

سفر في ديوان "أسماء بحجم الرؤى" للشاعر جمال أزراغيد
جمال أزراغيد أمازيغي المنبت وعربي اللغة، وأستاذ مبدع في مجال الكتابة الشعرية والنثرية على حد سواء. وهو من مواليد مدينة الناظور التي توجد في الشمال الشرقي من المغرب الأقصى، كما أنه عضو نشيط في اتحاد كتاب المغرب مركزا وفرعا. ويمثل المدرسة الرمزية في الحركة الشعرية بالمنطقة الشرقية إلى جانب يحيى عمارة وعلي العلوي وآخرين، ويحمل ديوانه رؤية وجودية قوامها المعاناة واللامبالاة والسأم الوجودي والقلق النفسي والصراع من أجل البقاء وإثبات الذات.
ويتسم شعر جمال أزراغيد بالشاعرية العتيدة والرمزية الموغلة في التجريد والغموض الفني والإبهام الجمالي حتى يصعب على القارئ المتخصص في الشعر والنقد أن يلج إلى عالمه الشعري نظرا لتعقد شبكاته اللغوية وتعدد دهاليزه ودروبه المتشابكة، ونظرا لأبوابه الرمزية العديدة التي تساهم في تخصيب المجاز والرؤيا الشعرية وتخلق لغته الإيحائية الغنية بالخرق والانزياح.
1- المستـــــوى المناصـــــي:
يلبس الديوان الشعري "أسماء بحجم الرؤى" لجمال أزراغيد حلة وردية رومانسية ذات مقاس متوسط في الحجم، ولكنها كبيرة بأسمائها ورؤاها الشعرية ودوالها التشخيصية والمجازية. وقد صدر الديوان لأول مرة سنة 1998 عن مطبعة الإصلاح والتوحيد بالرباط في خمس وستين صفحة وخمس وعشرين قصيدة.
ويحمل الكتاب تعيينا جنسيا بهذه اللفظة النكرة "شعر" مرفقة بلوحة أيقونية تشكيلية موغلة في التجريد البصري، وتحيل بلونها الأزرق على عالم الأمواج الصاخبة، وبلونها الأحمر على المعاناة و أنياب الموت وأشواك الحياة القاهرة للإنسان.
وفي الغلاف الخارجي الخلفي، تحضر صورة الشاعر جمال أزراغيد بقسماتها الصارمة وملامحها التي يشوبها الألم والأمل. وفي أسفل الصورة مقطع شعري يعلن فيه الشاعر أسطورة الموت والانبعاث وانهياره الداخلي واحتراقه الذاتي والكينوني وتلذذه بالصمت والنسيان.
وبعد الإهداء العائلي الذي يكن فيه الود والحب لعائلته الصغيرة، يدخل الشاعر مباشرة في عرض قصائده التي تحوي عناوين داخلية رئيسية وعناوين مقطعية إما مسيجة بالأرقام كما في قصيدة "شذرات كلام ملغوم"، وإما مقسمة إلى عناوين فرعية تيماتيكية كما في قصيدتي "أوراق من قصيدة سائبة" و قصيدة "للحجر لون قوس قزح" ونصه "وحيدان في وهج الليل"، وإما مقسمة إلى لوحات شعرية كما في قصيدته "لوحات على إيقاع الموج". ويشارك جمال أزراغيد في تقسيم عناوين قصائده الداخلية إلى عناوين فرعية ومقطعية الشاعر المغربي عبد الرحمن بوعلي في كثير من دواوينه الشعرية.
هذا، وترد عند شاعرنا القصائد السياقية التي تتحدد بمناسبات ظرفية تحدد ظروف النص والمهدى إليه والأحداث البارزة والدواعي التي دفعته لنظم قصائده الشعرية كما هو حال قصيدته "صلاة الغياب"، و"للحجر لون قوس قزح" و"نعيب البحر". وقد كتبت جل قصائده الشعرية مابين 1988 و1996م في عدة مدن مغربية وهي الحسيمة والناظور وتطوان والرباط. وتبقى الحسيمة المدينة الشاطئية الفاتنة هي المدينة المهيمنة في الديوان بكل ملامحها وقسماتها الجغرافية والمأساوية وفضاءاتها الإنسانية.
وإذا تأملنا العناوين الداخلية في الديوان، فإننا نجد عناوين رمزية مجردة مبنية على التشخيص المجازي والخرق الكنائي والترميز الإحالي. وتتمثل دلالاتها في التغني بالذات المتآكلة بالصمت والنسيان والخوف والتهميش والإقصاء. وتحبل هذه العناوين بالأسئلة الأنطولوجية وأسئلة الاغتراب الذاتي والمكاني التي يفرضها زمن الرفض ووقت الهشاشة والرداءة. ويعني هذا أن قصائد الدواوين أسفار شعرية محرقة بالتوهج والألم والأمل بين أمكنة متمزقة وعوالم ذاتية ووطنية وقومية، تتداخل فيها ثنائية البر والبحر التي تعيد لنا جدلية سندباد البري وسندباد البحري بمقاساتهما المختلفة. كما تؤشر العناوين على العذابات الإنسان الفردية في أبعادها المحلية وعذابات الوطن المستباح وعذابات الأمة وجروحها الدامية كالجرح الفلسطيني الذي زينه أطفال الحجارة بالحناء والورود المزهرة الناضجة بالأمل والحب واستشراف المستقبل المعسول والغد المأمول. كما يحضر في الديوان الصراع الجدلي بين الحياة والموت، وبين الحضور والغياب، و بين ثبات الرغبات الإرادية والغريزية وهزات الأرض ورعشات الشاعر المخيفة.
2- المستـــــوى النصـــــــي:
أ- البنيــــة الدلاليــــــة:
تنطلق الكتابة الشعرية لدى جمال أزراغيد في ديوانه "أسماء بحجم الرؤى" من ثنائية الألم والأمل، وتشتبك هذه الثنائية مع ثنائية الصمت والحزن وثنائية السكون والحلم:
لماذا ينبت الصبار الأخضرجنب الدروب الكئيبةشوكا...؟حين يطلق الأطفال عنان المقلاع،تسكن العوانس معابد القبورفي أول شهر تموز.لماذا يشهق الليل المعتمفي حزن:آن الصمت،والسكون المرهوم بالأنين؟ (ص:5).
ويتحول الوقت عند الشاعر إلى إشكالية جوهرية تكمن في صراع الإنسان بذاته وكينونته مع الوقت البتار الذي يلقي الشاعر بين أنياب الضياع والصدى والدموع الذارفة والنهاية المحتومة. إنها ارتعاشة الخوف من الزمن الذي يلهو بالإنسان ويحركه كيفما يشاء إذا لم يستغل الإنسان وقته فيما يجديه وينفعه:
يا وقت أبعد سيفك عن رعشة دميواغمده في مثلث الموتحتى لايعود.....!بيننا ياسادهصرة يفلت منها وقع الصدىحناياها ضياع،دموع،انتهاء....! (ص:8)
ويحضر فضاء البحر كثيرا في شعر جمال أزراغيد لينسج سيمفونية الحزن والخوف بأمواجه الصاخبة التي تعانق الأرض اليابسة الجافة. إن شعرية البحر هي الطاغية في الديوان ولاسيما أن الشاعر في أسفاره ينتقل بين أفضية شاطئية (الناظور- الحسيمة- تتوان- الرباط) تنم عن طقوس الفقر والضياع واللامبالاة والتسيب وضياع الإنسان والسفر غير المجدي المدمس بالضجر والقلق والوحدة والعزلة السوداء والظلام الدامس في كآبته وحرقته:
واقفا...على أطرافي العشرة أنسج الرمل سجادةأصوب وجهي وجهة البحرقبلة الهجركي أمنح قلبي لإله الموجللماء أبوح بآهات سريولزرقته أشكو رماد أرضيدفلى فقراء دربيدفلى تورق في عمق التاريخنجمافيضا...! (ص:9).
إذاً، يعزف الشاعر على أوتار أنشودة الماء كما نجدها عند الشاعر العراقي بدر شاكر السياب في ديوانه "أنشودة المطر"، والشاعرين المغربيين: محمد الأشعري في مائياته كما في ديوانيه "مائيات" و"سيرة المطر" ، والشاعر محمد البلبال بوغنيم في ديوانه المائي "رتاج المدائن" الذي يشعرن فيه مائيات أبي رقراق بريشة شعرية رمزية رائعة تذكرنا بريشة الفيلسوف الفرنسي گاستون باشلار G.BACHELARD في كتابه "شعرية الفضاء".
ويندغم الشاعر في ذاته اليائسة التي تحيا بالصمت والوحدة المميتة والانطواء على النفس داخل واقع لا يعرف سوى البطش وقوة التسلط والعنف الجائر والتوزيع السيئ للثروات المادية والمعنوية. إن الشاعر جزء من هذا الواقع البائس الذي تحفه الظلمة والكآبة القاتلة وتحيط به الهموم والأتراح من كل الجوانب. وبهذا يلبس الشاعر وشاح الراهب الأسود ليخط تراجيديا الرعب والاغتراب والموت خاصة مع اهتزازات المدينة التي تؤويه نهارا وليلا، وترقص هذه المدينة في كل لحظة وآن رقصة "السامبا" الزلزالية لتترك الشاعر ينطح ذاته ومصيره المرعب خوفا وارتعاشا:
في كل فجر، امتشق صهوة الروابينجمايشعل صمت الأشياءأدفن نفسي في نفسيولا أرى غير فوضى الأقوياءتتشكلحقول ناريوزع حنين الجمر على قلوب الفقراءناشدت سرا خطوط الأرض العاريهكي تسيخ أكثر...فأكثر (ص:13)
وفي قصيدته "أسماء بحجم الرؤى" ينتقل الشاعر من ذاته المغيبة إلى عشق الوطن الذي يتحول إلى رمز مائي إنساني. ويغدو الماء في ذاكرة اللاشعور الشعري إلى حلم جماعي يتتطلع الشعراء من خلاله إلى تحقيق الرغبات المكبوتة والبحث عن الارتواء والإشباع والانتشاء بالخصوبة:
على صدر المطركي أرمم صرح اسم عنيدينداح في ذاكرة معتق الكوثر حلل موج مموسقيعصف بخرائب الأسماءفيكن اسمي واسمك يا وطنيآية تسبح بحمد السؤال،وعشق المطرالمطر! (ص:16)
وليست مدينة الشاعر كمدينة عبد الوهاب البياتي أو مدينة عبد المعطي حجازي أو مدينة السياب التي تتسم بالاستقرار النسبي والهدوء الساكن على الرغم من تناقضاتها التراجيدية، بل إنها مدينة تهتزبأهلها على إيقاعات الموت والرعب والعري والضياع الوجودي. مدينة تفاجئها الهزات الزلزالية الدائمة التي تحن إلى عطر المدينة وعبيرها الريفي ، وتتشوق بحرارة إلى رؤية أهلها الوادعين الطيبين. وعلى الرغم من ذلك، تقف حسيمة الشاعر شامخة على أكتاف بركان خامد وأمواج البحر التي تدكها بصخب الرياح وعويل الهزات المترنحة بين آن وآخر. وهكذا تبقى المدينة في صمودها وجبروتها تتحدى عواتي الأمواج ورجات الخوف والارتعاش:
في صباح لم يشرب قهوتهولم يمسد ثوانيهعلى وجه المدينةألجاءها هدير زاحفا من جهة البحريصك آذان الجبال الهامدةيهز أركان البيتوالقلبما يكفي لمعاقرة العويل تحت الأنقاض.إلا أن الحسيمةليست ككل المدن الباهتهتتهاوىبطلقة ريحفي آخر المساءبل الحسيمة أمتعرف كيف تسامر الهزاتواحدة تلو الهزاتكيف تتلو صلوات اللطف على الفلذاتوالفلذات عيونتسافرعبر الأشجار والساحاتبلا مأوى (ص:34).
ما أروع هذه القصيدة الجميلة بنغماتها الإنسانية الحزينة التي تنسج خيوط الرعب وتراجيديا المكان! إنها أنشودة الصراع الانطولوجي من أجل البقاء والوجود. وحتى الحب والجمال الريفي الأصيل يخضع لرجات هذه الهزات المخيفة في جبال الريف المنعزلة في شموخها وانطوائها الذاتي. ويبقى الرحيل سيد الموقف وتصبح الهجرة حلا للهروب من الوقع الآسن والداكن بتناقضاته الصارخة:
لو المنفى وطنلخيرت النورس الصغيرفي أرض لم تشتهيها وجوه كالبشرتلك أرض غريبةتبكيثكلى الفصول الوئيدة الخطىوالريح المغرورق بالأعاصير، تشكوجمرا يمزق أصداء الليل حرفاحرفا (ص:17).
وتحضر الهجرة السرية في الديوان لترسم ألوانها القاتمة السوداء وتنسج أكفان الجثث المميتة المطرودة من أعماق البحر. إنها المأساة التي لايقبلها المنطق والشعور الإنساني. إنه الصراع الإنساني السيزيفي مع البحر الذي لا ينتهي بالنصر كما في ملحمة "الأوديسا" لهوميروس أو في رواية إرنست همنغواي "العجوز والبحر" أو روايات حنامينه البحرية، بل هو صراع فاشل وخائب من أساسه وبدايته يعكس الصراع اللامتكافىء بين الشمال والجنوب:
ذات ليل أبيضسمعتشخير بيت ممسوسحيث زوجان يعجنان السعد بعرق المستحيليتوسدان جذوة حزانىرماهم نعيب البحربمليون دمعة أو حرقة حافية الوميض.........أراك....أراك يابحرتتسلىبشهوة جثث كفناها بالزرقةوالماء.(ص:22)
ويتغنى الشاعر كذلك بهموم الآخرين ويتحسر تفجعا بغياب أصدقائه المبدعين والمثقفين الذين حملوا راية الهوية وصدق الأرض ودافعوا عن نبتة اللغة الأمازيغية كما في رحيل الأستاذ الأمازيغي قاضي قدور الذي قال الشاعر في نعيه:
ذات مساءيحتسي فنجان الفجأةعلى صيحة الريحجاءنيبريد بلا سقفيمزق قلب السماءيفيض عيون الأحبةماقرأوا وداعاتطرز على لوح الكلام.بأي عينأطفئ جمرة الكلماتأطفئ حرقة الذكرياتذكرى الصديق مزهرياتتموجعلماشهدا في خلايا اللغات (ص:51).
وينتقل الشاعر في الأخير إلى رصد نكبات فلسطين وجروحها الدامية المنغرسة في كل قلوب الشعراء المبدعين بمآسيها الحزينة ونكباتها اللعينة ألما وأملا مستشرفا غد أطفال الحجارة وأجيال المستقبل الموعود بالنصر الظافر:
يا أم حنظله.....أي شيء أهديك هذا الصباح؟أقمحا ينمو فوق الربى وطناأموجا يطفو تحت الماء نصراأم كلماتتزف إلى الشط الورقيعريسا رصاصيا.كم تشتهين...!نسج التراب حلماليلة مولود الفرح.وسم الوطن على الشفتينوردا يعاند قوس قزح. (ص:46).
بهذه الاستشهادات الشعرية الطاغية في الرمزية والتجريد يبدو أن الشاعر يحمل في جعبته رؤية وجودية إنسانية قوامها المعاناة والسأم والحزن والاغتراب واللامبالاة. ولكن هذه الرؤية سرعان ما تحمل في طياتها رؤى تفاؤلية بالمستقبل الذي سينجزه أطفال المستقبل وأجيال الحجارة وأبناء الفعل والممارسة الثورية بدلا من أبناء السراب الضائع وأبناء الرومانسية الحالمة.
ب- البنيــــة الشكليــــة:
تستند لغة الشاعر إلى الخرق والانزياح ولغة الإيحاء والتضمين التي تتجاوز لغة التعيين والتقرير المرجعي. ويعني هذا أن لغة الديوان من البداية حتى النهاية لغة رمزية تشخيصية قائمة على الأنسنة والترميز والأقنعة. ويتكئ الشاعر على معجم الطبيعة ليخلق عالمه الشعري الذي يتسم بشاعرية التجريد التي وجدناها كذلك عند الشاعر المغربي الوجدي يحيى عمارة في ديوانه "فاكهة الغرباء". إن هذه الشاعرية مكثفة في الديوان بطقوسها الرمزية ومنطوقاتها الإيحائية التي تشكل لغة الباطن والإحالة والتكنية الغامضة والعمق الدلالي؛ مما يجعل كل قصائد الديوان يطغى عليها الغموض الجمالي والإبهام الفني. ومن ثم، تتحول اللغة الشعرية إلى قناة رمزية يتسلح بها الشاعر لإرسال رسالته الشعرية التي يتقاطع فيها المحور الاختياري الاستبدالي مع المحور الأفقي التركيبي خرقا وانتهاكا كأننا أمام جنون شعري وطلاسم شعراء عبقر ومبدعي الوحي الإلهامي. وبهذه اللغة الرمزية التي تتجاور فيها الذات مع الطبيعة والمكان يمكن أن ندرج مبدعنا الرائع ضمن المدرسة الشعرية الرمزية.
وتنساق البلاغة بصورها الشعرية مع تيار المجاز الجارف والاستعارات التصريحية والمكنية من بداية الديوان حتى منتهاه لتخلق لنا نصا تشخيصيا تتجاور فيه المشابهة والمجاورة برفقة الرموز وأسطورة العنقاء الدالة على الموت والانبعاث كما يبدو ذلك واضحا في المقطع الشعري في الغلاف الخارجي:
أنا أعرفكوأنت تعرفنيكلانا من تراب قابل للتأميمإن ضحك السماءأنا والقهوة سيانكلانا يحترق بانفرادكلانا رمادالصمت محرابإن وطأته باللسانصرتأمام النسيانقبل الأوان
وإذا كانت الوظيفة الشعرية قد تحققت في ديوانه الممتع بلغته الشاعرية الزئبقية المجردة ولذة النص وصوره البلاغية الموحية، فإن الأساليب والتراكيب الإنشائية قد قامت بدورها الإيحائي في بلورة شاعرية ثرية بالتنوع الأسلوبي من نداء(يا أم حنظله....)، واستفهام إنكاري (أي شيء أهديك هذا الصباح....؟)، والتخصيص الأسلوبي (أمواجا يطفو تحت الماء نصرا)، والنهي (لا تستكيني يا زهرة...)، والنفي (لاوقت للهتاف المفجوع....)، والشرط المتعلق بالزمن:
( كلما اهتز وجه الأرضلسفر الماء من البحر إليهراودت سحب سمائي المنكفئه)
كما وظف الشاعر أسلوب التمني والترجي والتوقع (علني أمسح تفاصيل العيون عن جلدي)، وأسلوب الأمر:
اسأل النابغةيعطيك بوصلة الشعراءمعلقات المرايا
ويتنوع الالتفات عند الشاعر من خلال الانتقال من ضمير التذويت وتبئير ضمير المتكلم إلى المخاطب والجمع والغياب بطريقة متداخلة رائعة يصيغ الشاعر من خلالها جدلية الصراع والاختلاف أو جدلية الذات والأخر:
أنا أعرفكوأنت تعرفنيكلانا من تراب قابل للتأميمإذا ضحكت السماء (ص:19)
وعلى مستوى الإيقاع الخارجي، يتبنى الشاعر القصيدة المنثورة قالبا لتجربته الشعرية والتي أبدع فيها أيما إبداع، حيث تمتاز قصائده الشعرية بالرونق الجمالي والمتعة الفنية. وهنا أهيب بالقارئ ليطلع على هذا الديوان الشعري الذي يتقطر شهدا نظرا لحلاوة الصور الشعرية وعسلية الأقنعة الرمزية التي تستفز المتلقي وتدفعه إلى التخيل والتخييل والتفكير واستخدام الذهن وتشغيل جميع الحواس لاقتناص المتعة والفائدة. وعلى الرغم من نثرية الإيقاع الخارجي والتحرر من الأبحر الشعرية إلا أن الموهبة الفطرية المطبوعة التي يمتلكها الشاعر جعلته في بعض الأحيان يستعمل بعض الوحدات التفعيلية كوحدة فاعلن ووحدة فعولن ووحدة مفاعلتن ووحدات إيقاعية أخرى بطريقة عفوية غير مقصودة. وقد نجح الشاعر في تجربته النثرية أيما نجاح، وكان الشاعر فيها متمكنا بكل طرائق التجربة الإبداعية الحداثية وفارسا فيها بكل مقومات الفروسية الشعرية الإبداعية.
ومن حيث الإيقاع الداخلي، يلتجئ الشاعر إلى موسقة كلماته بنبرات نغمية رائعة ونوتات متوازية ومتوازنة عن طريق الترادف والتكرار وحركات الروي المتماثلة كما في هذا المقطع:
بطاقة وقتيفل أهديه للحدود الدائمة ضديكي تذوب تحت ظل جلدينورا يوهج توابيت حلميآتيا من العمق (ص:7)
وتحضر القافية المقيدة بالسكون كثيرا في ديوان الشاعر خاصة القافية المترادفة (..):
بيننا وقت غربته طقوس الفناء۫
ويحضر التوازي اللفظي بصيغه الصرفية المتناسبة ومقاساته المتعادلة:
كي أمنح قلبي لإله الموجللماء أبوح بآهات سريولزرقته أشكو رماد أرضيدفلى فقراء دربيدفلى تورق في عمق التاريخنجمافيضا!يخضب وجه الوقت بحناء العرسأو يتلألأ في حزام الشمس.واقفاأحث بقايا الموجعلى السفر الطويل في سدى الليلوعناق الفجر الأول. (ص:9)
ونلاحظ في هذا المقطع الشعري المعادلة اللفظية(أرضي ودربي- العرس والشمس...)، كما يحيل أيضا على القافية الموحدة المتتابعة(العرس والشمس)، والقافية المتراكبة التي تختفي وتظهر مرة أخرى بعد عدة أسطر شعرية (تظهر كلمة الموج بعد السطر الحادي عشر).
ويساهم التكرار في إضفاء نغمية إيقاعية داخلية رنانة تدغدغ النفوس بآهاتها الحزينة:
بالثلجبالثلج وحده يتحجر جبروت أغبياء القرون الساخطهأنا والقهوة سيانكلانا يحترق بانفرادكلانا رماد
وترد الأصوات المهموسة (السين والحاء والفاء والكاف والصاد والثاء والهاء...) لتنفجر بالصمت والكآبة والمأساة البشرية في صراعها مع الزمان والمكان والآخر، ولتعزف سمفونية البكاء الصارخ والموال الشجي الذي يهتز بارتعاشات الخوف والرعب والموت.
ويسمو الديوان بقصائد شعر الانكسار والتمرد عن قوالب الخليل العروضية باعتماد الأسطر والجمل الشعرية والتحرر من صرامة الوزن ووحدة الروي والقافية وثنائية الصدر والعجز والانصياع لبناء متسق ومنسجم في ترابطه العضوي والموضوعي.
وتطغى الهيكلة الغنائية على أجواء الديوان الشعري على الرغم من وجود قصائد تتخللها صيغ حكائية توحي بالبناء الدرامي القصصي ذي الحبكة السردية:
جاءنيعلى صهوة الليلفارسا تحرسه نياشين النجم الغائر في السحابيبحثفي مآقي العائدين من لون الحمام (ص:24)
ويقول أيضا ساردا هزات المدينة المتكررة:
في صباح لم يشرب قهوتهولم يمسدثوانيهعلى وجه المدينةألجاءها هدير زاحفا من جهة البحريصك آذان الجبال الهامدهيهز أركان البيت والقلب (ص:34).
وهناك ظاهرة لافتة للانتباه وهي ربط الفعل بلام الصلة كما في هذا المثال:
على وجه المدينةألجاءها هدير زاحفا من جهة البحر
وهذه الطريقة التعبيرية موجودة عند شعراء مدرسة آل لقاح وخاصة عند الشاعر المتميز والمتوهج ميلود لقاح، ثم عند الشاعر القدير علي العلوي في ديوانه (أول المنفى).
خاتمـــــــة:
ويتبين لنا مما سلف ذكره، أن الشاعر جمال أزراغيد يصيغ ديوانه الشعري الأول (أسماء بحجم الرؤى) في قالب نثري مليء بالإيحاء والتضمين، بله عن شاعرية تجريدية عتيدة تتغنى بشعرية الفضاء والماء والذات والمكان. وتحفر هذه الشاعرية الممتعة معاولها الفنية والجمالية في أتربة التخييل والتخيل ، كما تنبش في أغوار مأساة الإنسان المغربي والأمازيغي والعربي المثخنة بالندوب المؤلمة والجروح الدامية.
وينحو الشاعر في صياغته الشعرية منحى الرمزيين في استخدام الأقنعة والرموز والدوال الطبيعية في التعبير عن تجربته الذاتية والموضوعية والتعبير عن كل أنات الجرح المحلي و الوطني والقومي.
وكل من يقرأ ديوان "أسماء بحجم الرؤى" ويعيد قراءته مرات ومرات لاشك أنه سيخرج بانطباع واحد ونتيجة واحدة وهي أن المبدع جمال أزراغيد شاعر جدير بالتنويه والتقدير، كما أن ديوانه هو أيضا جدير بالقراءة المتكررة مادام نصا مفتوحا ثريا بالدلالات اللامتناهية سطحا وعمقا. ويستحق الديوان منا ومنكم – أيها القراء الأفاضل- قراءات تأويلية متعددة ومختلفة، والتي ستبقى دائما غنية بالتأويلات وتعدد المقاربات باختلاف الأزمنة والأمكنة والأذواق.