

شعرية الثورة والتمرد في ديوان
تمهيــــد:
عرفت مدينة مراكش المغربية حركة شعرية نسائية منتعشة دؤوبة بفضل مجموعة من الشواعر المقتدرات اللواتي تركن بصماتهن في الساحة الشعرية المغربية بصفة خاصة والعربية بصفة عامة، ومنهن: مالكة العاصمي،وثريا إقبال،وحبيبة الصوفي، ودليله حياوي، وربيعة رغيب، ورجاء بنشمسي،وسلوى بنعزوز،ومنى عبد السلام لعرج، وإلهام زويريق.
وإذا أخذنا الديوان الأول لشاعرة الحمراء إلهام زويريق " رغم أنف أبي" لمدارسته دلاليا وفنيا ، وتشريحه داخليا ومرجعيا، فإننا سنصل بلا ريب إلى نتيجة أساسية تتجلى في كون ديوان المبدعة ينطلق من نواة دلالية محورية تتمثل في " شعرية الثورة والتمرد" التي تستشرف الشاعرة عبر غربالها الفني والشاعري غدها المعسول، وتتصيد ملامح ضوء الحلم الكالح، وتقتنص بريق الحب المفقود، وذلك عبر جدلية الجبر والانعتاق ، وجدلية الألم والأمل ، و جدلية الظلمة والنور.
1- البنية المناصية:
أصدرت إلهام زويريق ديوانها الشعري الأول تحت عنوان" رغم أنف أبي" عن دار وليلي بمراكش في طبعته الأولى سنة 2005م. ويضم ديوانها الشعري 72 صفحة و18 قصيدة شعرية. وقد جاء الديوان في حجم متوسط في طباعة زاهية أنيقة ضمن سلسلة أفروديت، وهي سلسلة دورية تعنى بالإبداع وطبع الكتب يسهر عليها الشاعر المراكشي القدير أحمد بلحاج آية وارهام. ويقع الديوان الشعري في الرتبة الثالثة من قائمة منشورات هذه السلسلة المتوالية.
ويحمل الغلاف الخارجي صورة إلهام زويريق وهي تعتلي المنبر لتصدح بإحدى قصائدها الشعرية، وهي توجد إلى جوار صورة أبيها الشاعر الفحل في أدبنا المغربي الحديث في ابتسامته العارمة، وهي ابتسامة تشجيع وتحية لانطلاق ابنته في قرض الشعر ونظم سموطه الزاهية. أما مصمم لوحة الغلاف الخارجي فهو أخ الشاعرة فؤاد زويريق صاحب الموقع الرائع" الفوانيس" الذي عرّف بالأقلام المغربية والعربية في معارف وآداب وفنون شتى.
وإلى جانب الهوامش التوثيقية المتعلقة بحيثيات النشر، نجد العنوان الخارجي يتخذ صيغة شبه جملة من جار ومجرور؛ لأن الصحيح هو" على الرغم من أنف أبي"، ويعقب التركيب الإضافي هذه الصيغة شبه الاسمية. وقد صيغ هذا التنميط العنواني على غرار معظم العناوين الخارجية التي تتزين بها الدواوين الشعرية التي تتبنى شعر الانكسار أو القصيدة النثرية أو قصيدة التفعيلة. ومن المعلوم أن العنونة الاسمية هي بدعة رومانسية ليس إلا.
ويحيل العنوان الخارجي على التحدي وإصرار الشاعرة على الإبداع والانطلاق على الرغم من سلطة الأب على مستوى الأنا الأعلى الذي يوحي بالقهر الأبيسي.
ويذيل الديوان بكلمات الغلاف الخارجي التي كتبتها نجاة الزباير وهي تشرح العنوان الخارجي التي أجملت دلالاته في التمرد والثورة وإعلان الولادة الحقيقية للشاعرة.
وفيما يخص الإهداء، فإن الشاعرة تهدي باكورة أعمالها إلى أبيها الشاعر إسماعيل زويريق الشاعر الإسلامي الكبير الذي ألف مجموعة من الدواوين الشعرية في أشكال وأبنية عروضية وهيكلية شتى وهي تربو على العشرين، وبذلك يكون من أكثر المنتجين للمجموعات الشعرية في المغرب إلى جانب الشاعر المقتدر حسن الأمراني.
هذا، وتعلن الشاعرة في مقطعها الشعري الإهدائي ضجرها من الصمت الثقيل ورغبتها في البوح على الرغم من قيود المجتمع والسلطة الأبيسية العربية. أي تريد الشاعرة أن تنفك من أغلال المضمر والمسكوت عنه، و تتحرر من الأحزان التي كانت تدك صدرها وتلجم لسانها. لذا، تطلب الشاعرة من أبيها الصفح والعفو، في نفس الوقت تطلب منه الضوء الأخضر لتزيل عنها كوابيس الصمت والقلق والوحدة والغربة الذاتية والمكانية.
وبعد ذلك، تقدم رئيسة التحرير لسلسلة أفروديت نجاة الزباير تقديمها النقدي الوصفي لعنوان الديوان وقراءة مفاصله الشعرية الدلالية في خمس صفحات من الحجم المتوسط.
وتتخذ العناوين الداخلية والفهرسية صيغة الجملة الاسمية الدالة على الإثبات والتأكيد والتقرير ، كما تحضر بعض العناوين الفعلية التي تحمل في طياتها عنف التوتر ودرامية الحركة. و تحضر كذلك بعض الصور التشكيلية الأيقونية التي تتمثل في: صورة الأنثى، وصورة العين المكبرة، وصورة العجوز، وصورة الطبيعة المشتتة. ويدل شحوب الوجه على الحيرة والتيه، بينما تؤشر العين على الجمال والتحديق العميق. أما لوحة العجوز فتحمل في طياتها مشاعر الحزن والقلق والانسياق وراء التأمل والشكوى والتفلسف. بيد أن الطبيعة تعبر عن غضبها وثورتها في صراعها مع الإنسان. وكل هذا له علاقة وطيدة إما عن قرب وإما عن بعد مع أحاسيس الشاعرة وانفعالاتها الوجدانية.
2- البنية النصيــــة:
أ- المستوى الدلالي:
تبدأ الشاعرة إلهام زويريق ديوانها الشعري الأول بالثورة والتمرد عن الوجود الأبيسي معلنة التحرر من سراديب الحزن والضيق واليأس، داعية إلى الانعتاق من قيود الجبر والصمت اللعين. وتذكرني المبدعة بالشاعر المغربي عبد الكريم بن ثابت الذي كتب قصيدة عن القيد، والذي يتحدى فيها سلطة المستعمر، ويجابه فيها كل قيود الحس والمادة والواقع معلنا رغبته الأكيدة في البوح والانطلاق إلى عالم صوفي ميتافيزيقي بعيدا عن الناس ومواضعاتهم البشرية الدنيا.
وهكذا تبوح الشاعرة بصوتها المجهور رافضة قيودها التي كبلتها أياما وسنين، و حولتها إلى إنسانة مغتربة متآكلة منطوية على ذاتها ينخرها الحزن والملل والسكون. ومن هنا، تتسلح الشاعرة بلغة الثورة والتمرد والجهر المباح كما في قصيدتها الرائعة:" رغم أنف أبي":
أحطم هذا القيد الذي يشل يدي شيئا فشيئاأتسلل من ثقل الزمانأعلن هذا الصباح الرحيل طويلابعيدا عن التربة التي أنبتتني نوارة صباربعيدا عن كل الأسوار التي أخفتني عن دفء النهار.قريبا من فارسي الآتي مع الموعد المستحيلفلم أعد يا أبي صغيرة على ركوب الخيلسأدبر أمري أهرب من أقفاص جائعة.اقترفتها المدينة ذات مساء في حق العصافيرأدفن بين زهر الأقحوان نوارة قلبيأهدم جدار الصمت الرهيبأكتب بكحل المراود"خذيني أيتها الأيام إلى مشاتل اللؤلؤ إلى مملكة الشعراء
(ص:15-16).
وتتوسل الشاعرة بخطاب السواد ولغة الحزن، وتنزف قلقا ويأسا بسبب عبث الحياة وتيه المشاعر وضلال الأشواق الحائرة. تذوب الشاعرة في ذاتها وتتوحد مع السراب والأحلام الواهمة والتباريح الكئيبة. وتندب الشاعرة حظها البئيس، وتنتحر في دواخلها المنخورة بالضياع والصمت الدفين كما يتجلى ذلك واضحا في قصيدتها البكائية "نزيف القلق":
ما لسهام الزمانتنزف كبريائيولاتداوي جراحيترمي بحظي القليل في سلة التباريحتعبث بيتصرخ نوائح النحس في وجهيتخنقنيأضيع عن الطريقأصرخ في وجه الليل القميء أيتها النجومأما آن لي أن أطير(ص:20-21).
وتستظل الشاعرة بأقبية الهزيمة والانكسار والسقوط بسبب كثرة الأحزان والمشاعر المترعة بالخيبة والفشل الذريع، وتتلذذ بالاحتضار والانتظار القاتل، وتثور على المعتقدات الموروثة التي تكبل الإنسان، وتجعله مجبورا على الانطواء والانكماش ومفطورا على الصمت والسكون الأبدي. وتثور الشاعرة أيضا على الأحلام المنكسرة التي تشتعل زيفا وأوهاما. وتلعن زمن الغياب الذي يعيش فيه الإنسان بلا جدوى وبلا ملاذ:
لاشيء هناكسوى غيمة تحتضرقسرافي الهواءتسبح الأغنيات العجافأربابيتجشؤون مواويل وضيعهمعتقدات تطوقناتكسر حلمايتلألأبين ظلال الزمن المهربأوردونا نخب لحظات تكلس فيها الصمتجرعة، جرعةخلايا منبوذة توهجت فيناأتونا شرفاءتحت ألوية لاظلال لهافانبثق الحلمتلقفته أجنحة صوتها الكسرزج قسرا بنافي أقبية الغيابفأصبحنانعيش بلا آراب.(ص:22-23).
وتتحول مبدعتنا الثائرة على أوضاعها القاتمة إلى شاعرة الليالي الحزينة التي تحمل آهات الألم والأغاني السقيمة وخيوط الصمت اللعين. وتشبه في شقائها وحزنها التعيس نازك الملائكة عندما تقتات بالأوهام المزيفة والأحلام المنكسرة والدموع المعذبة وتنتظر فارس حياتها الذي يأتي ولا يأتي:
محمول إليعلى بساط ملتهبتدثرت أغنية حزينةتجدد في الصمت المهان**************أتصيد الأوهامأترمرمتأتيني الإيقاعات سقيمه.أيها الليل الجافيكفكف عذاباتك عنيفماعادت صراصيرك تخيفني****************أتأملالنجومتحت وطأة الذبولأبصرت جسمي المصلوبيرقص رقصة العشق الأبديويحلم بالفارس الضبابييترصد نجما وضيئاأمام وقع المهزلة أجانب حلميأحتسي نخب لحظات عابرةأمام ليل ورائي ليلفوقي أقمار بكماءتتراقص مثل فقاعات الماءواحدا واحدايتساقط الفرسانيتوارون خلف الضوء الشارد بين تجاعيد الظلام
(صص37-39).
بيد أن الشاعرة ستولد بعد هذا الحزن الدامس والفشل القاتل والعبث التائه كما يولد الطائر الأعنق " مؤنثه العنقاء" بعد احتراقه. و مع انبلاج كل قصيدة تخوض الشاعرة من أجل استيلادها صراعا مريرا مع أمواج الحياة مدا وجزرا:
هائمةفي بحر لا حدود لهأنازل أمواجاأصارع أخرىأذود عن وجودي الأبديتتعسر الولادهأجوب شطآنك المتوهجهأتدلى نحو حقول المحاراتأنتشلهامحارة محارهتولد القصيده.(ص:24-25).
وترحل الشاعرة في قصيدتها" أجمات الخوف" إلى أدغال الصمت الرهيب وعالم الأحلام المنكسرة هروبا من الحزن المخيف والألم الدامي والفراغ القاتل والحيرة التائهة:
ذات مساءأغمضت عينيصاحبتني دمدمات الرياحفتحتهاأتبين هذا الأفق السرمديسرق الحزن نوميفتحت النوافذ في وجه اليراعسافرت عبر فيافي النفس طائعةامتطيت صهوة الحيرة.تحت جناح الأفوليشرعني الخوفأروضه شهبا نازفةيسيرني نهر الألميدخلني مراياه ضائعةجسدي مفتوح على ضفاف الفراغ يرقب أحلاما منكسرةتبيح لي المحظور.أتوغلأبحرحيث الصمت يفتح لي شفتيهيهدهد مهد البوحيبقى على شفتي ركام(ص:26-27).
ولكن الشاعرة لاتستسلم للأحزان القاتلة ، ولا تبدو مشلولة عاجزة، بل تثور على واقعها الداخلي والموضوعي، تنتفض كما ينتفض "النسر" في قصيدة الشاعر السوري عمر أبو ريشة المعنونة بنفس الاسم. وبهذه الانتفاضة الشجاعة، تتجاوز الشاعرة واقعها المأساوي ووساوسها القاتمة كما في قصيدتها" سراديب المحال":
لحظةقبيل بزوغ القصيدهحملتني خفافيش هذا الزمانوطارتهربتنيطارت بينحو سراديب المحاللكنني انتفضتوثرت على سيدها وقعت على الأرضوا...قفة(ص:29-30).
وترثي الشاعرة في قصيدتها" سادس عشر ماي" ضحايا الإرهاب، فتندب الجثث المتكدسة والدماء المنسابة من الأجساد المطروحة في شوارع مدينة المأساة. وتتحول هذه الدماء الحمراء إلى كوابيس الجنازة وأشباح ليالي العقم ومواويل الحزن التي تتمنى الشاعرة ألا تعود أبدا برناتها المفجعة وأنغامها الناعية:
تتسع الأرصفة لرواد الليل البسطاءتحتضنأجسادا طريهتداعبثغوراتموج بألف سؤالكوابيس حبلى تصرختملؤني هوساتقتحمني جنازة بغير جسدأشلاء. دماء. أشلاء. دماء. دماء...........................كانت كوابيس حقاوستمضيتمضيمضتولن تعودربما...لن تعود(صص:31-33).
وتنتقل الشاعرة في مسارها الشعري مما هو ذاتي وجداني إلى ماهو وطني، لتعود مرة أخرى إلى الذات لتعكس جدلية الظلمة والنور على غرار شعرية گاستون باشلار. فتربط الشاعرة الظلمة بالموت والأحزان، و تقرن الإضاءة والنور بالحياة وشموع الحب والفجر والأمل المعسول والتجدد الأنطلوجي والانبعاث الحضاري والولادة العنقائية مع كل ولادة شعرية ومولد قصيدة إبداعية:
أنتقل بين شطآن القصيدهاستجمع نوار الكلماتأصوغه إكليل محبهلهذا المساء الجميلأنفض عن نفسي الأطيافأتوارى خلف شعاب الكلاممن تخومهاأرسل الهمهمات احتفاءبشموع أوابد************يا شموع...أغيثي بضوئك هذا المكانأجهزي على الغسق السرمديهدهدي نجوم الزمن الآتيأضيئي زمنا لايدمن إلا الظلام(ص:34-36).
ولا تقف الشاعرة عند حدود الذات والوطن فحسب، بل تسافر بريشتها الإبداعية إلى معانقة جروح الأمة العربية التي لم تندمل بعد. وتنقل لنا الشاعرة صورة سجن أبو غريب الذي يعد رمزا للعار والمهانة ، ومكانا ينتهك فيه العرض العربي بصفة عامة والعراقي بصفة خاصة. ويجسد هذا السجن العراقي في منظور الشاعرة زمن الرداءة والانحطاط والإحباط العربي وانكسار الأمة الإسلامية من المغرب إلى المشرق:
تطاردني ذئاب الآلامفي أعماق الرافدينيترعرع قطر الجراحتسبح ملمومة في الهواءلاتلبث أن تتشجر في جسديأشرعوا عرضك في المزادنهشوا وجهك المكلومدفعوا بك في سراديبنتنة برياح مرثيهنخيلكيزحف ثاكلاقوانينك تبدت جراحا متعفنهعقبان تساقطت على جسمك المصلوبفاشهدي يا بابلهذه مآسيك(ص:40-41).
وتناجي الشاعرة في قصيدتها( غياهب الصمت) معشوقها المكاني أو الذاتي في لحظات موتها واندثارها والتحافها بالصمت الساكن والحزن المترع بنخب الصراع والانحدار والسقوط المتدرج نحو الانهيار، و الموشح بأسرار العرفان ونشوة الانتصار عبر تدفق الأمواج المولولة الصارخة في وجه الزمن العاتي:
تربعت على عرش البحرتناجي الموت الرهيبتتوق للحظة غيثترقب ذبولهافي نزعة الاحتضار الأليمهتنتصب الأمواج**********تثور النوارستتوالى الأمواج مولولةتنشر أجنحتها فوق السطح تحتوي آلامكصراعك الكتومتعانق فيك شطحات احتضاركتحيلها أغرودة للآتي(ص:44-45).
وتنتظر الشاعرة من سينزع عنها ثوب الأحزان ويمزق عنها سرداب الصمت الساكن، ويخرجها إلى وسط الحياة ويحولها إلى وردة حمراء تنبض بالحيوية والحركة الصاخبة. فترى في أبيها ، والشاعرة مازالت تحمل في لاشعورها عقدة إلكترا، المنقذ الحنون الذي سيعطيها الضوء الأخضر لتنطلق حرة في عنان السماء لتلتحف برداء الأمان و شعلة الأحلام الوهاجة:
دعني ألتحف بكألوذ بك من رياح الزمنأرقي***************تحت سمائكأنثر بقايا أفكاريمزق عني الأحزانلأحكيها لعبة للأقدار**************كيف لي أن ادخل حلمك المسدود؟كيف لي أن أهجر سراديبي المفزعة؟لأنير لك يا أبتي السبل المقبره.وأكبح عنك جموح مراثي شعركوأحيي فيك أحلامك(صص:47-49).
وتقع الشاعرة صريعة العشق لمدينتها الحمراء كشأن شاعرها الكبير محمد بن إبراهيم، مراكش عروس الجنوب التي صارت سيدة المدائن ، وملاذ الشعراء العاشقين الباحثين عن لغة الأشواق الدافئة، والأفراح الوردية، واستقطار الأسرار اللدنية:
عشقتك لحد الرثاءتحت جناحيك أيتها الحمراءغنيت وصلة عشقي الجميلتحت نخيلكأزهرت فصول أشواقيشهباتتلاشى فرحاتتلاشى حنينا(ص:50).
وتقع الشاعرة أيضا أسيرة جمال مدينة الصويرة الذي يطلق في المبدعة خيال الحنين والشوق، ويذكرها هذا المكان الشاطئي بنوارسه وأمواجه العارمة بزمن الحرية والانعتاق من جبرية الذات والتقاليد الموبوءة. وتستلقي الشاعرة بين أطياف البحر وأحلام المكان، وتنام بين نبضات صدره راغبة في الإبحار إلى الجزر السندبادية حيث الأشعار المثالية والألحان العذبة وأشجار تانگارو الباسقة بعيدا عن الناس وذبول البر ويبس الحس:
طلقت قيظ الحمراءأسريتحملني إليك هسهسات الأشواقعلى صهوة الحنينأرمي ورائي المسافاتحتى انتهيت إلى " أزلف"رياحك تسيج المكان فتحيلك نجمةتتهفهف بين غابات الطاگبذراعيهاتطوقك الأسوارتهدهدك في كبرياءيشتد عواء الريحيحمل إلي همس نوارسكيا صويرةيا فيلجة الريحكل شيء بين أحضانك(ص"61-62).
وتتحول الأحلام الوردية عند شاعرتنا إلى سراب زائف وآمال خادعة حينما تحاول أن ترسم لنفسها في المرآة الخلفية حبا معسولا يكنفه البياض وتحفه البراءة ويشتم منه العطر الفواح والعبير الراقص، بيد أن هذا العشق سرعان ماتعضه الأشواك ، ويصيبه الذبول المتساقط في الخيبة والفشل الذريع:
ساميايطل من القلب المفتوح على البياضجئت تمنحني الخلاصنرتاد الفراغنرشف المستحيلنذيب الأحلامأهازيج تتوقد نارانشتعل كوكبة من الآمال*********بين الأوردةتتبرعم القصائدثم ما تلبث أن تتناثرمتدثرة بالذبولنعمكم كنت بعيدة!(ص:54).
وترتحل الشاعرة مع صديقاتها العزيزات مع عائشة أحسين في قصيدتها" لعيدك الفضي" التي تهديها باقة حب وعشق بسعفات مراكشية حمراء:
لعيدك الفضيأراقص السعفات المراكشيةأنشر الحب دفءا وعطرايكلل شذى وأسراب حمامأفتح الباب لأهازيجتتفتق زهورا جوزيةتنفض أسوار الحمراء شماعد تسيج المكانخجلاتكأكأت الدرارىءلتشمع أيامك زهوا.(ص:55-56).
وتهدي الشاعرة لأختها هند بلبركة ياقة ياسمين وحقائب عشق ومواويل شوق ووجد:
أنتكوكبة من الألحانتوقظين في نفسي بقربككل الأشياء الجميلة(ص:60).
وتردد الشاعرة في قصيدتها الرائعة" جئتك عاشقة" موال الحب والعشق ثائرة على الصمت والحقد الساكن لتعلن حبها الصريح ، لتبحث عن عشيقها الغائب وفارسها العذري فاتحة قلبها لنبضات الدفء الأسمى والحب الوردي المفعم بالألفة والمودة والغد المعسول والآمال المنشرحة بالفرح الدائم والرومانسية الوجدانية الحالمة:
جئتك عاشقةأنا المخمورة بحبكأحيي فؤادي المتشظياسقني كلماتك عشقايستيقظ قلبي القتيل على حد البعاد.*********جئتك عاشقةاستنفر فيك قبلات دافئهتحجرت بين شفتيكأقطفهاقبلة، فقبله...اقتحم حيائي المنكسرفمازالت أوتار قلبي تعزف أهازيج وجودك***********جئتك عاشقةفافتح لي صدركأشمه بكؤوس عشقيأجدد فيك شوقاخبا تحت أهداب الرحيلأغازل فيك رغباتك المتمنعةعل هذا يزهرني من جديد.(صص:67-69).
يتضح لنا من خلال هذه المضامين الشعرية أن المبدعة إلهام زويريق تتناول مواضيع ذاتية ووطنية وقومية. ويعني هذا أن الشاعرة تعزف على مجموعة من الأوتار الدلالية والتيمات المحورية الكبرى كتيمة الذات وتيمة المكان وتيمة الأمة وتيمة الوطن وتيمة الصداقة. ولكن يبدو أن الشاعرة في هذا الديوان شاعرة رومانسية تتغنى بالذات والحرية والوجدان والألم والحب، وتثور في المقابل على واقعها المحبط ، وعلى العالم العربي الإسلامي الذي تنخره الجروح الدامية والمآسي المتعاقبة، والذي توجعه النكبات المريرة وتدميه النكسات المتتالية.
وليس هناك أدنى تناقض بين الموضوع والذات، فالشاعرة تنقل لنا كل المواجع المرجعية والمصائب الواقعية والقومية عبر منظار الذات تصغيرا وتكبيرا، فيتحول قلبها إلى عدسة زوم Zoom المكبرة لهموم الذات ومشاكل قلبها .
ويلاحظ على الشاعرة أنها تعزف أنغام الثورة والتمرد على العادات والتقاليد البالية، وترفض سلطة الأنا الأعلى وكوابيسها الأبيسية، ولكن الشاعرة مازالت مقيدة بمشاعر عقدة إلكترا ، وتذكرنا بالمثل العربي المشهور:" كل فتاة بأبيها معجبة".
بيد أن أباها كما نلمح ذلك من خلال سطور قصائد الديوان وعنوانه الخارجي يحول بينها وبين إبداع الشعر والارتواء من معين الحب ، ويمنعها أن تكون إنسانة طبيعية وعفوية في أحاسيسها ومشاعرها الدفينة. وكأني بالشاعرة تتبرم كثيرا من قيود المكان والمجتمع وطابو الأنا الأعلى الذي لايصدر سوى الأوامر والنواهي. كما أنها تعاني من مرارة الجبر والاختيار، وتقف مشلولة أمام المتاريس الاجتماعية المكبلة. لذلك، تنتفض الشاعرة كانتفاضة العنقاء معلنة تمردها وثورتها الجامحة عن القيود الموروثة وواقعها المر التعيس صارخة في وجه الظلم والصمت والقمع المكبوت هاربة إلى أماكن الخيال والحب والعشق وجزر الدفء والفروسية العذرية والحياة المثالية الهادئة.
ب- المستوى الفني والجمالي:
تستند إلهام زويريق في بناء ديوانها الشعري إلى القصيدة النثرية التي تنزاح عن نظام الشطرين ووحدة الروي والقافية كما في القصيدة العمودية الكلاسيكية ، وتتمرد كذلك عن نظام التفعيلة كما في الشعر الحر.
هذا، وتتسم قصائد الديوان بالوحدة الموضوعية والعضوية بله عن الاتساق والانسجام. وتضفي العناوين الداخلية على القصائد الشعرية وحدة دلالية وترابطا نحويا وموضوعيا ومرجعيا.
وتختار الشاعرة بكثرة البناء الغنائي الوجداني في صياغة قصائدها الشعرية، ولكن تشغل البناء السردي( ذات مساء) كما في هذا النموذج الشعري:
ذات مساء أغمضت عيني
صاحبتني دمدمات الرياح(ص:26).
ويخلو الديوان من القصائد المركبة الدرامية ذات القالب المسرحي. بيد أن هناك قصائد ذات تركيب جدلي متصاعد ولاسيما القصائد التي يتصاعد فيها الإيقاع الهرمي من الألم نحو الأمل، كما أن هناك قصائد تتخذ تركيبا سيكولوجيا تبين لنا أزمات الشاعرة الداخلية وثورتها على واقعها الداخلي والخارجي.
ويطفح الديوان كذلك بشعرية الوضوح بعيدا عن الإغراب والإبهام والغموض الذي نلفيه لدى الكثير من شعراء الحساسية الشعرية الجديدة . فنحن لانفهم شيئا حينما نقرأ نصوص شعراء "الانكسار" أو " شعراء "اللغز والإبهام" بسبب التوغل في التجريد والتعتيم وتعمية الرسالة الشعرية ؛ بسبب عدم وعيهم بمقصدية الشعر وإدراك مفهومه واستجلاء وظائفه التداولية.
ولكن الشاعرة في كل قصائدها الشاعرية كانت واضحة في معانيها ومقاصدها، نستطيع بكل سهولة تفكيك أسطرها الشعرية واستيعاب مضامينها على الرغم من أن الديوان هو أول عمل إبداعي للشاعرة.
وإذا انتقلنا إلى مجال الإيقاع الخارجي، فالشاعرة تعتمد على الإيقاع الانفعالي وبعض التفاعيل العفوية التي تخلق نوعا من الإيقاع الداخلي الذي يعوض الإيقاع الخارجي. ومن ثم، فالشاعرة تختار الإيقاع النثري، وتترك عواطفها ومشاعرها تنساب مع حرية الإيقاع الداخلي الذي يعتمد على حرية الروي والقوافي، معتمدة في ذلك على حركة السكون التي تخلق هرمونية الوقف والسكت في انسجام مع حركة الكسر التي تهيمن كثيرا على قسمات الديوان، ومن دلالاتها الرقة والانكسار والفشل والخيبة.
تقول الشاعرة مستخدمة سكون الوقف للدلالة على الحيرة والتيه والتلذذ بالعبث وتوقيف الأنفاس المحترقة باللوعة والشجا:
هائمةفي بحر لاحدود لهأنازل أمواجاأصارع أخرىأذود عن وجودي الأبديتتعسر الولادهأجوب شطآنك المتوهجهأتدلى نحو حقول المحاراتأنتشلهامحارة محارهتولد القصيده.(ص:24-25).
ويضفي السكون باعتباره إيقاع السكت والتوقف على الشعر نوعا من الانسجام الموسيقي ، ويزينه بخاصية التنغيم ليسهل إنشاده وترداده من قبل المتلقي.
هذا، وتوظف الشاعرة المماثلة والتوازي الناتج عن التكرار والاتباع والتجنيس اللفظي والصوتي:
تقتحمني جنازة بغير جسد
أشلاء. دماء . أشلاء. دماء. دماء.(ص:32)
ولاحظ أيها القارئ المتتبع هذه الأسطر الشعرية الموالية لتكتشف خاصية التجنيس وتساوي الأصوات والكلمات في صيغتي :الإثبات والنفي ، وكل هذا يساهم في تنغيم القصيدة الشعرية:
وستمضيتمضي...تمضي...مضتولن تعودربما..لن تعود(ص:33).
وتلتجئ الشاعرة أيضا إلى استخدام معجم شعري متنوع الحقول الدلالية ( حقل الذات، وحقل المكان، وحقل الصداقة، وحقل الوطن، وحقل الأمة)، كما تتسم لغتها بالوضوح والسلاسة والرقة والأنوثة والليونة فضلا عن الرمزية والانزياح والإيحائية الشاعرية.
ومن ثم، فالقاموس الذي توظفه الشاعرة يغلب عليه الطابع الرومانسي الوجداني؛ لأنه يعكس ذات المبدعة بكل صدق وانفعال عفوي.
وتزاوج الشاعرة بين الجمل الفعلية المتوترة مستخدمة في ذلك انزياح التقديم وخلخلة الرتبة للتأشير على التخصيص وخلق شاعرية الإيحاء. كما تشغل الشاعرة جملا اسمية للإثبات والتأكيد والتقرير وتوصيف انفعالاتها لدعم ملفوظاتها الشعرية.
ومن جهة أخرى، تستخدم الشاعرة جملا خبرية وإنشائية لتوفير الوظيفة الشعرية وخلق الإيحائية البلاغية والبيانية. لذا تستعمل الشاعرة النداء والنفي والتعجب والأمر والقصر والحصر:
ياشموعأغيثي بضوئك هذا المكانأجهزي على الغسق السرمديهدهدي نجوم الزمن الآتيأضيئي زمنا لايدمن إلا الظلام (ص:35).
وفيما يخص الصورة الشعرية، فلقد وظفت الشاعرة التشبيه الرومانسي الحسي كما في هذا الشاهد:
فوقي أقمار بكماء
تتراقص مثل فقاعات الماء.
واستعملت كذلك صور المجاز والرؤيا عن طريق تشغيل الاستعارة وما أكثرها! والتي أتت من أجل التشخيص والتجسيد والأنسنة والتعبير عن انفعالات الذات وتبيان عواطفها ومشاعرها الوجدانية:
محمول إليعلى بساط ملتهبتدثرت أغنية حزينةتجدد في الصمت المهانأتصيد الأوهامأترمرمتأتيني الإيقاعات سقيمهأيها الليل الجافيكفكف عذاباتك عنيفما عادت صراصيرك تخيفني( ص:38).
ولا تكتفي الشاعرة فقط بهذه الصور المجازية والتشابيه والكنايات الموحية ، بل تشغل الرموز والأساطير مستوحية أسطورة العنقاء من خلال استعمال ألفاظ توحي بالموت والانبعاث والتجدد والولادة الثانية. ومن الرموز التي توظفها الشاعرة الرموز المكانية ( أبو غريب، الصويرة، الحمراء، بابل...)، والرموز الطبيعة:(عقبان، الليل، البحر، النخيل..):
نخيلكيزحف ثاكلاقوانينكتبدت جراحا متعفنهعقبان تساقطت على جسمك المصلوبفاشهدي يا بابلهذه مآسيك(ص:41).
وتحقق هذه الصور الشعرية الوظيفة الانفعالية التعبيرية التي تحيل على تمزق الذات وترنحها وتأرجحها بين الألم والأمل وبين التشاؤم والتفاؤل.
وتهيمن ضمائر الذات إفرادا وتثنية وجمعا على معظم قصائد الديوان لتنسج سيمفونية البكاء وترانيم الجنون والحزن الأسود. كما ترسم هذه الضمائر الذاتية حياة العبث ولوحات الثورة والتمرد عن الواقع الذاتي والوجودي والمرجعي. هذا الواقع الموبوء الذي يعج بالتناقضات، وتطفو على سطحه المخروم كثرة السلبيات ، ويتهاوى كل يوم إلى عمق الحضيض عبر مزالق الانحدار إلى مساقط الذل والهزيمة والانكسار والفشل والخيبة. وكل هذا ينعكس بطبيعة الحال على نفسية الشاعرة المنخورة باليأس والانتظار والترقب والوحدة والغربة الذاتية والمكانية.
خاتمـــــة:
يتضح لنا مما سبق أن المبدعة المتميزة إلهام زويريق شاعرة بمعنى الكلمة، استطاعت بديوانها الأول أن تفرض نفسها في ساحة الإبداع الشعري المغربي، وأن تصعد بكل اعتزاز وزهو إلى بعض طبقات الهرم الشعري متبخترة في ثوب صورها الشعرية الذي يجرجر معه ذيول الانتصار والتحكم في ناصية الشعر انزياحا ومجازا. واستطاعت كذلك أن تفرض اسمها ووجودها في الساحة المغربية بصفة خاصة والعربية بصفة عامة بشعرية الوضوح ونضج شعرية كتابتها الأنثوية.
وما يميز في الحقيقة الشاعرة إلهام زويريق عن باقي الشواعر المغربيات هو الصدق في التعبير والوضوح في الكتابة وركوب الأسلوب السهل الممتنع في قرض شعرها، والتمكن من التعبير وتوفقها في صياغة الصور الشعرية وتوضيح مقصدية نصوصها والاهتمام أيما اهتمام بالرسالة الشعرية.
أما على مستوى الدلالة ، فتتسم مضامين الشاعرة بشعرية الثورة والتمرد عن الواقع الذاتي والموضوعي مستشرفة بحسرة وتفجع غد الحرية والأحلام الوردية والآمال المعسولة.
ونهنئ في الأخير شاعرة الحمراء على هذا الديوان الجميل ونقول لها جاهرين : أنت شاعرة جادة ومتميزة ، فانطلقي الآن بيراعك الشاعري وانسجي خيوط تجاربك الشعرية الجديدة بنفس الإيقاع المعهود وبنفس الوضوح والصدق في نظم الانفعالات المتدفقة والتعبير الجميل عن المشاعر الوجدانية. ولقد حققت أيتها الشاعرة الرائعة ما كنت أصبو إليه في بيت من أبياتي الشعرية:
دع الـوزن وابــك بقلــب حــزين
فمــا الشعــر إلا حديــث القلـوب.