شجرة الحب
كانت معظم الأشجار في الغابة غريبة بالنسبة لي، باستثناء قليل منها. كانت تلك الأشجار القليلة تصطف بجمال كبيت شعر عربي مكون من سبع كلمات. شعرتُ تجاهها وكأننا أصدقاء قدامى، لقد شكلوا مجتمعًا، أو كأنهم تجسيد للحب الحقيقي. لا أعرف ما الذي دفعني إلى الحديث مع هذه الأشجار بصوت عالٍ، ربما كان مظهرها الآسر. كانت هناك شجرة كبيرة وناعمة في المنتصف بدت لي كالأم، فقلتُ تحتها بصمت: "حب". لم يرجع الصدى بكلمة "حب" فحسب، بل بالكلمة العربية نفسها. فدهشتُ وواصلت: "سماء - شجر، سماء - أشجار". "حب - سماء - شجر". كان الصدى العربي يتردد في الغابة بشكل مختلف، بدا أكثر رقة وحدة.
يا له من شعور جميل أن تسمع العربية في الغابة! لم تكن الطبيعة صامتة أبدًا، بل كان عليك فقط أن تتحدث إليها وتصغي. حتى أشجار الغربة كانت تتحدث العربية، هكذا حدثت نفسي وفتحت ذراعي. استنشقت عبير الأشجار، وتأملت الأغصان والبراعم، وشعرت وكأن الغابة تحتضنني. شعرتُ وكأنني أعرفُ الطريق، اتبعتُ علاماتِ المرور، لكنني ضللتُ. ومع ذلك، لم ينتابني الخوف من عدم القدرة على إيجاد مخرج. لم يسبق لي أن دخلتُ غابةً في العراق من قبل. إنّ الصور التي في ذهني عن الأشجار والغابات مستوحاة من القصص التي كانت ترويها لي جدتي. نشأتُ في مدنٍ قلّما تجد فيها مساحات خضراء. فباستثناء الحدائق الخاصة، لا تكاد ترى الأشجار إلا في الحقول خارج المدينة. أشجارنا المحلية، كالنخيل والزيتون والرمان والليمون، تزرع وتُعتنى بها بأيدٍ بشرية. لطالما أكدت أستاذتي، التي كانت تُدرّسنا الشعر العربي الحديث آنذاك،كانت تؤكد على ذلك مرارًا وتكرارًا. كان حبها للطبيعة والأشجار جارفًا، تمامًا كحبها للنصوص القصيرة. كانت تتمتع بصحة جسدية وعقلية جيدة، وعندما تتحدث عن الشعراء، كانت تبدو واثقة جدًا من نفسها، وكأنها تعاشرهم يوميًا. كانت تقول: "أجمل أبيات الشعر هي التي تعكس الطبيعة، ولا بد من حفظ قصيدة جيدة عن ظهر قلب لإبقاء الروح حية".
كان تأثيرها في الصف كبيرًا، وكان الكثير من الطلاب معجبين بها، بمن فيهم أنا. كانت جميلة وتتمتع بشخصية قوية. أمام هذه الشخصية، لم يكن الرجال يكنّون لها الاحترام فحسب، بل كانوا حذرين منها أيضًا. لم تكن تحظى بشعبية كبيرة بين الأساتذة بسبب ثقتها بنفسها.
كانت هذه الأستاذة على النقيض تمامًا من تلك التصورات النمطية. قالت لنا ذات مرة: "عندما كنت أشعر بالضيق في المنزل وأنا طفلة، كنت أهرب حافية القدمين إلى حديقتنا. كنت أقطف أغصانًا صغيرة من شجرة الرمان وألهو بها. وما زلت أفعل ذلك حتى اليوم، لأن أفضل دواء للمرارة بالنسبة لي هو الاقتراب من الأشجار"لكن بدلًا من اللعب بالأغصان، أكتب بها اليوم قصيدة قصيرة على الأرض." سألت طالبة: "لماذا الرمان تحديدًا؟ أليس لديكم أشجار أخرى؟" أجابت: "بلى، لدينا أشجار أخرى، لكن شجرة الرمان في ثقافتنا رمز للحب، يجب أن تعرفي هذا." ثم بدأت تجمع كتبها.
"كنت أعرف ما تعنيه، فقد أخبرتني جدتي بذلك ذات مرة. قالت: ’في كل شجرة رمان، يوجد الكثير من الرمان، ولكن واحدة فقط من هذه الثمرات تحمل نواة مميزة جدًا. هذه النواة من الجنة، ومن ذاقها سيحظى بالحب والفرح والسعادة في حياته.’ وأوصتني جدتي قائلة: ’لا تشارك ثمرة الرمان هذه مع أحد يا بني، لأنك لا تعلم إن كنت ستعطي حبك".
«وأنت؟ أنت تحب تناول الرمان. هل وجدت نواتك في حياتك؟» سألتها. ضحكت: «عندما كنت صغيرة جداً، كنت أتحدث مع جميع الفتيات من قريتي عن الحب. كنا نضحك ونشوّش، لكننا كنا نتحدث فقط عن نصف أسرارنا». «نعم، لكن قولي لي الآن، هل وجدت هذه النواة؟ قولي لي، كيف تعرفت على جدي؟"
كانت جدتي رحمها الله تحدثني عن لقائها الأول بجدّي فتقول: "تخيّل يا بني، لم أره إلا يوم زفافنا! لم يكن مسموحًا لنا نحن الفتيات في ذلك الزمان أن نرى الخطيب أو نتعرف عليه قبل عقد القران. لكنني لمحتُه خلسةً من النافذة عندما جاء مع والده لخطبتي." وتضيف مبتسمة: "كان يومًا مشمسًا من أيام الشتاء الباردة، وكنتُ أحمل أختك الصغيرة وأداعب شعرها بحنان، ثم تنهدت وقالت: "بكيتُ تلك الليلة بكاءً مرًا، كنتُ خائفةً جدًا، بدا لي كجذع نخلة طويل القامة! لم أكن أرغب بالزواج منه. حاولت أمي تهدئتي وإقناعي بأن الرجل القوي والشديد هو الذي يجلب السعادة في الحياة.
قالت لي: "ضعي قدمكِ على قدم خطيبكِ اليمنى ليلة الزفاف، وبذلك ستكون لكِ الكلمة الأخيرة في البيت." ثم أضافت: "لكن هل فعلتُ ذلك حقًا؟ هل ضغطتُ بقوة؟" سألتُها بدهشة. فأجابت: "لا، لم أكن لأفعل ذلك." ثم سألتُها: "وهل أنتِ سعيدة بهذا الزواج؟"
طوت يديها وهي تفكر، ثم نظرت إليّ للحظة وقالت: "يا بني، لا أعرف إن كنت سعيدة أم لا. أنا متزوجة فحسب." لم تعرف السعادة، ومع ذلك كانت تشع دائمًا حبًا ونورًا، وتتحلى بابتسامة لطيفة. كانت كزهرة عباد الشمس، لا تحتاج إلى بوصلة لتتجه نحو الشمس. كان كل لقاء معها بمثابة بداية جديدة لي لأتحمل الحياة في العراق.
لقد قدمتُ للعائلة الكثير من الخير، ولكن مع ذلك لم يبقَ منها إلا القليل. المنزل الذي عاشت فيه جدتي مع جدي وثمانية من أبنائها لنصف قرن، بيع وهُدم من قبل المالك الجديد ليُقام مكانه مغسلة سيارات. في زيارتي الأخيرة للبلد، اكتشفتُ أنه لم يستطع أيٌّ من الأحفاد الأربعة والأربعين أن يخبرني عنها شيء حتى و لو صورة.
غياب شجرة الرمان في هذه الغابة حرمني من فعلٍ كنت أود القيام به. حاولتُ، كما كانت تفعل أستاذتي، أن أخط كلماتي على الأرض مستخدمًا الأغصان. كنتُ أزيح الأوراق جانبًا وأكتب قصيدة صغيرة:
أنا الغريب. أملك أملًا وصندوقًا مليئًا بالأسرار.
أحملهما وأمضي، كصوفيٍّ يحاول بصبر أن يزهر حيثما زرعه القدر.
عندما تركتُ تلك السطور على أرض الغابة، سكنتني فكرة أن قارئًا ما قد يشعر بشيء من الغربة إذا ما صادف حروفي العربية.فتسائلت
هل يمكن للمرء أن يشعر بالغربة في الطبيعة؟" ُ
في تلك اللحظة، شعرتُ بحب وانتماء مطلقين.
