الأربعاء ٢٥ آذار (مارس) ٢٠٢٦
بقلم عائشة التركي

التراث الشعبي الشفوي الغنائي

دلالة ووظيفة

دراسة نقدية في رواية "ابن العاقر" لزهرة الحواشي

بقلم الكاتبة التونسية زهرة الحواشي نُشرت سنة 2023 عن المطبعة الثقافية المنستير "ابن العاقر" وهي رواية من 139 صفحة تدور أحداثها في الريف التونسي بُعيد الاستقلال وتحكي قصة ربح العاقر التي عاشت ألما كبيرا ومعاناة بسبب عجزها عن إنجاب الولد الذي يحقق لها مكانتها في مجتمع ريفي أبوي. ولكن القصة لا تستمد أهميتها من طرحها لهذه الثيمة اجتماعية بل أهميتها الأكبر بالنسبة إلينا تكمن فيما زخرت به من أبعاد ثقافية تراثية تجلت في استحضار زهرة الحواشي عوالم الريف العميقة وموروثه الشفوي من أغان واهازيج وامثال شعبية... فكانت الرواية لا تسجلها حفظا لها من الاندثار فحسب وإنما وُفقت الكاتبة في جعلها لحمة وسدى لأحداث روايتها فكانت ضربا من الإغناء الجميل وانسجاما تلقائيا مع مكان الأحداث و الشخصيات.

اختارت الكاتبة لروايتها ثنائية لغوية هي ضفيرة متشابكة ومتناوبة استحوذت فيها الفصحى على السرد بينما كان الحوار بلهجة تونسية ريفية من منطقة الشمال الغربي أثرته الكاتبة بضروب من الأغاني والأهازيج التي توارثتها الأجيال في تلك المنطقة. فما هي هذه الأهازيج والأغاني وما دلالاتها؟ وكيف وُظّفت داخل البناء السردي للنص الروائي؟

حضنت الرواية ضروبا ثلاثة من الأغاني والأهازيج الشعبية منها مايتعلق بالغزل والعلاقة بين الرجل والمرأة ومنها ما تتوجه به الأم لطفلها ومنها ما هو ذو ميسم نضالي بطولي.

1الأغنية الشعبية الغزلية

وهي التي تعبّر عن الحب والفراق والشوق.... وقد تخللت الرواية وتموقعت في مفاصل النص. ولم يكن وجودها اعتباطيا لأن الكاتبة استطاعت ان تتجاوز مجرد التسجيل لأغنية تراثية ريفية "يا فاطمة لاث ريقي يا رفيڨي" إلى توظيفها للكشف عن حالة ربح النفسية إثر طلاقها من زوجها. وهذه الأغنية قد ترددت في الرواية مختصرة حينا وكاملة حيانا أخرى وفي كل مرة تتغير دلالاتها في المتن السردي. فعندما كان والد ربح يغنيها بصوته" الرقيق والرقراق "(الرواية) في إطار طبيعي مبهج كانت ربح ترى كلمات الأغنية تمثل "مسرحية عشق وهيام" والديها . وأما كلماتها فهي تعبّير عن حالة العاشق الذي يشكو الفراق وويصوّر استحالة اللقاء معتمدا صورا شعرية من عالم ريفي ذي طابع فلاحي الحبيبة فيه غزال شارد والحبيب محروم "انا منك مهموم زاطل .انا درست والغير كيل.اه يا غزيل "(الرواية) .و الأغنية تصوير لطبيعة المجتمع الريفي المحافظ الذي لا يسمح للجنسين باللقاء خارج الأطر الشرعية المسموح بها ضمن منظومة قيمية محروسة وتكون فيها "الأغاني الشعبية تمثل سجلًا ثقافيًا يعكس خبرات المجتمع وقيمه وتجاربه المتراكمة."1

وقد كانت الشخصية الرئيسة في الكتاب صوت التراث الغنائي "الكافي" فهي "تذهب لأعراس أقاربها فتلحّ عليها النسوة ان تغني لهن اغنية" كركار حرامو"او" عين الشراد"او" الراي عنا حيفة"(الرواية) وكلها أغان كانت منتشرة في مرحلة تاريخية ما ولكنها اليوم لم تعد تُسمع. وفضل الرواية كبير في توثيقها بنصها وحفظها من الضياع. ولئن كانت القيمة الانتروبولجية واضحة في ما يتعلق باللباس (كركار حرامو/محرمتو عكري) والنظم الإدارية (قاضي تستور /النسخة/الأوراق) والعادات (حريز /الزور) فإن هذه الأغنية كانت سببا في دفع الأحداث في المتن السردي "فهام بصوتها الصادح وبعد مدة تزوج بها"(الرواية)
ومن المقطوعات الجميلة المصطبغة بالفرح والانطلاق والتفاؤل والغنية بالإيقاع و التي جاءت في الرواية في شكل حلم وتماهت مع حالة ربح النفسية التي اترعت بفرح الأمومة وهي ترضع ربيبها

يا طير يا طيّار/يا مكحل الأشفال /يا محني الأظفار/هز السلام لخالي "(الرواية) "

إن هذه المقطوعات الغنائية وُظفت توظيفا فنيا مُوفّقا فأغنت "أدبية" الرواية كما رسختها في تربتها الثقافية الريفية التونسية. ولعل أغنية "وحش السرى" والتي مازلت إلى اليوم مسموعة حتى وإن لم يفهم بعض الحضريين كلماتها فإنها أضفت على الكتاب مسحة من الغنائية وخلفية موسيقية وجدانية لطيفة وفي ذات الوقت دلّلت على مشاعر "علي الخيري" الوليدة زوج ربح الثاني الذي"كم كان يتأثر عندما تغني ربح "(الرواية) .

2 الهدهدات وأهازيج الطفولة

تواترت في الرواية نفحات غنائية تراثية تتعلق بعالم الطفولة وقد ساوقت الأحداث وساهمت في حركة الحكي وجاءت جميعها على لسان ربح التي تفتقد لإمومة وجدتها عند هذا الربيب الذي تزوجت أباه من أجله بعد طلاق من رجل أحبته. طلاق كان سببه عُقرها "إن العقم معاناة خاصة لا تكشف فقط عن حرمان... وعمق إنساني ولكن تؤكد أن الأمومة تحصر المرأة ضمن تصور نوعي يجعل منها مجرد أداة لإنتاج النوع البشري"2. وقد كان وجود الرضيع في حياة ربح فرصة لها "والمرأة العاقر التي حرمتها الطبيعة يرفضها الزوج والمجتمع ولذلك مثّل الأبناء شكلا من أشكال التأمين الاجتماعي ضد الطلاق او تعدد الزوجات".3 وقد أبدت ربح اهتماما بالرضيع صوّرته الكاتبة في وصف اللحظات الجميلة المؤثرة تفيض فيها الشخصية الرئيسية أمومة على هذا اليتيم الذي وجد أما وهذه العاقر التي وجدت ولدا.فكانت تهدده بالأغنية الشهيرة" نني نني /جاك النوم..".في هدهدة أظهرت الترابط الوجداني بينهما والتعالق بين الشخصيتين. وقد جعلت زهرة الحواشي أغاني الطفولة وأهازيجها في الرواية تساوق حركة الزمن القصصي وترتب أحداثه. وها هو صوت ربح يرتفع بالغناء لظهور أول سن

"هاي طلعت سنينتو
يا فرحةامبمتو
..."( الرواية)

ثم نجدها تغني له عند ختانه"
طهّر يا المطهر صحة ايديك
لا توجع لي وليدي ولا نغضب عليك"(الرواية)

والمستقرئ للرواية يشعر بأن هذه الأغاني المستقاة من واقع ريفي هي تعبّير عن الوعي الجمعي بمنزلة الطفل الذكر في المجتمع وما يمثله من أمل لأهله وحلمهم بأن يكون متعلما دارسا.

"كان في الكتاب وجاني
جاني يبكي بالعاني
ڨال لي المدب تتاني"

(الرواية)

وقد ذهب رشدي صالح إلى أن الأدب الشعبي هو التعبير الأصدق عن وجدان الشعب "وهو الذي يصور حياته تصويرًا حيًا بما فيها من أفراح وآلام" 4

ولعل الأغنية الأكثر تعبيرا عن قيمة الطفل في حياة المرأة عموما وفي حياة شخصية الرواية الرئيسية على وجه الخصوص وقد كان صوت ربح وهي تغنيها خيطا رابطا بين كل أصوات الامهات هي أغنية

سعدي بك /سعدي بك/سعد زماني /سعد زماني"(الرواية)"

فيكون طفل هو مصدر سعادتهن وضمان لهن ضد غوائل الزمان والشعور حقيقي بالأمان .

3 الأغنية النضالية او ملحمة الحرية

إن الكاتبة لم تورد إلا أغنية واحدة تراثية تمتد جذورها إلى مطلع القرن الماضي وترتبط بحادثة تاريخية تُعرف ب"أحداث الجلاز "و تسجل يوم إعدام أبطالها في ساحة عامة على يد المستعمر. والاغنية إشادة بالرجلين "القطاري" و"الجرحار"
ورغم قيمة هذه الأغنية التسجيلية والتوثيقية لرجلات ماتوا من أجل الوطن وما عبّرت عنه من ألم الأم التي يُقتل ابنها أمامها إلا أن الكاتبة لم تستغلها فنيا بل اكتفت بوضعها في السياق الروائي دون أن تكون لها دلالة فنية واضحة بحيث خذفها لن يغيير شيئا في مسار الحكي.

على سبيل الخاتمة

إن "ابن العاقر" لم تكن رواية تونسية ريفية تطرح قضية المرأة منزلة وقيمة ... في مجتمع أبوي قاس فحسب بل كانت إحياء للثقافة الشعبية الشفوية وتوثيقا لها يحفظها من الاندثار .وقد تمكنت زهرة الحواشي من استثمار هذا التراث استثمارا فنيا أضفى مسحة من الواقعية على الأحداث وكثّف الدلالة كما تلعب الأغاني والموسيقى دورا في مصير الشخصية الرئيسية... وفي التعبير عن صراعاتها الوجدانية والثقافية والهوِياتية فضلا عن توظيفها كأداة سردية تعبيرية وهو ما أشار إليه علاء رشيدي 5.

وقد كانت هذه الأغاني صدى لأصوات الأجيال المتعاقبة واستحضارا لذاكرة جماعية... رفدتها الكاتبة بصوتها السردي .

المراجع

1-. علم الفولكلور.محمد الجوهري. الناشر دار المعرفة الجامعية

2-الجسد والمجتمع. دراسة انتروبولجية لبعض الاعتقادات والتصورات حول الجسد. دار محمد علي للنشر. صوفية السحري بن وحتيرة ص270

3- المرجع السابق والصفحة نفسها

4- فنون الأدب الشعبي( فصل مفهوم الأدب الشعبي ).دار الفكر القاهرة رشدي صالح

5-ألحان السرد:تحولات توظيف الموسيقى في الرواية العربية المعاصرة. دراسة نقدية منشورة الكترونيا علاء رشيدي


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى