغنى الشاعر عائشة بوسنينة بوطنها الذي حاول الأعداء أن يكيدوا له المكائد حسدا وحقدا، راغبين في تمزيق أواصر وحدته من أجل إضعافه وتشتيت قواه، بعد أن كان هذا الوطن طوال تاريخ الإنسانية أرض المقاومة والبطولات الخارقة ونموذجا للجود والكرم الحاتمي، لذا تعتبر قصيدة "ءاثساوانت ءيگعذان/ الطريق الصاعد" خير نموذج شعري تشيد فيه الشاعرة بوطنها الحبيب وتتمنى له كل السعادة والهناء والخير، وخلافا لذلك، تتمنى للعداة الحاسدين الهلاك والبوار، تقول الشاعرة في قصيدتها الوطنية:
ءاثساوانت ءيگعذان ءارعونصار ن وامانحسذان شام ءاجيران ءاخ وازري نام ياشنانسامخو مبران ءيفيران واميظهار وامشانثشغويوذ ءاياما ثاروانام ءيشم يابظانقاشام غاسان ذگور ذيرواصت ءييذمانويشام غايتون ويشام غاينكانشام يتحاراشان ويذام ءيزامانخام ءيموثان رعمار نسان خام ءيثهذانءورين خام راجذوذ ءيني توغا نازمان[5]
كما ترثي الشاعرة مدينة مليلية المحتلة التي أسرها الأعداء الإسبان وجعلوها كالحمامة المطوقة التي تعاني من الذل والهوان وترغب في الحرية والانعتاق والتخلص من قيود الاحتلال والاستلاب:
منعان ثاسكورث شادانت سوفيروءاگينت ذيرقفاز ءاگين ذايس غازوماشحا ثشنا غارابي ماشحا غاس ثروذارقماس ءاتاسكورث ءاجمتاث ءاتضوءاتقفاز ذگ ءوجانا ءاتاف ميخ ثارزو[6]
تصدر الشاعرة في هذا المقطع عن وطنية صادقة مفعمة بحب التحرر والانعتاق من الاستعمار والعبودية وكراهية استرقاق الإنسان ظلما وحيف وجورا.
4- تيمــــة الأنفة والكرامة:
تتغنى الشاعرة بمجموعة من الصفات التي يتميز بها الإنسان الأمازيغي في أرضه وهي العزة والكرامة والأنفة وعدم الرضى بالذل والخنوع والعبودية والهوان. لذلك نجد هذا الإنسان منذ التاريخ وهو يدافع عن وجوده ويقاوم الأعداء مسترخصا في ذلك النفس والنفيس من أجل حريته التي لايستطيع أن يفرط فيها قيد أنملة.
هذا، وتعتز الشاعرة بأنفتها التي تشكل هويتها ووجودها الشخصي الواقعي والتاريخي، وقد ولدت هذه الأنفة مع الشاعرة منذ أن كانت صغيرة، وبها استطاعت أن تعبر البحار وتشق الجبال، وتفرض وجودها بصمود وتحد وإصرار، وتواجه الصعاب الجسيمة والمواقف الصعبة:
ءارعيز ءينو يمغان ذ گور ءينو يباحارناش زيثمزي ربدا كيذي ءيمغارشوقاغ ءازايس ءيذورار شوقاغ زايس ربحارءاسويغ خاس ثارزوگي ثارزوگي ءامي عمارعماس وايبدار عماس واريغيار[7]
لاتستطيع الشاعرة من خلال هذا المقطع الشعري النضالي أن تعيش بدون الأنفة والكرامة التي تعودت عليها منذ نعومة أظفارها، كما أن عزة النفس هي التي دفعت الشاعرة لتشهر في وجه الآخرين سلاح الصمود والتحدي.
ت- تيمــــة الهجرة:
تستعمل عائشة بوسنينة أسلوبا قصصيا حكائيا لسرد قصة الهجرة والاغتراب راوية حكاية الأجداد التي تصور معاناة الإنسان الأمازيغي المهاجر الذي ترك أرضه البكر العذراء من أجل أن يرتمي في أحضان أرض الاغتراب والشقاء والمأساة. لذا، فرط هذا الإنسان في هويته وكينونته الوجودية، وكل هذا من أجل البحث عن لقمة الخبز في أمكنة نائية من العالم بعيدا عن أحبته وأهله ووطنه، عازفا أغاني الشوق والحنين والمناجاة الذاتية لاسترجاع ذكريات المكان وعشق الحب واستدعاء أيام الطفولة والمراهقة والشباب في أرض الانتماء والهوية، متلذذا في حاضره المشتت بلغته الحميمة وكتابته تيفيناغ التي مجدها الأجداد وجعلوها لغة البيان والمقاومة وكتابة الذات والتأريخ واسترسال الذكريات والأمجاد والملاحم. ومن ثم، تحكي الشاعرة عن مسعود الإنسان الأمازيغي الذي هجر أرضه ليبحث عن حياة جديدة ليسعد ذاته وغيره:
ءيعاوذايي جدي ثحاجيت ذي ثامزيءينايي مسعود ءيهاجار ءاكارهاديذيرحاقاث نتمازيغت وتجّين ءاتيزيءيحارق ءوراناس ءيباداس ءيماثناييياگور ءيتاريت خاصاجاح ن ءيسريواثقيم ثيمارث وارذيني ثجييترو يامطا ءيغمياد ءاريريربحار ءاشمرار ياذوار تيزرغيمسكين مسعود ءيهاجار ثيموراماشحار ءيييسي ذرمحايان مشحار ذتامارايگاعاذ غارءيذ ءورار تيفيناغ ذين ءيتيورايورا خيضاناذ يورا خ نهارايورا خ ثمازيغت ماماش توغا ثاجا[8]
لقد توفقت الشاعرة في استخدام الحكي والسرد لنسج معاناة الإنسان الأمازيغي المهاجر والتائه في أرض الغربة بعيدا عن الوطن، بعد أن تحمل الكثير من المتاعب في أرضه بسبب التهميش والإقصاء والاحتقار والنظرة الدونية من الآخر إلى الإنسان الأمازيغي. لكنه لم يستطع أن ينس كينونته وهويته ولغته وكتابته التي ينقشها في صخور الذكريات وتاريخ الأمجاد.
4- تيمــــة الغربــة:
قلما نجد ديوانا شعريا أمازيغيا مكتوبا بلغة الريف لم يتناول تيمة الغربة وأثرها السلبي على الشاعر المبدع المغترب وأسرته التي تنتظره على جمر اللظى وتترقب عودته سالما من هجرته التي غربته ذاتيا ومكانيا وأبعدته عن أهله وأحبته وأصدقائه.
هذا، وترتبط الهجرة بالغربة وهي تيمة عزف على أوتارها شعراء الريف داخل الوطن أوخارجه ولاسيما عند الشاعر ميمون الوليد ومحمد شاشا والحسن المساوي وأحمد الزياني والشاعر أمنوس شاعر الغربة والمرارة. وفي هذا الصدد تقول الشاعرة ثائرة على كل أنماط التغريب والتهجير داعية أبناء الريف إلى العودة إلى الأرض المنسية المهمشة من أجل بنائها واحتضانها من جديد:
ذوارد ءامينو ءيعيزانقارموت ثفاراقثوذاث ذي ثموراثاجيذ ياماش ثحاراقذوارد ءامي، زمان قايوعارواشاتاجي ءاتهنيذ عماس واش ثعتاق[9]
تتناص أبيات الشاعرة مع قصيدة الشاعر والمغني الأمازيغي الريفي المشهور ميمون الوليد الذي أبدع أغنية أمازيغية رائعة ذاع صيتها في منطقة الريف وهي بعنوان "ذوارد ءامينو/ عد يابني!" التي يطالب فيها الشاعر أبناء الريف المهاجرين بالعودة إلى أرضهم من أجل إحيائها من البوار والموت وبنائها من جديد.
ث- تيمــــة فلسطين:
تنتقل الشاعرة في ديوانها "عاذ ءاخافي ثارزوذ/ستبحث عني" من الهموم الذاتية والمحلية لتسترسل مع الهموم الوطنية، لتنتقل بعد ذلك إلى الهموم القومية للتغني بالقضية الفلسطينية، وما يعانيه الفلسطيني في أرضه المباركة من مأساة جراء التعذيب والعسف، وما يقترفه الصهاينة في حق الأبرياء وأطفال الأرض المحتلة من مجازر ومذابح وحشية تتنافى مع الشرائع السماوية والبشرية. لذا تسقط الشاعرة في قصيدتها "ءامطاء اخ فيليسطين/ دمعة على فلسطين" دموعا حارة على مصير فلسطين الضائع بين التسويف والتماطل، وتندب ما آلت إليه أرض الأنبياء، كما تذرف دموعها الحزينة على أطفال الحجارة الذين يحاربون العدو الصهيوني من أجل تحرير فلسطين بصفة عامة والقدس بصفة خاصة من قبضة المحتل الغاصب، بيد أن الشاعرة لا تقف مكتوفة الأيدي في نواحها وأحزانها، بل لها أمل كبير في غد النصر ووعد الأمل:
روغ ءيمطاون هواناييد زيثيطاوينروغ ءاخ فلسطين ياربي ءاخاس ءيحينروغ ءاخييثما ءيحانجان ءيمزيانانگسين ءيزرا ءاثحاجان ءوذايانروغ س ءور ءينو، ءاقظانايي ءيمطاوان[10]
تصور الشاعرة في هذا المقطع الشعري معاناة الفلسطينيين وشجاعة أطفال الحجارة وهم يرشقون الصهاينة بحجارة الويل والثبور والهلاك من أجل استرداد حريتهم و أرضهم المقدسة التي يحاول الأعداء تلويثها بدنسهم وشرور أعمالهم. كما يحيل المقطع على عاطفة الشاعر القومية وحبها للأمة العربية وإيمانها الشديد بالوحدة العربية.
ج- تيمــــة الذات:
إذا كانت الشاعرة قد كرست كل أشعارها للحديث عن القضايا الأمازيغية والوطنية والقومية والإنسانية، فإنها لم تنس ذاتها ومعاناتها الداخلية لتعبر عنها في أشعارها الوجدانية الرومانسية التي تتقطر حزنا وكمدا لتنقل لنا تجربة فريدة في العشق تنتهي بالفشل والخيبة والسخط على الرجل الذي تصفه الشاعرة بالخيانة والغدر وعدم الوفاء بعهده والالتزام بميثاق العهد والتضحية من أجل أن يعيش الحب الصادق ويثمر السعادة الحقيقية وخاصة في قصيدتها الرومانسية الرائعة والصادقة: "ءاعاذ خافي ثارزوذ/ ستبحث عني"، إلا أن الشاعرة على يقين تام بأن الآخر سيبحث عنها، ولكن لن ينفعه هذا البحث بعد أن استبدلها بأخرى وغرس في كيانها خنجر الغدر والخيانة وأدمى القلب المرهف بمشاعره الزائفة:
ءارزو ماتارزوذ وتيفاذ بووامشانمانيغاثغزاذ واتيفاذ بووامانءاترزوذ ذيرابحار ءاترزوذ ذگ غزرانءاتگعذاذ غاوذرار ءاتجبذاذ سيسغوانءاتهويذ غاوانو ءاجد يارقا شار ذ ءوزروعاذ غاتفاگاذ ماشحار ثاگيذ ذغازوءاتروذ ذي ماطاوان ءاتسرقيذ ءوروناش ءيديويان سوذار ءينوءاذشثيغ سارهام ءوور ءينوءوفيغ ثارهيذ ءاتلهفاذ ءاخوالوءاتلهفاذ خثوذاث ثكا ثعذوواقيمان بويوذان ماشناو ءيني نزمانءومي غاناششثا ويذي غانگ رامانرامي ءيذوار ءارمعذان ءيوازان ذي رميزانسمحان ذي نوقاث يصفانعاذ ءاخفي ثرزوذ واتيفاذ بوومشانماني خاثارزوذ واتيفاذ بوومان[11]
إنها رومانسية التحدي والصمود، بيد أنها تجربة ذاتية تنفطر حزنا وكمدا وخيبة بعد أن خان العشيق ميثاق العشق والحب. ومن ثم، تعلن الشاعرة رفضها لهذا الآخر الذي يتلذذ بالإخفاق والفشل، لكن هذا الفشل في الحقيقة هو فشل الشاعرة في استهواء حبيبها الذي لم يف بوعوده وكان معها عرقوبا متعدد الأوجه والأقنعة.
وعليه، فالقصيدة في جوهرها تعبير حقيقي عن تجربة رومانسية إنسانية صادقة.
ح- تيمة الطفولة:
من المعروف أن عائشة بوسنينة هي الشاعرة الأولى التي تناولت تيمة الطفولة في الشعر الأمازيغي بمنطقة الريف، وخصصت لها قصائد ومحكيات سردية قصصية نظرا ؛ لما يحمل قلبها من دفء إنساني وعاطفة أنثوية جياشة تجاه الطفولة البريئة التي تجعل الشاعرة تحس بالسعادة والفرح، وتنتعش بالأمل المعسول والغد الأفضل:
ناش ذيرواست ءانظانّايي ءيحانجانءاسثيطاوين ءانسان ذايي ءيخازانواسيويران وذايي يقانظاحشان كيذي ءاتيرانءوراناسان ياصفان قايي كيسان ذي رامانءاگور ءينو ءاذاخار غاسان ذين ءامشانراغيغ سجهاذ ءامّارّا ءاذايي ءاتاسرانءاخساغ ءاثينيغ ءيمّارا ءيوذانءارعيز نسان يامغان ءاكاذ ياذبان[12]
وعلى العموم، فعائشة بوسنينة شاعرة ملتزمة بقضايا الذات والكينونة الأمازيغية والوطن والقومية العربية، تنتقل من المواضيع الرومانسية التي تنفطر حزنا وكمدا لتصب جام غضبها على الذين أساؤوا إلى منطقة الريف وعاثوا فيه فسادا وتخريبا، داعية أبناء الريف إلى الوحدة والتشبث بالهوية والأرض وترك الهجرة والاغتراب قصد بناء الريف الجديد والتطلع إلى الغد المشرق. وتعزف الشاعرة في كل قصائدها أنغام التحدي والصمود والإصرار و الأنفة والكرامة والاعتزاز بالذات والقوم والاقتراب من عامل الطفولة الذي تميل إليه الشاعرة كثيرا؛ لكونه عالم البراءة والخير الأسمى، هاربة من عالم الكبار الذي دنسته القيم المنحطة في عالم موبوء بالقيم الكمية المهترئة.
ج- الخصائص الفنية والجمالية:
تستند الشاعرة في ديوانها إلى قصائد متنوعة البنى، و تتأرجح في عمومها بين قصائد الإيزري كقصيدة "رغروبياث/ الغربة"، والقصائد الموحدة القافية كقصيدة "ثمازيغت ناغ/ أمازيغيتي"، والقصائد المقطعية كقصيدة "ءارعيز ءينو يامغان/ أنفتي الكبيرة". وتشغل الشاعرة مجموعة من القوافي التي تتقطر عذوبة موسيقية وتنغيما إيقاعيا مؤثرا كقافية الراء والنون والقاف.
وتتراوح قصائد الشاعرة بين قصائد شعرية تترنح شاعرية وبلاغة وقصائد تطفح بالمباشرة والتقريرية الموضوعية.
وتوظف الشاعرة قصائد غنائية وقصائد قصصية كقصيدة "مسعود" التي تستعمل فيها تقنيات السرد والحكي التي يستعين بها جنس "ثيقصيصين"، كما تجمع قصائد الشاعرة بين الذاتية في التعبير والموضوعية في الطرح والتصوير.
ومن هنا، فالمعجم الشعري يجمع بين حقول دلالية متنوعة: حقل الذات، وحقل الأرض، وحقل الطفولة، وحقل الهجرة، وحقل الغربة، وحقل الوطن، والحقل القومي.
وتتسم لغة الشاعرة باختيار الكلمات الواضحة التي تستعمل كثيرا في قبيلة قلعية مبتعدة عن لغة قبائل أهل الريف التي تمتاز بالأصالة والعتاقة التاريخية والقاموسية والإغراب. ونلاحظ أن لغة الشاعر تطفح بالكثير من الكلمات العربية مثل: إظهار، ءيعيزان، يبحار،.... بيد أن هذه اللغة تمتاز بشاعرية التعبير ورونق التصوير من خلال استخدام صور التشبيه والإكثار من صور المجاز والاستعارات وصور الترميز من أجل خلق وظيفة شعرية يتداخل فيها المحور الاستبدالي مع المحور التركيبي عن طريق الانكسار المجازي والانزياح وانتهاك أعراف الحقيقة وإخضاعها لقانون المجاز وسمات الخرق الفني والجمالي.
ومن الصور البلاغية الجيدة نلفي هذه الصور الاستعارية:
ءارعيز ءينو يمغارن ذگور ءينو يباحار[13]
شوقاغ زايس ءيذورار شوقاغ زايس ربحار[14]
ونجد قصيدة "تاسكورث ذي رقفاز/ الحمامة في القفص" نموذجا شعريا للصورة الرمزية التي تحيل على مدينة مليلية التي احتلها الإسپان وحولوها إلى أسيرة مطوقة بقيود الذل والاستعمار والمهانة تنتظر يوم الانعتاق والتحرر:
منعان ثاسكورث شادانت سوفيروءاگينت ذيرقفاز ءاگين ذايس غازوماشحا ثشنا غارابي ماشحا غاس ثروذارقماس ءاثاسكورث ءاجمتاث ءاتضوءاتقفاز ذگ ءوجانا ءاتاف ميخ ثارزو[15]
ويتمظهر إيقاع الديوان في تبني الإيقاع الشعري القديم المتوازي من حيث المقاطع والكلمات، ويسمى عروضيا بشعر الإيزري أو إيقاع "لايارا لايارا لايارا لابويا".
وتستخدم الشاعرة أيضا وحدة البيت المستقل، وتشغل القافية الموحدة والمتنوعة. كما يتأرجح الإيقاع الخارجي داخل الديوان بين القافية المطلقة الموصولة والقافية المقيدة بسكون التي تكثر كثيرا بشكل لافت للانتباه.
ويتجسد الإيقاع الداخلي عن طريق التوازي الصوتي واللفظي وتشغيل تقنية التكرار والمعادلة الصرفية والتركيبية.
نلاحظ من خلال هذه الدراسة أن عائشة بوسنينة هي الشاعرة السباقة إلى طبع أول ديوان شعري أمازيغي نسوي في منطقة الريف باللغة المحلية، لتتبعها بعد ذلك فاظمة الورياشي ومايسة رشيدة في انتظار ديوان لويزا بوسطاش وديوان حبيبة خلفي وديوان نزيهة الزروالي. ونلاحظ أن الشاعرة عائشة بوسنينة لاتكتب الشعر فحسب، بل تكتب القصص والحكايات للكبار والصغار على حد سواء.
وتمتاز الشاعرة على المستوى الدلالي بتناولها لقضايا ذاتية رومانسية وقضايا محلية أمازيغية تتعلق بالهوية واللغة والكتابة والأرض والغبن والتنديد بسياسة التهميش والإقصاء. كما أنها تتناول مواضيع وطنية وقومية وإنسانية، بيد أن أهم موضوع يؤرقها هو موضوع الطفولة وأنفة الإنسان.
هذا، وقد نوعت الشاعرة أنماطها البنائية وإيقاعاتها الموسيقية وصورها الشعرية رغبة في خلق صوت شعري متميز في منطقة الريف يتسم بالوضوح وسلاسة الأسلوب واحترام مواصفات الإيزري وجودة التعبير.
ونخلص مما سبق ذكره أن عائشة بوسنينة ستبقى شاعرة الصمود والتحدي والمقاومة التي كرست شعرها للتغني بالحرية ومجابهة الاحتلال والوقوف في وجه الظلم والغبن والإهمال واللامبالاة، متسلحة في ذلك بالصبر وشجاعة الفعل والمغامرة، والإصرار على التغيير والثورة والتمرد عن السائد باستشراف غد الأمل والمستقبل الأفضل.