رقصة الظل
الثلج يتكسر تحت قدميك، صوتٌ خافت، ككل الأصوات المحيطة بك. بالأمس القريب، كان منظر الثلج الأبيض يملأك دهشة. أما الآن، فقد أطفأ هذا البرد آخر جذوة فضول فيك. تخترقك لسعاته الحادة، تشق العظام، وتنزع من روحك الرغبة في الحياة،
قبل الثلج، كنت تشعرين بكل حصاة تخترق باطن قدميك الرقيقتين. كانت قدماك متألمتين، متشققتين، متورمتين حتى أثناء النوم. الآن، قدماك مخدرتان، وعلى الرغم من خشيتك من قضمة الصقيع لكنكِ سعيدة لأن جسدكِ لم يعد يشعر بالألم
لقد أضناكِ التعب حتى نسيتِ طعم الراحة. أصبحت الكوابيس رفيقة دربكِ، مألوفة كالأشباح التي تطاردكِ لم يمر عام على زفافكما. لم يكن احتفالاً باذخًا أو فخمًا، لكنه كان أسعد يوم في حياتكما، فقد قضيتماه بين أحبائكما. ورغم أن الكثيرين لم يتمكنوا من مشاركتكما الفرحة، حضر كل من بقي على قيد الحياة، ومن استطاع الحضور، ومن استجمع قواه، ومن أُنهك
رقصت أشباح المفقودين في الظلال، ترافقكِ منذ ذلك الحين، وتفوق عدد الأحياء بكثير. هم الغبار والصراخ، الصمت الذي أعقب القنابل،
عيون الموتى المحطمة تتشبث بنظرتك، هياكل واهنة تخفي صلابتها. تجبرك على وصل الماضي بالحاضر، تحتضنيها بحزنك، بالرعب المستعر في داخلك، وقبل كل شيء، بمحبتك. يضيق صدرك، مقيدًا بدرع يغلف روحك. حياتك نسيج هش، وكل ذكرى جرح جديد، والألم ضرورة
يدكِ تحنو على بطنكِ بحماية، وقد انخفض مستواه عما كان عليه قبل أيام. تتضرعين إلى طفلكِ أن يتمهل، فالعالم الذي يزحف إليه لن يرحب به. أنتِ ما زلتِ عالمه، ولو أمكنكِ، لأبقيتِه في داخلكِ.
تخطين قدمًا تلو الأخرى،
كل خطوة نحو المجهول هي صراع مع الغرائز المتشبثة بالمألوف، والأمان الذي لم يعد سوى وهم هش. الشائعات تنتشر بسرعة وتذهب بعيدًا، والواقع يختزل في شعارات رنانة جوفاء، مزينة بالأمل، ومشوهة بالخوف. حياتك رحلة، والعالم هو طريقك فيها. قد يبدو هدفك حلمًا بعيد المنال، لكنك ستصلين إليه بالإيمان،
حتى وإن دفعتك قدماك إلى الأمام بينما يحذرك قلبك من الاستسلام للوهم. ثقتك مهزوزة، تقاومين الكلمات الطيبة، وتنغلقين على نفسك خوفًا من خيبة أمل وشيكة. تشعرين بالغربة، وكأنك لا تنتمين إلى مكان، بلا مأوى، تائهة في حرب فُرضت عليك. طفلك كان ينتظر، والرؤى كادت أن تذرف دموعها من قبل ومعها تنهمر الدموع، دموع الفرح ودموع أخرى لم تجرؤ على الانهمار من قبل
طفلك يحمل ملامحه شعره وفمه، وكل ما فيه ينطق بالحزن والألم تبكين بحرقة. تراقبين يده الصغيرة، يده الوحيدة وهي تنزلق من يدك على سطح القارب الأملس. تسمعين صراخك وتوسلاتك اليائسة، ولكن لا مجيب. الكل يبحث عن نجاته، منهكًا من أهوال الحرب. مشلولا أمام اتساع البحر من الصدمة، تحت وطأة قسوته المتجمدة
مسؤولية الطفل الذي في داخلك هي ما يربطك بالحياة، ويمنعك من الانجراف وراءها، أو السقوط في غياهب النسيان.لقد فات أوان العبور. البحر هائج، رمادي قاتم، ويغطيه الزبد. قليلون هم من يجرؤون على المخاطرة. وأقل منهم من ينجو. لكن هناك شائعات عن تجميد الهجرة وإغلاق الحدود، وطفلك في أمان ما دام لم يرَ النور بعد. هو معك، لن يتخلى عنك أبدًا. أقسم على ذلك، وسيفي بوعده. سيبقى معك حتى النهاية، وبعدها، لينضم إلى جيش أشباحك.رافقوك بصمت، وقفوا بجانبك في صمت، استقبلوا طفلك بصمت أصداء حياة أخرى...
" الحياة التي طالما حلمتُ بها. هو هناك أيضًا، يراقب طفلنا. أبتسم له بامتنان لكل ما خاطر به وضحّى به من أجلي. يطلق صغيرنا صوتاً رقيقًا يغمرني بالحنان. شعورٌ غريبٌ يلفّني، أكاد لا أدركه للوهلة الأولى. إنه السعادة الحقيقية. أنظر إليه، أتوق لمشاركته فرحتي هذه؛ فكل هذا الفضل يعود إليه. يبتسم ابتسامةً باهتةً توجع قلبي، شيءٌ ما يتغيّر في داخلي، يتلاشى مع كل ما مضى."
ترقص جزيئات الغبار في الظلال
