حوار مع الشاعر التونسي الجليدي العويني
الجليدي العويني شاعر تونسي معاصر كتب الفصيح والعامي وجمع تراث الشعراء الشفوي وحفظه من الضياع . اشتغل بالتدريس والإعلام.. كلماته أضحت صوت المحبين وشكوى المطحونين وحكمة العاقلين…كتب عن الحب والحرية والوطن…وأعطى الشعر الشعبي روحا جديدة فألِفته القلوب وطربت له الآذان حين تغنت به حناجر أشهر المغنين واحتضنته مسارح العُروض. هذا هو الجليدي العويني حين نتحدث عنه فما الذي سيضيفه عندما نتحدث معه.
س: ماهي الصفة الابداعية التي تفضل أن أصفك بها في هذا الحوار: الشاعر، شاعر اللهجة، الاعلامي، الباحث ... فمشاربك متعددة؟
ج/شكرا بداية على اهتمامك بتجربتي و حرصك على محاورتي حولها، في الحقيقة أنا كما أدعي شاعر و كل أنشطتي او مشاغلي تدور إنطلاقا من هذه الصفة، أكتب الشعر وأقرأه وأبحث عنه وفيه وإن كان إهتمامي الاكبر متجها نحو شعر اللهجة سواء في بحوثي أو مقالاتي أو برامجي الإذاعية.
س/ لننطلق بداية من هذا المصطلح الذي تؤكّد عليه "شعر اللهجة" متجاوزا التسميات الأخرى "العامي أو الشعبي أو الملحون.." رغم انها تسميات رائجة لماذا؟
ج/تلك التسميات تبدو لي مشحونة بموقف غير محايد بل وفيه بعض الاستنقاص من قيمة هذا الضرب من القول فالعامي والشعبي تحيلك على وجود شعر آخر خاص بالنخبة و الملحون يعني وجود عيب نحوي أو لغوي فيه إضافة الى بلاغته المحدودة وهي قضيّة قديمة ناقشها ابن خلدون في المقدّمة ولذلك فإني أفضل مصطلح "لهجة" في مقابل الفصحى وكلمة لهجة أعتمدها هنا مختزلة لكل اللهجات و شاملة لكل شعر معلوم القائل ومجهوله ، الشفوي والمكتوب، الملقى منبريا والمغنى موسيقيا وأراه ( أي شعر اللهجة) مصطلحا محايدا لا يحمل أي شحنة لا بالتحقير ولا بالتعظيم.
س/من خلال إطلاعي على أشعارك المكتوبة والمغناة تبدو لهجتك خاصة بسيطة بتراكيب سهلة ولكن بصور مدهشة.
ج/(ضاحكا )شكرا لهذا التوصيف الذي يعكس انحيازك لي ..لهجتي التي ترينها متفردة تعكس حياتي ورصيدي ففي صبايا تنقلت بحكم عمل والدي في أكثر من جهة وسمعت أكثر من نبرة سواء في الحديث العادي أو القول المبتدع شعرا وغناء، قابلت في مسيرتي الدراسية زملاء من جهات مختلفة في بلدنا، كنت مغرما بالراديو طيلة طفولتي وشبابي، قرأت و سمعت كثيرا من شعر بقية البلدان العربية، حضرت أمسيات عديدة لرموز شعر الفصحى واللهجة ...كل ذلك شكّل لهجتي التي أريدها اختزالا ولو بسيطا لكل لهجات تونس الحضرية والبدوية و تقريبها الى أذن المستمع والقارىء العربي ذلك من ناحية المعجمية اما من ناحية الصور فقد قال لنا الاولون :"الشعر صورة وقافية وميزان" والصور هي التي ترتفع بشعرية أي نص وذلك فيما أعتقد هاجس كل الشعراء.
س /وقوفا عند المضامين تبدو نصوصك حافلة بما هو ظاهري ملموس وبما هو وجداني عميق بل وذات مشاغل انسانية كالغربة والاغتراب والحرية واحلام السعادة المطلقة، كيف تجمع كل ذلك؟
ج/ هذا سؤال فلسفي قد لا أستطيع الإحاطة به ، فقط أنا أكتب بهاجسين هاجس فردي أعبّر فيه عن آلامي وأحلامي الخاصة و هاجس جمعي أريد من خلاله أن يجد المتلقي في أشعاري ما يعبر عن حالته و أقول له ما يريد قوله ولكنه لا يستطيع، فالانسان في كل حالاته و في كل مواقعه يحتاج أغنية أو قصيدا او مقولة يعتمدها للتعبير عن شاغل أو غضب أو فرح أو حزن أو اي إحساس ينتابه في شبكة معقدة داخل الانسان ذاته ومع المحيطين به بل ومع بقية الكائنات الطبيعية. و أعتقد أن نجاح أي نص مرتبط بصدقه وقدرته على أن يشمل أكثر عدد من الناس في أوسع مجال مكاني و أطول مدى زمني. (أرجو ان أكون قد وفقت في الاجابة عن سؤالك المعقد)
س /كثير من أشعارك ملحنة ومغناة هل تعتقد أن الموسيقى والغناء تعطي عمرا أطول للقصيدة.
ج/في المطلق لا حيث ورثنا قصائد عديدة قيلت منذ قرون ووجدناها مكتوبة او حية بالتواتر الشفوي دون موسيقى أو غناء ولكن في تجربتي الخاصة أرى أن قصائدي كانت ماشية على قدميها فجاءتها الموسيقى و وضعت لها أجنحة لتصل الى مدى أبعد ومتلقين أكثر و بالنسبة للخلود فالقصيدة ذاتها يجب أن تكون حاملة لجينة البقاء أما إذا كانت غير ذلك حتى وإن لحنت وغُنِّيتْ فسيحتفظ الناس باللحن ويغيرون الكلمات مثلما حصل لعديد الأغاني التراثية عندنا.
س /إلى أي مدى تعتقد أنك ساهمت في الإرتقاء بالذائقة بنصوصك المغناة في عهد كثير فيه الإسفاف والكلمات الهابطة؟
ج/لعل ّ الإجابة عن هذا السؤال يتكفل بها النّقّاد من المطلعين على مدوّنتي وبالنسبة إلي فقد حاولت أن أقدّم ( للغناء خاصة) نصوصا غير معقدة ولكنها بمعان سامية فعندما أقول:
سلطان حبّك ذلّني مادلّني لكلام بيه نحكيلك
ياللي غرامك علّني ما تملّني لو يوم جيت نشكيلك
او عندما كتبت
يا أحلى معنى في حياتي
إنت الحاضر خوذ الآتي
انت في عيوني سهرانه
وانت في نبضي سلطانه
وانا عاشق يا مولاتي
أرى نفسي قد عبّرت عن قيم ومشاعر جميلة بكلمات قابلة للحفظ سواء في مفرداتها او أجراسها و لعلّي وفّقت في ذلك من خلال نجاح وانتشار هذه الأغاني وهي أحسن طريقة لمواجهة ما سميّته إسفافا فالعُمْلة القيّمة تطرد العُملة المغشوشة.
س/تابعتك أخيرا في عرض جمعت فيه بين الشعر والحكاية والغناء هل ترى في ذلك تطويرا لتجربتك الشعرية من خلال مزجها بفنون أخرى ومسرحتها؟
ج/هي ليست التجربة الاولى فأنا قدمت عديد العروض بأشكال مختلفة الابرز فيها اصطحابي لفرقة موسيقية تغني نصوصي الملحنة مع مراوحات شعرية أقدّمها بين الوصلة والأخرى ، أما العرض الأخير الذي سمّيناه "لكْلامْ لمْرصّع" والذي نتجول به هذه الايام في مسارح عديدة فهو قائم على فكرة حكاية متكاملة ببدايتها وعقدتها وانفراجها غير أننا نحكي هذه الحكاية بتكامل السرد والشعر والغناء وهي مغامرة جديدة تكسر تلك الجدران التقليدية الموجودة بين الحكواتي والشاعر والمغني و تجمعهم بتعبيراتهم المختلفة في حكاية واحدة..وأرجو ان نُوفَّق في هذه المغامرة
س/لماذا تبدو علاقتك فاترة بالمنصات الرقمية على خلاف عدد من شعراء اللهجة في المشرق الذين يطرحون فيديوات بشكل يومي تقريبا؟
ج/أولا انا لست ممن يكتبون قصائد بشكل يومي فكتابة نص واحد تستغرق أياما، ثانيا لم يطرح علي أحد تصويري بشكل متواتر و طرح فيديواتي وانا ابحث عن هذا الشخص على أن لا يكلفني كثيرا من الاموال خاصة وإني لم أكتسب الى حد الآن القدرة على تصوير نفسي و تركيب الفيديوات و إضافة ما تتطلبه من بهارات.
س/حقيقة تجربتك الشعرية واسعة وثرية لا يمكن ان أطوقها في حوار واحد وأعرضها على قرائنا من أخوتنا العرب
ج/(ضاحكا) يمكن أن نجري لقاء آخر متى شئت

مشاركة منتدى
٢٢ أيلول (سبتمبر), ٢١:٠٩, بقلم هندة دبيش
حوار ممتع وتناغم بين السؤال والجواب وكانه امتداد له ... ومن طرافته انه ينشر في مجلة عربية عريقة و يعرف بشعر اللهجة التونسية ويقرب لإخواننا العرب اغانينا الجميلة ك"سلطان حبك"....