صدمتهُ طريقٌ، وأستدارَتوقُّفٌ
نص: گولاله عثمان
أقفُ عندَ جانبي الأيسر،
أنا هادئ، غيرَ أنَّ فراغاً ما،
يَـكْـسِـرُنِي.
يتحولُ إلى فوضى عارمة في رأسي،
ومتى كنتُ أنا بلا فوضى يوماً ؟
أؤشرُ للوحدة،
فتوقفني أنت،
لأصبحَ مُتمّماً للفعل الناقصِ
في هذه الجملة.
كان قلبٌ من قلوبي يقول:
قِفْي، فأنا أمقتُ الخطواتِ الصغيرة!
وكان قلبٌ آخرُ يقول: هذا الرجاءُ مُنحدِر
لا يثبتُ عليه شيء، فكيفَ بكِ أنتِ!
أما قلبي الصغيرُ فكان يقول:
اجمعْي في جعبتِكِ شيئاً من السَّيْر،
خشيةَ أن تضيقَ غرفتكِ يوماً
فلا تتسعَ حتى لنظارتكِ.
أنا الآنَ أمامَ المرآة،
لا أسمعُ صدى نفسي،
أتوقفُ رغبةً في أن أفهم:
هل أنا قابعةٌ في فراغِ الكون،
أم أنَّ الكون هو الذي يسبحُ في فراغي!
كلُّ شيءٍ الآنَ على ما يرام،
خلا سوءٍ يرددُ اسمي،
حسناً.. هل أنتَ اسمي؟
أنا لونٌ أخضرُ على لوحةٍ
مُعلّقةٍ على الجدارِ الذي يواجهكَ،
تارةً أنا (بودكاست) يتحدث عن الرحيل،
وتارةً لوحةٌ شخصيةٌ يرسمني فيها خيالكَ،
حين كان الرسامُ يقول:
سأرفقُ الحركةَ بالسكُون.
بِطريقةٍ يَصْدَحُ فيها كلُّ شيءٍ بداخله،
فأصواتُ اللوحاتِ عذبةٌ جدّاً
في غَمْرةِ مآسينا،
يُعجبني هذا الشَّكْلُ.
لن أتوقف، أريدُ أن أقطعَ الطريقَ بمفردي،
يقولون: إذا أردتِ الوصولَ سريعاً، فامضِ وحيدةً.
لن أتوقفَ حتى أجمعَ شتاتَ شظايايَ المكسورة،
وأملأَها بوعودٍ طفولية،
إذ إنَّ توقُّفي مُختلٌ، لكنه اختلالٌ محمودٌ!
يُبَعثرُ كلَّ ما هو مُنتظمٌ فيَّ.
هروبي لا يتوقف، سأطلقُ رصاصةً على وحدتي!
أخرجُ منكَ لأتحولَ إلى مُغنٍّ،
العالمُ باهتٌ وضبابي، فتعالي إلى داخلِ وحدتي كي لا يراكَ أحدٌ.
لقد صَدَقْتَ.. فالتوقُّفُ موجِعٌ للغاية،
والألمُ لا يعرفُ التوقُّفَ أبداً!
ها أنا ذا أقفُ على خطٍّ مستقيمٍ،
وأنتَ تقفُ على خطٍّ منحَنٍ،
وكلانا ينتمي إلى المجموعةِ ذاتِها!
ومع ذلك! ولكن! لستُ أدري! لِمَ لا نفهَمُ بعضنا بعضاً.. لِـمَ؟
الممثلُ المسرحيُّ يروحُ ويغدو،
ينحني،
وفجأةً يتوقف:
يلتقطُ صورةً لِظلٍّ أصفر!
ينكفئُ على الأرض:
فيَستخرجُ سَطراً من جوفِ حُفرة!
يرفعُ يديهِ عالياً:
فيدقُّ مسماراً في الفراغ!
ينتصبُ واقفاً:
فيُعلّقُ لوحةً على جدارِ المطر!
يمشي إلى الخلفِ.. يمضي.. ويمضي،
يقطعُ قُطْرَ المسرحِ مُسرعاً لِمراتٍ عِدّة،
إنه حسّاسٌ، متشنّجٌ، وتائهُ الخطى!
وفجأةً يضعُ ذقنَهُ فوقَ ركبتيهِ
اللتين يضمُّهما إلى صدره،
ويُبدّلُ ملامحَ وجهِهِ ووجوهٍ شتّى!
بِقلبٍ مُثقَل، تبتسمُ عيناه
كأنَّما يقول: صدمتهُ طريقٌ،
وأستدارَ توقُّفٌ.
أنا الآن في جَوْفِ رأسِ الصَّمْتِ،
يَجذبُني سُكونٌ ما،
لكنَّ ليس ليَّ جاذبية الحركة،
أتركُ آخِرَ أنفاسي على مِنضدةِ القراءة،
وما يتهاوى الآنَ هو رُوحي!
حيثُما أُلمَحُ.. أكونَ هناكَ،
أنا فقط هكذا ولستُ راضياً عن نفسي بذاك القدْر،
فقد رُسِمْتُ هكذا للتوّ.
مَن كنتم أنتم لتملكوني أنا؟
أتركُ قلبي عندَ عتبةِ غرفتكَ وأمضي،
أُغلقُ على نفسي، فلا تنفتحَ أنتَ! لئلا ينتابني الترددُ،
الآن يبلغُ صدى توقُّفي أقاصي الأرضِ،
ومع ذلك ما زلتُ حيّاً، فما الذي يُغيّرُهُ غيابي؟ لا شييييء!
كان مُعلّمي يقول: اللاشيء.....هو أكبرُ من كلِّ شيءٍ.
أتركُ البابَ مشرعاً على مِصراعيه!
ولْيرحلْ آخِرُ العابرين! سأبقى
كي لا أنقسمَ وتتوزعَ أشلائي.. فأنا امرؤٌ ذو خَارِطة!
أنفاسي تخترقُ الجدران،
وهنا.. يَراني صَمْتٌ ما!
رائحةُ قِلادةِ القُرنْفُلِ الخاصةِ بوالدتي تَملأُ أرجاءَ البيتِ،
أفتحُ النافذةَ، فإذا بالهواءِ جافٌّ،
باردٌ، عاصِفٌ، يَكتمُ الأنفاسَ في الصَّدر!
لعَلَّ الأجدرَ بي أن أصيرَ مُربّيَ الحَمائم!
إنْ لم أتعلمْ ما كُنْه القلبِ؟
في هذا الصباحِ، ارتطمَ بي هذا الشُّعور، فماذا عسايَ أن أفعل؟
أتوقَّفُ عن التوقُّف، والطريقُ لا يشعرُ بيّ،
كِسْرةٌ من ظِلٍّ، وضَوءٌ واحدٌ،
نظرةٌ جافةٌ، وحياةٌ فارغةٌ،
يلفظونني.. ولا أُبالي!
الآن ألمُّ شتاتَ نفسي، واعِدةً الرَّحيلَ،
والتوقُّفَ أيضاً.. أن أكونَ في مكاني وألّا أكون.
ماذا أفعلُ.. وأنا في بعضِ الأحيانِ لستُ سوى زُجاجةٍ فارغة!
أنا نونُ (ن) مَصْدَرِ(السُّقُوط)،
والبعضُ يرمون السنونوَ بحجري ذاكَ،
لي هنا وهناك بضعةُ أحجارٍ أخرى،
أجعلُ جَسدي نحيلاً كي لا أُرَى، ولا أُعْرَفَ!
هذا كلُّ ما لديّ.. لا مُساومةَ عندي، ليس لي جِهةٌ، وجِهتي الأخرى!
أنا مُضيئةٌ، جُدراني ورقيةٌ، وأحذيتي مغزولةٌ من قَشّ،
كلماتي عاريةٌ، وأوقاتي مُتباطِئةٌ، وحَسَراتي حادّةٌ كالشَّفْرة،
لا أبتغي شيئاً، ومع ذلك لا أهدأُ ولا أستريحُ.. لااااا.
ها أنا ذا الآنَ واقفةٌ بينَ يديكَ،
بينما طَيْفُ ذِكراكَ وعينايَ بعيدانِ.. بعيدانِ جِدّاً،
وأعلمُ أنَّ كلماتِكَ وسَكينَتي لن يلتقيا أبداً.. لا!
كلُّ ما يَشغلُني ويُؤرقني الآن.. ألّا نَبْدأَ من جديدٍ حَيْثُما تَوقَّفنا..
المصدر:
مجلة (رامان) الكوردية، العدد (346)، الصادر في 5/8/2026، أربيل.
ترجمة: مكرم رشيد الطالباني
