الثلاثاء ٢٤ آذار (مارس) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

سوق شعبي

الضجيج متراكم بين الأزقة الضيقة، التي ابتلعت الخطى وأعادتها مهشمة، محملة بصدى الأصوات القديمة. النداءات والضحكات، حتى الحذر، تلفّ في الهواء كما لو أنها تدور في طقس يومي لا يكتمل إلا بالوصول إلى هذا المكان. كل شيء عادي، لكنه مشحون بشيء غامض، لا يُرى بالعين، يُحس في الجو والهوية معاً.

أبو أحمد رص الفواكه بعناية استثنائية، يلمع التفاح بقطعة قماش عتيقة، ينظم البرتقال والموز بطريقة توحي بأنه يعيد ترتيب العالم كله، لا بضاعته فقط. كل حركة منه تحمل ثقل ما لا يراه الآخرون، شيئاً عن الزمن والغياب الذي يختبئ خلف التفاصيل الصغيرة.

سلمان طارق جلس بجانب أكياس الحبوب، يترك العدس والحمص والفاصوليا تنساب بين أصابعه كما لو كانت حكايات تُهمس في صمت. كان يسمع نغمات خفية في حبوبه، ويزنها بهدوء، يساوم بلطف، ويرفع صوته فقط حين يختل الميزان، لحظة نادرة تتحول فيها المسألة إلى صرخة صغيرة في الفضاء.

بينهما، تتسلّل رائحة الورق القديم من مكتبة “القرطاس”. أبو زمن يجلس خلف مكتبه الخشبي، عيناه نصف مفتوحتين، يراقب الداخلين كما لو أنه يقرأ ما لم يُكتب بعد. الكتب المكدسة لا تنتظر قارئاً عادياً، كل منها يخفي سرّه، أحياناً يُخرج كتاباً بلا عنوان، يلمس الغبار، يعيده، كأنه يكتم شيئاً لا يمكن إفصاحه.

أبو مريم وابنه حامد يقفان أمام مكتب المزايدات. اللافتة باهتة، لكن صوت المزايدة يتصاعد بلا انقطاع. “بداية بمئة!” يصرخ حامد، بينما الأب يراقب الوجوه لا السلع. كان يعرف الفائزين قبل أن تبدأ المزايدة، كما لو أن لديه اتصالاً خفيّاً بالعالم غير المرئي بين الأشياء.

في نهاية السوق، حيث الضوء يتردد في المرور، يقف محل “حلاق الركن”. شهاب لا يتعجل، يمسك المقص كأنه أداة كتابة، يراقب انعكاس الوجوه في المرآة أكثر من الشعر نفسه. كل زبون يخرج أخف، ليس لأن الشعر قُصّ، بل لأن شيئاً ما يُقتطع من كينونته بهدوء، وبدون أن يُلحظ.

الأيام تمر، السوق يعيد نفسه، لكنه بدأ يهمس بالاختلافات الصغيرة: تفاحة مفقودة، كيس عدس أخفّ، صفحة بيضاء في كتاب بلا عنوان. ثم ظهر الصندوق، مغلق، غريب الشكل، ولم يعرف أحد ما بداخله. لكن المزادات بدأت عليه بسرعة غير مفهومة:

“بمئتين!”

“ثلاثمئة!”

“خمسمئة!”

وفي المحل، جلس رجل مجهول، صامت، يراقب المرآة، بينما شهاب يتردد للمرة الأولى قبل أن يرفع المقص.

مع اقتراب الظهيرة، بدأ السوق يضيق في الإحساس: الأزقة اقتربت من بعضها، والأصوات تُبتلع قبل أن تكتمل. أبو أحمد ترك فواكهه للحظة، سلمان توقف عن الوزن، وأبو زمن خرج من مكتبته ممسكاً بالكتاب الأبيض.

ثم حدث شيء لا يُرى بسهولة: صوت واحد اختفى، تلاه آخر، وراح السوق يفقد ضجيجه طبقة بعد أخرى، كأن أحداً يطفئه من الداخل.

حين فُتح الصندوق، لم يظهر شيء ملموس. لكنه أثّر على الجميع: الواقع بدأ يختلف، والوجود أصبح أثقل وأخف في آن واحد، والزمن نفسه بدا أبطأ داخل السوق.

منذ ذلك اليوم، يعيد السوق نفسه كل صباح، لكن لا أحد يثق تماماً بما يراه، ولا يمكن للزمن أن يثبت هويته. الصندوق أصبح مركز قوة خفية، يختبر من يقترب، يغير ما لا يُرى، ويترك أثره في الفراغ الذي يتسع لكل شيء… لكنه لا يسمح بالعدم.

أبو زمن وحده يبتسم أحياناً، يفتح كتابه الأبيض، يجد سطراً جديداً قد كتب نفسه هناك دون أن يعرف من كتبه، ويهمس:

“ما يُسحب من العالم لا يختفي، بل ينتقل إلى مكان يتسع له… حتى لو كان ذلك المكان صندوقاً لا يتسع للعدم.”


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى