أنا وذاتي
شعر: حمه كاكەرَّش
ليس هناك أَحَدٌ جرحَ قلبي مثلما فعلتْ ذاتي،
ليسَ هناك مَنْ يصلِحَ بَيْنِي أنا وبينَ ذاتي.
أَعفوَ عن العالَمِ أَجمع، إِلَّا عن ذاتي.
لَا أَجِدُ أحداً كي أستودعَهُ أنا،
لَقَدْ سَاقَ ذاتي إِلَى الْجُنُونِ.
في وَطيسِ الحربِ المُستَعرَةِ بينِي أنا وبين ذاتي،
أنا لا أَقتلُ ذاتي نكايَةً بها،
ولا تَقتلُ ذاتي نفسَها كمداً منّي.
فِي وطيسِ الْحَربِ الْمُستعِرةِ بَينِي أنا وبينَ ذاتي،
تساقطتْ آلافُ الجثامينِ، جثامينُ أَحلامي وأَخيلَتي.
حينما تَرتسمُ الِابتسامةُ على ثَغرِي أنا، تنفجرُ ذاتي باكيةً،
وحينما تَضحكُ ذاتي، أَبكي أنا دَماً.
أنا لا أَفقَهُ كُنْهَ ذاتي،
وذاتي لا تَعي مني أَنا،
كأَنَّ كُلًّا منَّا قد وَفَدَ من مَملكةٍ أُخرى.
أنا ضِقْتُ ذَرعاً بِذاتي، وضاقتْ ذاتي بِي أنا ذَرعاً،
وَرغم ذلكَ، فإنَّنا مَحكُومانِ بالعَيشِ مَعاً.
كيف يعقل أن نموت أنا وذاتي معاً،
بينما لا يشبهُ أَحَدُنَا الآخرَ في أَيّ شيءٍ!
إِنَّهُ لَجُرمٌ وخطيئَةٌ أَنْ نُدفَنَ أنا وذاتي في لَحْدٍ واحدٍ،
أَنا هُنا، وذاتي هُناكَ في الأَقاصي،
ذاتي هُنا، وأَنا هُناكَ في الأقاصي،
ورغم ذلك، فنحنُ في تَلازُمٍ أَبديٍّ.
يَشِعُّ دَمِي أنا نُوراً كأَنَّهُ الضياءُ،
بينما دَمُ ذاتي مُثقلٌ بالظلمةِ والدَّياجيرِ.
أَنا أَكثرُ رجالِ العالَمِ جُحوداً وانعتاقاً من الإِيمانِ،
أَمَّا ذاتي، فَقلبُها يَربضُ بين يدَيِ الخالقِ.
يَنهمرُ المطرُ باكياً كطفلٍ صغيرٍ،
فأَحمِلُ المطرَ على كاهلي،
لأَعودَ بهِ إِلى عنانِ السَّماءِ.
مأْوايَ وموطني هُوَ السّماءُ،
أَمَّا ذاتي، فسأَخلِفُها ورائي على الأَرضِ،
لكنَّني أَخشى أَنْ تكونَ السّماءُ مُفْعمةً بِالعبثِ والفراغِ.
أَنا لَستُ ذاتي،
وليستْ ذاتي أَنا..
فمنْ أَكونُ إِذنْ؟!
أَنا وذاتي معاً.. ونحنُ في فَرادى،
ذاتي وأَنا في عُزْلَةٍ.. ونحنُ معاً.
أنا لِحدّ يومي هذا، لا أَعرِفُ ذاتي،
و ذاتي لا تَعرِفني أنا.
ثمَّة طيفٌ يقتفي خُطايَ ويُلازمُني،
وما عدتُ أَدري: هَلْ أَنا ذاكَ الطَّيفُ.. أَمْ ذاتي؟
أَنا أُلقي بَِوزارِ خطايايَ على كاهلِ ذاتي،
وذاتي تَرمي بآثامها على عاتقي.
أنا أَكتُمُ أَسراري عن ذاتي،
وذاتي تَحجبُ خباياها عنّي،
فأنا وذاتي.. سرٌّ مطويٌّ معاً!
يدي مشحونةٌ بالضياءِ،
ويدُ ذاتي مُثقلةٌ بالظَّلامِ،
لكنَّ الأَكُفَّ تَكونُ ملأَى حينَ تنفتحُ.
مضتْ يَدي مخضوبةً بأَلوانِ الفراشاتِ نحو ضفافِ المطرِ،
بينما أَسلمتْ ذاتي تلكَ الفراشاتِ لشحُوبِ الْقَفْرِ وصقيعِ الْموتِ.
كنتُ أَرنو من نافذةِ التُّفَّاحِ،
فأَرى الوجودَ كُلَّهُ دائرِيّاً
السّماءُ، والأَرضُ، والموتُ، والعشقُ.
بينما ذاتي.. كانتْ تقطُرُ من جناحِ بُومةٍ كقطرَةٍ من عتمةٍ تنْسكبُ في جسدِ الْبُستانِ.
إِنَّ النّأيَ بيني وبين ذاتي لا تستوعبهُ ظلالُ الكلماتِ،
تَماماً كالمسافَةِ الشّاسعةِ بينها وبينِي أنا.
أنا أَبدوَ أبيضاً أبيضَ،
وذاتي تبدوسوداءً حالكةً.
وما بين بياضي وسوادِ ذاتي،
كالَّذي بين سوادها وبياضي.
كنتُ في عُبابِ البحارِ أُضَمِّدُ جراحَ الأَسماكِ العليلةِ،
بينما كانتْ ذاتي في الصّحارى تُدَلِّلُ الأَفَاعيَ.
لا تَصلُ أناملي إِلى الأَلوانِ التي تسكنُ أَعماقي،
حيث حجبها عني الشّحوبُ الطَّاغي على ظاهرِ ذاتي.
تَحرِمُني ذاتي أَنْ أُصغيَ إِلى صوتي الدَّاخليِّ،
فقد تدفَّقَ عليَّ ضجيجُها الخارجيُّ وغمرني.
أَرُومُ الِاسْتِمَاعَ إِلى هَديرِ خيالي القابعِ في أَعماقي،
فيُفزعُني ويُقلقُني صُراخُ العَدمِ القادمِ من خارجِ ذاتي.
أنا في الصُّور القديمةِ.. واقفٌ بين أَعتابِ العِشقِ والطُّفُولةِ،
أَطوقُ بإِحدى يديَّ جيدَ الخيالِ،
وتَرتسمُ على ثَغري بسمةٌ حينَ أَلتقِي الجمالِ.
أَمَّا ذاتي فِي صُورها..
فقد أَرخَتْ يديها حسرةً، بين متاهاتِ العُزلةِ والنَّدمِ.
أنا لا أَقرأُ الرّسائلَ الآتيةَ من ذاتي،
وذاتي لا تَطَّلعُ على الرّسائلِ الْمُرسلةِ منّي،
ورغم ذلك.. لا ندعُ بعضينا بلا رسائلَ،
وإِنَّما نبقى دوماً ننتظر جواب بعضينا.
أنا أذهبُ إلى البحر لأجعلَ من موجةٍ لحداً لي
وذاتي تذهبُ إلى الصحراء لكي أموت أنا بعيداً عن الماء
أنا وذاتي، صحراءٌ وبحرٌ معاً.
أنا الليلُ
وذاتي النهارُ
على عكس الطبيعة
نحن ليلٌ ونهارٌ، نُشرقُ معاً ونَغربُ معاً.
لولا وجودي أنا، كيف كنتُ سأعرفُ ذاتي؟
ولولا وجود ذاتي، كيف كانت ستعرفُ أنا؟
أنا لا أُشبه ذاتي
وذاتي لا تُشبهني
ولكنكم لا ترون كلينا معاً.
عندما أفكر في ذاتي
أُصابُ بالضجر التام
وعندما أفكر فيّ أنا
أكاد لا أعرفهُ
كلٌّ منا يختبئ من شيءٍ ما
أنا، يُخبؤني من ذاته
وذاتي، تخبّئُ ذاتها منيّ أنا.
عندما يتدفقُ الفرحُ في قلبي أنا
تضيعُ ذاتي في لجةِ الأحزانِ
أنا لا أروي قصصي لذاتي
وذاتي لا تروي قصصها لي أنا
أنا وذاتي قصتان وحكايةٌ واحدةٌ
وذاتي وأنا حكايةٌ واحدةٌ وقصتان.
أنا كسرتُ المرايا كي لا أرى ذاتي
وذاتي كسرتِ المرايا كي لا تراني أنا.
ألواني أنا لا تنعكسُ في ذاتي
وألوانُ ذاتي لا تنعكسُ فيّ أنا
أنا وذاتي بلا ألوان، وتنسكبُ منّا آلافُ ألوانِ اليأس.
كنتُ أهزُّ الجمالَ كي يسطعَ
وذاتي كانت تذُرُ تراب قبور الأطفالِ في عيون الجمالِ.
عصرُ إشراقتي أنا
غطته ذاتي بالضباب.
لا يمكن تدوينَ حكاية قُربَ وبعادَ ما بيني أنا وبين ذاتي
هذه هي تدوينُ اليأس.
تكويني أنا هو الخيال والطيران والتأمل
تكوين ذاتي هو قتل الخيال والطيران والتأمل
أنا وذاتي، يقفُ الموت بين بعضينا وليس الحياة.
أنا أبتعدُ عن كلّ شيءٍ، إلاّ عن ذاتي
وذاتي تبتعد عن كل شيءٍ، إلا عنيَ أنا
أنا وذاتي معاً
لكن كل شيء فينا قد ابتعدَ عن الآخر.
ذاتي تريد أن (تنساني) أنا
وأنا أريد نسيان ذاتي
ومع ذلك، فقد احتلتْ ذاتي تفكيريَ أنا
وأنا احتلتُ تفكيرَ ذاتي.
أنا أغسلُ أحزاني
وذاتي تُشعلُ النارَ في أفراحي
أنا وذاتي ماءٌ ونارٌ ممتزجانِ
لقد ملأتني ذاتي برائحة الضجرِ
حتى بتُّ لا أستطيع شمّ الزهور.
شاطئ صمتيَ أنا مليءٌ بآثار أقدام الخيال
الخيال (بقي) كذكرى
لقد قتلتْ ذاتي خياليَ أنا.
ذاتي صوتٌ يشبه الميتَ
ميتٌ احتلّ حياتيَ أنا.
أنا أموتُ عطشاً
وجيوبُ ذاتي مليئةٌ ماءً
أيها الماء، أنا أعود إلى ألوانك.
أنا أعود إلى إشراقاتكَ
(خذني) أيها الماء
دعني أبتعد عن ذاتي.
أيها الماء، ذاتي تعود إلى ألوان الموت
ذاتي تعود إلى تخريب ألعاب الطفولة
ذاتي تعود إلى (لا شعور) صحارى العزلة
ذاتي (لا تؤمن بنعومة ورقة الماء)
ذاتي لا تسمح للماء بأن يَعُدَّ أناملَ الحدائقِ
ذاتي لا تسمح للماء بأن يُحييَ غبار الشفاهِ
أيها الماء، أنا.
أنا أعود إليك
أنا أستطيع (أن أصنع) عُشّاً في قطراتكَ
أنا أجد متّسعاً لي في قطراتكَ
أما ذاتي فتفكرُ في نفي الماء إلى الصحراءِ
أيها الماء، خذني أنا خذني.
أنا وذاتي معاً نبحث عن بعضنا البعض.
أيها الماء، أنا وذاتي نتعاركُ
لا أحد يشعرُ بهذه المعركةِ
لا أحد يرى (ساحة المعركة) و(قتلى) وجرحى هذه المعركة
أسمّيها: المعركة الصامتة، المعركة بيني وبين ذاتي..........
أيها الماء، خذني أنا خذني
أريد السفر إلى مدينة ما، إلى مكان ما
بعيداً، بعيداً جداً، حيث لا وجود لذاتي هناك.
هناك الكثير من الناس ممّن يَعرفون
العديد من المدن والبلدان
بينما أنا، حتى الآن، لا أعرف ذاتي.. ماذا تريد.
أرى ذاتي
أجل، أراها فقط كي تُزعجُني
فقط كي أصابَ بالضجرِ
تتحدث باسمي
تبكي، تضحكُ، وتكفرُ
تقول باسمي: قلبي مليءٌ بنور الرّبِّ
تقول: رأيتُ الرّبَّ في منامي وهو يحاول
جبر الساق المكسورة لعصفور صغير
وتقول باسمي: الليلة، ظللتُ ثملاً حتى الفجر، ثملاً.
2006
عن ديوان (أنا وذاتي)، حمه كاكەرَّش، 2012, من منشورات مديرية الثقافة والفن في چمچمال.
ترجمة: مكرم رشيد الطالباني
