ذكريات للبيع
استيقظت يوما على خبر اجماع اخوتي على بيع فيلا والدي رحمه الله ، بعد أن أخذت الازمة الاقتصادية تلقي بظلالها تحركت في النفوس رغبات دفينة .
كان أخي يأبى البيع لأن والدي أوصى أن تبقى الفيلا لهم ، إلا أن بقية اخوتي لم يبالوا بهذا الشيء فكل واحد منهم يحلم بتغيير نمط حياته الى الأفضل ، كانوا يعتقدوا في بيعها سوف تدر عليهم الملايين .كانت فيلا أبي بالنسبة له أكثر من مجرد بناء ، بل تشكل كفاح السنين شيدها بماله الخاص كي تبقى لنا .
ظننت أن وصيته ستبقى محفورة في قلوبنا الى الأبد ، لكن بمحرد ما غاب أبي تبخرت الوعود وفكروا اخواتي ببيع الفيلا من أجل حفنة مال.
تذكرت وصيته التي خطها ، لكن نداء الطمع أعلى من صوت الوفاء . ذهب تعب أبي وذهبت جدارن الذكريات ، لم يكن البيت مجرد حجر ، كانت الفيلا التي بناها والدي رحمه الله تختزل كل تفاصيل حياته .
وكم كانت سعادته بالغة حين نلتف حوله ، فترى ضوء ابتسامته إذا امتلأ البيت بنا ، وهو يتابع التلفاز ، ممسكا بفنجان الشاي على كرسيه المعتاد .
أما مكتبه فهو الملاذ الهاديء يقضي معظم وقته بين كتبه ، أوراقه المتناثرة ، أقلامه الملونة ، يقرأ ، يكتب وأخرى يتأمل .
ودونما مقدمات جاء المشتري ودفع مبلغا ، لم يكن بالمبلغ الكبير الذي حلموا به .
المال الذي أعمى القلوب وسيطر على العقول ، وتم البيع وحصل كل منهم على مأراده ، كم ألمني التفريط في تعب أبي الندم يقتات مني ، كيف تبرأ مرارة الخذلان ووجع الذكرى ؟
بيع بيت أبي والمفتاح لم يعد معنا وتبقى وصيته على الجدارن عن التعب الذي قضاه .
لم نرث منه بيتاً تسكنها الأجساد بل ورثنا وطنا صغيرا تسكنه الأرواح ، لم تباع حجارة بل بيع الدفء الذي لن يعود ،وكيفما التفت ألتقط صورا لأبي رحمه الله ، لقاءات الأمس ، الشارع المعتم الطويل ، أنين ذكرى ، الليل بطعم غيم وغبار والبيت وحيدا ، سور الحديقة أشجاره وأغصانه شجن الحكاية .
وصلت متأخرة بكامل دموعي ببرودة تخترق المكان وكأن البيت يعاتبنا ، وتبقى غصة الفقد لم تفارقني ، لم نعد نجتمع في مناسبة أو عيد تفرقت الطرقات ، وانقطع التواصل ، وصار كل منا غريبا عن الآخر ربحوا المال للحظات وخسروا ذكرى الأب ودفء العائلة وجدارن كانت تجمعهم يوما .
اللهم إن أبي تعب فتغمده برحمتك وأجعل كل زاوية بناها نورا في قبره ، وسامحنا إذ لم نحفظ وصيته .
قال الشاعر : أبو تمام
كم من منزل في الأرض يألفه الفتي .
وحنينه أبدا لأول منزل .

مشاركة منتدى
٥ تشرين الأول (أكتوبر), ١٨:٥٤, بقلم Queen 484
قصة موجعة تلامس القلب؛ لأنها لم تكن.
حكاية بيع فيلا، بل حكاية بيت كان يسكنه الأب، وتسكنه معه روح العائلة ودفء
السنين
رحم اللّٰه الأستاذ عبد الفتاح أبو مدين ذلك الأب الحنون لكل من عرفه، رحمة واسعة، وجعل تعبه وكفاحه وما بناه لأبنائه شاهدًا له لا عليه ونورا يمتد إلى قبره
قد تُباع البيوت وتتغير الأبواب وتنتقل المفاتيح إلى أيد أخرى، لكن الذكريات لا يستطيع أحد شراءها أو انتزاعها من القلوب. يبقى صوت الأب، ومجلسه، وكرسيه، وفنجان شايه، وفرحته باجتماع أبنائه حوله أشياء لا تُقدّر بثمن.
ولعل أجمل وفاء
له اليوم أن يبقى ما كان يتمناه حيًا بين أبنائه المحبة وصلة
الرحمواجتماع القلوب فالمال مهما
كثر يُصرف وينتهي أما الأخوة إذا تفرقت فقد لا يعوضها مال الدنيا كله رحم اللّٰه أباكم وأسكنه الفردوس
الأعلى وجمع قلوبكم كما كان يحب أن يراكم دائمًا مجتمعين ومحبين